ثلاث سنوات مع العميد يوسف عودة

2023.07.02 | 06:35 دمشق

ثلاث سنوات مع العميد يوسف عودة
+A
حجم الخط
-A

تمرّ بكل منا أحداث عدة في حياته وظواهر ليس لها تفسير معقول، كأن يبتعد عنك شخص، أو يقترب منك، أو تصبح جزءاً من حادثة أو حكاية لا تعرف عنها شيئاً.

حين لا نجد لما يحدث تفسيراً، نتغاضى عنها أو نهملها أو نقدم لها تفسيراً آخر يريحنا بإجابة ما، لنسمه التجاوز الاضطراري، وغالباً فإن دخولنا المشهد السردي ناجم عن قراءة خاطئة من الآخر، أو ربط غير دقيق بحدث ما...

بعد سنوات تأتي حادثة ما أو تقرأ كتاباً أو تسمع عن حدث مصادفة، فتفتح لنا أبواباً جديدة للتفسير والقراءة، يكون الزمان قد فات والمكان والشخصيات كذلك، نتعامل مع ذلك الحدث الذي مضى بحيادية البُعد والنسيان، بعد أن كان ذلك الحدث حاراً وصاخباً! ربما كنا نحن المخطئين في القراءة، أو الآخر هو الذي أخطأ بقراءته فوضعنا في تفسيراته غير الدقيقة.

مقالة الباحث حسام جزماتي المتميزة يوم الاثنين الماضي عبر موقع تلفزيون سوريا (القصة شبه الكاملة عن مصرع اللواء محمد عمران) ودور"العميد يوسف عودة" فعلتْ هذا الذي ذكرتُه في السطور السابقة بي شخصياً! وكشفت لي تفاصيل لم أعرفها قبل عقد ونيف، خاصة في الفترة من عام 2008 إلى عام 2011 في جامعة دمشق- كلية الآداب حيث كنت ألتقي (العميد عودة) بشكل شبه دوري.

كانت الساعة السادسة مساء يوم دخلنا قاعة المناقشة، أطروحة دكتوراه للطالب ثائر يوسف عودة، وكان والده قد حشد كل معارفه في المدرج السادس بكلية الآداب، ليحتفل بابنه الذي ولد قبل النكسة بعام واحد!

شاءت ظروف الحياة أن أكون مناقشاً لأطروحة ذلك الطالب عن النقد الأدبي الفلسطيني، كان ذلك الشاب قد حقق حضوراً متميزاً في الصحافة الثقافية، وقدم رسالة ماجستير لافتة، بيد أنه سافر إلى الإمارات وانقطع عن العمل الأكاديمي والبحثي المتعلق بالنقد الأدبي!

وبما أنني الأصغر سناً، وفق التقاليد الأكاديمية، فإنني كنتُ المتحدث الأخير في تلك المناقشة، كانت عيون العميد الحادة تنظر إلي بشيء من الاستخفاف فبعد أن أدلى كبار السن بما أدلوا به وقالوا ملاحظاتهم، فماذا سيقول ذلك الشاب، صار الرجل قاب قوسين أو أدنى من حصول ابنه على الدكتوراه. شعورٌ مألوف أن يفرح الأب بابنه، ولا سيما أنه قضى معظم عمره بعيداً عن طفله، وهو في السجن، وبدأ الرجل يتحرك في المدرج ليشرف على تقديم الضيافة في نهاية المناقشة، خاصة أنني بطريقة أو بأخرى قريب من الطالب المناقش ليس بالعمر فحسب بل في الأنشطة.

كنتُ قد تواصلتُ مع رئيس الجامعة عن طريق أحد الأصدقاء (د. وائل معلا، زوج د. لبانة مشوح وزيرة الثقافة وأحد ندماء بشار الأسد كما يشاع) على أمل أن توقف مناقشة الدكتوراه احتراماً لسمعة جامعة دمشق، أو أن يتم تأجيلها، ووعدني بذلك، غير أنه انسحب من وعده،  بل عرض عليّ عرضاً خبيثاً عن طريق ذلك الصديق، وهو أن أتخلف عن حضور جلسة المناقشة! غير أنني غامرتُ ولستُ نادماً، وما حياة الكثيرين منا، إلا سلسلة مغامرات، بطريقة أو بأخرى!

