تهدئة بيونغ يانغ هديةً من بوتين إلى ترمب

تاريخ النشر: 04.05.2018 | 10:05 دمشق

آخر تحديث: 21.08.2020 | 11:40 دمشق

ما زالت فكرة تورط ترمب مع روسيا في علاقة غير قانونية، ربما ساهمت في إيصاله إلى الرئاسة، رائجة في الإعلام الليبرالي وعلى ألسنة السياسيين الديمقراطيين. هذه الفكرة، رغم عدم ثبوتها بدليل قاطع حتى الآن، إلا أن لها ما يدعمها من مؤشرات على أرض الواقع، وآخرها رفض ترمب الأحادي لفرض عقوبات على روسيا في 18 من نيسان/ أبريل الماضي.

لكن مؤشرا آخر أضيف على هذه العلاقة المشبوهة في الشهر الماضي أيضًا،

الولايات المتحدة وحلفاءها توخوا الحذر الشديد في اختيار أهداف الغارات الجوية على مواقع الأسلحة الكيميائية لنظام الأسد

ربما يساعد في فك لغز الانفراجة المفاجئة في الأزمة الكورية المستمرة منذ أكثر من ستة عقود، أشار إليه الصحفي الأمريكي مليك كيلان، مؤلف كتاب “محور الصين وروسيا: الحرب الباردة الجديدة وأزمة القيادة الأمريكية”.

أشار كيلان في مقالته الأسبوعية بمجلة فوربس، إلى أن الولايات المتحدة وحلفاءها توخوا الحذر الشديد في اختيار أهداف الغارات الجوية على مواقع الأسلحة الكيميائية لنظام الأسد، التي ادّعى مسؤولون أمريكان في تصريحات متناقضة أنّها ضربت قدرات نظام الأسد على إنتاج هذه الأسلحة في مقتل، وأن النظام احتفظ في الوقت نفسه بالقدرة على استخدامها.

هذه الأهداف كانت منتقاة بحيث لا تلحق الضرر بأي جندي أو منشأة روسية أو إيرانية. وقد فقدت الغارات فعاليتها قبل أن تنطلق، بالنظر إلى قدرة نظام الأسد على نقل مخزونات الأسلحة الكيميائية أو معدات إنتاجها من جهة، وعلم روسيا بأن الضربات لن تستهدف مصالحها مسبقًا، بدليل اتصال الرئيس الفرنسي ماكرون بنظيره الروسي بوتين قبل الغارات بساعات للحديث حول سوريا.

كان للغارات، حسب كيلان وغيره من المحللين، أثر معاكس؛ فالأسد بإمكانه استخدام هذه الأسلحة مرة أخرى، والثوار السوريون فقدوا مزيدا من الثقة بحلفائهم الغربيين من خلال إدراكهم لهذه الحقيقة. وذهب مارك ثيسين، الكاتب في صحيفة واشنطن بوست، إلى أن الضربات أثبتت عجز الولايات المتحدة في سوريا، بدلا من أن تُظهر قوة أمريكية رادعة في وجه النظام السوري وحلفائه الروس والإيرانيين.

وفقا لهذه الظروف، يبدو أن الحلفاء الغربيين لم يُخِلّوا بتوازن القوى في سوريا، بل على العكس من ذلك، تعمدوا عدم التورط في تشكيل مخرجات الصراع على الأرض السورية على المدى الطويل. وربّما يبرر ذلك، حسب كيلان، إقدام إسرائيل - بدافع اليأس من الموقف الأمريكي - على تنفيذ ضرباتها من جانب واحد ضد بنى إيرانية في سوريا.

ربّما تكون الولايات المتحدة متواطئة في الغارات الإسرائيلية الأخيرة، كما أشار تقرير لموقع “ذا درايف” حول استخدام الطائرات الإسرائيلية (F-15I) شيفرة الطائرات الأمريكية (F-15E) المُشارِكة في غارات التحالف الدولي ضد تنظيم "الدولة" لخداع الرادارات السورية، إلا أن المحصلة تقول إن إرادة أمريكا وحلفائها لبدء حرب ضد روسيا في سوريا غير موجودة بتاتاً، حتى لو كان ذلك لمصلحة إسرائيل.

أشار تشارلز ليستر، الباحث في معهد واشنطن في مقالة بموقع "ذا ديلي بيست"،

نظام الأسد ما يزال خارج الحسابات الأمريكية، وبالتالي يكون احتواء إيران ليس خيارا أمريكيا حتى اللحظة

إلى أن الدفع باتجاه تراجُع إيران في سوريا هو هدف متأخر، وأن الخيار الوحيد لمواجهة إيران هو الاحتواء والردع للحيلولة دون اندلاع صراع إيراني إسرائيلي طويل الأمد ومتعدد الجبهات والأطراف يُعمّق عدم الاستقرار في المنطقة. لكن التهديدات التي تواجهها إسرائيل تشمل ترسانة أسلحة كيميائية في سوريا، بالإضافة إلى صواريخ حزب الله في لبنان، أي أنه لا يمكن فصل إيران عن النظام السوري في عملية الاحتواء المذكورة.

لكن نظام الأسد ما يزال خارج الحسابات الأمريكية، وبالتالي يكون احتواء إيران ليس خيارا أمريكيا حتى اللحظة. وعلى الرغم من تذرّع البيت الأبيض بأن الجنرال ماتيس، وزير الدفاع الأمريكي، حال دون الرد الواسع الذي رغب فيه ترمب على المجزرة الكيميائية التي ارتكبها نظام الأسد بحق شعبه، إلا أن هذه الرواية ناقصة. فالحقيقة تكمن في أن الرئيس ترمب الذي رفض توقيع عقوبات بحق موسكو، لا يرغب في استفزازها باستهداف حليفها نظام الأسد.

وبالتالي، وعودة إلى فرضية مليك كيلان، ربما تكون تهدئة اللهجة العدائية من قبل بيونغ يانغ - ذات الأفق الغامض - مدفوعة بإيعاز من الكرملين الذي يملك نفوذا كبيرا لديها، مقابل تراجع الولايات المتحدة عن العقوبات الأخيرة ضد روسيا، وتركها المجال مفتوحا لتحالف بوتين والأسد والملالي لمواصلة بسط نفوذه في الشرق الأوسط. وهنا قد تكون مساعي إسرائيل واللوبي المؤيد لها في الولايات المتحدة باءت بالفشل.