توافقات دولية لتحجيم دور إيران بانتظار نظام إقليمي جديد

تاريخ النشر: 21.06.2018 | 00:06 دمشق

شكل التصعيد الإسرائيلي ضد مواقع إيران العسكرية على الأرض السورية مأزقاً حقيقياً للأخيرة، خاصةً بعد المطالب الأميركية الواضحة لطهران بضرورة الخروج من سورية، وتأييد موسكو لهذا المطلب الأمر الذي سيدفع دوائر القرار الإيرانية للبحث عن مقاربات مغايرة فيما يخص الدور الإقليمي في الشرق الأوسط، كمدخل لتسويات محتملة مع القوى العظمى والفاعلين الإقليميين على رأسهم إسرائيل يعيد إنتاج خرائط المصالح والنفوذ بما يضمن عدم نشوب صراع كبير في المنطقة.

المطالب/ التهديدات الإسرائيلية لطهران لن تصل بالضرورة لإنهاء الوجود أو النفوذ الإيراني في سورية،

ما يريده الإسرائيليون هو تقليم مخالب الإيرانيين وفق معادلة سياسية تحافظ على قواعد الاشتباك – حزب الله جنوب لبنان وحماس والجهاد الإسلامي في فلسطين-

لكنها دون شك ستؤدي إلى تحجيم هذا الدور بما لا يترك مجالًا للأولى بأن تصبح منافسًا حقيقيًا لـ تل أبيب في زعامة الإقليم، ومن هنا يمكن فهم أن ما يريده الإسرائيليون هو تقليم مخالب الإيرانيين وفق معادلة سياسية تحافظ على قواعد الاشتباك – حزب الله جنوب لبنان وحماس والجهاد الإسلامي في فلسطين- دون تغيير على المدى المنظور على الأقل بانتظار توافقات الكبار.

من جهتها إيران لن تتخلى عن مكاسبها وحضورها في الداخل السوري، ومن المرجح أن تلجأ إلى عمليات إعادة انتشار لقواتها كما يحدث حاليًا جنوب سورية من باب جس النبض وفي حال استمرار الضربات الإسرائيلية فلن تمانع بسحب تلك القوات ولو بشكل جزئي لأن انحسار الوجود العسكري الإيراني على الأرض لا يعني إنهاء النفوذ السياسي، فإيران أسست لنفسها ركائز مهمة داخل بنية النظام الأمنية والعسكرية والسياسية، وتغلغلت داخل المجتمع السوري عن طريق حملات التشييع ومراكز الخدمات وغيرها.

عقدة التواجد الإيراني في سورية والانزعاج الإسرائيلي يطرح تساؤلًا حول إمكانية نشوب صراع مفتوح بين الطرفين يعيد خلط الأوراق في الشرق الأوسط الغارق أساسًا في الفوضى، إلا أن هذا الاحتمال يبقى مستبعدًا في ظل رفض القوتين العظميين واشنطن وموسكو لمثل هذا التصعيد، ورغبتهم في "ترشيد" الدور الإيراني ليس في سورية فقط، بل أيضًا في العراق واليمن ولبنان وفلسطين بما يتيح استثماره في عملية إنتاج الشرق الأوسط الجديد.

إضافةً لكل ذلك تبقى تل أبيب المستفيد الأكبر من النهج الإيراني، بعد أن حول القضية الفلسطينية من مسألة تحرر وطني لمجرد نزاع مصالح وأوهام سلطة، عن طريق "محور الممانعة والمقاومة" إلى جانب ما أفرزه الأخير من حالة صراع بين الدول العربية وطهران وجدت فيه إسرائيل مدخلًا عظيمًا للتطبيع علناً مع تلك الدول وانتزاع موافقتها على الصفقة الأميركية "للسلام" رغم أنها تنهي المشروع الوطني الفلسطيني، وهو ما يعطي العديد من المؤشرات بأن الإسرائيليين لا يرغبون بصراع مفتوح مع إيران ويفضلون تأييدًا دوليًا يمنعها من التحول لمنافس يؤرق التفوق الإسرائيلي في الشرق الأوسط.

استبعاد الصدام على نطاق واسع بين طهران وتل أبيب تجاوز حيز التحليل،

 طهران لن تسلم بأي حال بالهزيمة خاصةً في سورية، وربما تذهب لتنازلات كبيرة في اليمن مقابل الحفاظ على مكاسب سياسية واقتصادية في الداخل السوري.

وعبرت عنه تصريحات توماس غراهام مستشار وزير الخارجية الأميركية الأسبق هنري كيسيجنر التي قال فيها "لا أرى أن الحرب محتملة الآن، روسيا تلعب هنا دورا فائق الأهمية، ولا مصلحة لها في هيمنة إيران على الشرق الأوسط، بل هي بحاجة إلى توازن قوى في المنطقة، والولايات المتحدة أيضًا بحاجة إلى ذلك"، كذلك جاء تأكيد الرئيس الأميركي بأن إيران بدأت بسحب "رجالها" من سورية واليمن، ليعطي هامشاً من الأمان للتسويات السياسية التي تقودها موسكو بين اللاعبين الإقليميين (أنقرة/ طهران/ تل أبيب/ الرياض).

 طهران لن تسلم بأي حال بالهزيمة خاصةً في سورية، وربما تذهب لتنازلات كبيرة في اليمن مقابل الحفاظ على مكاسب سياسية واقتصادية في الداخل السوري، ومن هنا قد تذهب في أي لحظة إلى إشعال جبهات رخوة في المنطقة من أجل حماية خط نفوذها الاستراتيجي (بغداد/ دمشق/ بيروت)، بالإضافة لاستثمار تحالفها المتنامي مع تركيا وتفاهماتها مع الروس والأوروبيين بهدف تثبيت دورها ومكانتها الإقليمية.

عوامل نشوب صراعات كبرى في الشرق الأوسط تبقى موجودة لكنها مؤجلة بانتظار تفاهمات استراتيجية تعيد بشكل أو بآخر إنتاج نظام إقليمي جديد يرسم أدوار اللاعبين الأساسيين بناء على المتغيرات الجيوسياسية الكبيرة التي حدثت خلال العقد الأخير، وهو ما تزال الدول العظمى في مسار إنضاجه لأنه لا يرتبط بشرق المتوسط فقط بل يتعداه إلى مناطق أكثر استراتيجية سيما للروس والأميركيين سواء في غرب آسيا أو شرق أوروبا، والذي من الممكن أن يصل إلى حدود إنهاء سياسة القطب الواحد.