في نهاية المناقشة كان القرار، أنه لن يمنح الطالب الدكتوراه قبل أن يحذف كل المسروقات ويعدل في الرسالة، وكان الأحرى بالمجالس الجامعية أن تفصله، فما المنتظر من "دكتور" يسرق أكثر من مئة صفحة من كتب الآخرين؟

كان صديقنا من المعتدّين بأنفسهم، وكان متميزاً في مجاله قبل أن تطوي ذلك التميز انشغالاته في الإمارات، ويتحول إلى سارق دكتوراه بدلاً من طالب دكتوراه!

كنت قد طلبتُ من الطالب أمام الجمهور أن يقرأ من رسالته صفحات ومقاطع، وأنا أتابع معه من كتب الآخرين التي أحضرتها معي خاصة كتب كل من الدكتور نعيم اليافي وسمر روحي الفيصل....

وهكذا في نهاية المناقشة كان القرار، أنه لن يمنح الطالب الدكتوراه قبل أن يحذف كل المسروقات ويعدل في الرسالة، وكان الأحرى بالمجالس الجامعية أن تفصله، فما المنتظر من "دكتور" يسرق أكثر من مئة صفحة من كتب الآخرين؟

ومنذ ذلك اليوم بدأت علاقتي الشخصية بالعميد يوسف عودة الذي عرفه كل أفراد عائلتي لأنه يجري معي اتصالاً هاتفياً شهرياً ثم نلتقي في الكلية كذلك، ويزورنا معارف كثيرون للتوسط لابنه!

كان الابن قد عاد إلى الإمارات ليتابع عمله، وفي تقديري أنه لم يهتم بكل المشهد الذي حدث، وما إتمامه للدكتوراه إلا تلبية لرغبة والده في أن يصبح ابنه دكتوراً!

كان أول المتوسطين هو أبو الندى، أو لنقل الرفيق أبو الندى قائد الدفاع الشعبي، اللواء محمد إبراهيم العلي عن طريق أحد الروائيين السوريين، إذ يحسب أبو الندى نفسه على الروائيين، وكنت قد تأكدتُ لاحقاً أن ذلك الروائي الذي عرّفني إلى أبو الندى هو من يحرر روايات أبو الندى أو أسفاره الروائية التي لا يقرؤها إلا المتطوعون في الدفاع الشعبي أو من يأخذهم إلى شاليهات الدفاع الشعبي على الساحل السوري!

كنتُ قد اعتدتُ زيارتَه الشهرية إلى مكتبي بكلية الآداب في قسم اللغة العربية بجامعة دمشق، حاملاً معه أطروحة الدكتوراه كمن يحمل قضية، وفي كل مرة كان العميد عودة يعود خائباً برفقة تقريري العلمي فيما يجب أن يتم تعديله، وهو التقرير ذاته، لأن الأب فيما بدا لي يوكل المهمة لآخرين فيغيرون بالخط أو بالإخراج أو تقديم فصل على فصل، لكن السرقات تبقى كما هي!

كان العميد في البداية دمثاً مرناً يركز على المشتركات بيني وبين ابنه مع تطعيمات عن المشتركات بين الفرات وفلسطين وكذلك عن دوره النضالي في الصاعقة وكوني أسكن في معضمية الشام حيث احتضنتْ أحد معسكراتهم!

يحدثني عن نفسه بصفته رجل دولة في سوريا، وأولاً بأول تردني اتصالات من ضباط رفيعي المستوى أو قياديين بعثيين، لكنني كنتُ أدرك من اتصالهم أنه ليس اتصال من يفرض القرار، ولو كان ذلك كذلك لاتصلوا برئيس الجامعة، بل اتصال المحرج ولا أذكر أن أحداً منهم أعاد الاتصال مرة أخرى!

مطلبي كان بسيطاً جداً، وهو أن يجري الطالب التعديلات ويخلص رسالته من السرقة، يرد علي: سبق أن منحتْ جامعة دمشق دكتوراه لعدد من الضباط والحرامية، أقول له: أنا لا علاقة لي بهم!

ضاق العميد ذرعاً بي بعد ثلاث سنوات من المراجعة: ابنه لم يجر التعديلات، وأنا بقيت مصراً على موقفي العلمي.

في المرة الأخيرة التي استقبلته فيها كنتُ متعباً من أمور حياتية عدة، ومللتُ من تكرار الملاحظات كل شهر أو شهرين. وكان هو الآخر قد تعب من إصراري. أخرج محضر المناقشة من حقيبته، موقعاً من كل الأساتذة المناقشين الذين ربما استجابوا للواسطات أو تعبوا من كثرة مراجعاته فأجبته بحسم: مستحيل أن أوقع قبل أن تجرى التعديلات كاملة، الأمر ليس وساطات بل أمانة علمية وأخلاقية!

صرخ بوجهي: "أنا مفضّل عليك وعلى هذا الذي صورته فوق رأسك، ومفضل على أبوه!" كانت الجامعة قد قررت أن تضع صورة بشار الأسد وأبيه في كل المكاتب الجامعية.

تمالكتُ ردة فعلي وقلت: هذا الرجل يريد أن يوقعني في مصيبة جديدة في بلاد الخوف والرعب!

بعد أن تلقيت صدمة ما قاله بالصمت، اتبعتُ معه أسلوب التبريد في الحديث، ولا أعرف من أين جاءتني الحكمة وأنا في الثامنة والثلاثين آنئذ، وسألته بحيادية عن الصلة بيني وبينه، وأنني صرت أستاذاً في جامعة دمشق بجهدي وأبحاثي وكتبي...

 فرد علي بعصبية كمن يريد أن يورطني: لم تفهم علي ولن تفهم علي، لولاي لما بقي حافظ الأسد ولما دخل الريفيون أمثالك الجامعات! وخرج غاضباً يهذرب!

أما أنا فقد أخذت ألتفت يميناً ويساراً على أمل ألا يكون أحد قد سمع ما قاله، فتقع المصيبة على رأسي وأغيّب في سجون لا قرار فيها!

لم يغب عن بالي ما قاله "العميد يوسف عودة" ولن أنسى مشهد تعصيبه، غير أنني أرجعت الأمر إلى أنه متقاعد، ويسعى لكي يحصل ابنه على الدكتوراه ليفتخر بها، فهو من النمط الذي يعتقد أنه بنى المؤسسات أو البلدان، أو ممن نسميهم (المنفوشين) الذين لا حدود للأنا المتضخمة عندهم! والعميد يوسف عودة أحد النماذج الفلسطينية التي خاب رجاؤها بالتحرير فانعكس على حياته الشخصية ونمطه.

علمتُ لاحقاً أن قسم اللغة العريية قد زوّر توقيعي أو تغاضى عن وجودي في لجنة المناقشة، وتم منح الدكتوراه لابن العميد يوسف عودة، لكنها ستبقى وصمة عار علمية

لم يكن يخطر ببالي آنئذ أن الرجل ليس بعميد كما بدا من مقالة الصديق حسام جزماتي، فقد كان يمتع بكريزما ضابط قيادي، وكان يعيش الحالة ويصدقها، ويحرص على أن يلبس لباساً رسمياً أقرب إلى لباس ضباط المخابرات الكبار!

علمتُ لاحقاً أن قسم اللغة العريية قد زوّر توقيعي أو تغاضى عن وجودي في لجنة المناقشة، وتم منح الدكتوراه لابن العميد يوسف عودة، لكنها ستبقى وصمة عار علمية. وتقتضي الأمانة العلمية إلى أنني في جامعة حلب آنئذ أوقفتُ بالتعاون مع زملاء آخرين منح ماجستير ودكتوراه لطالب وطالبة لأن سرقاتهما تجاوزت الخمسين صفحة...

هنا لا بد من الإشارة إلى أن عدداً كبيراً من أساتذة الجامعات كانوا يقفون في وجه تلك الوساطات كما فعل صديق مع ابنة اللواء مصطفى التاجر، في حين يستغل آخرون فرصة تدريس الضباط أو أبنائهم للحصول على منصب أو موقع ما كما فعل أحدهم مع ابنة فاروق الشرع وكذلك فعل كثيرون مع آصف شوكت وبهجت سليمان.