تاريخ دمشق المنسي

تاريخ النشر: 29.09.2020 | 00:04 دمشق

يضم كتاب "تاريخ دمشق المنسي: أربع حكايات 1916 ـ 1936" الصادر عن دار رياض الريس عام 2016، مجموعة من الدراسات التاريخية مكتوبة باللغة الإنكليزية، تتناول مراحل مختلفة ومنسية من تاريخ مدينة دمشق الحديث.

أهمية الكتاب تكمن في أن الدراسات المختلفة حول دمشق في تلك الفترة ذات صلة بما يحدث في سوريا اليوم، فهي دراسات معاصرة في معناها الحقيقي وتاريخية في زمانها.

 

المنسية الأولى حكومة الأمير سعيد الجزائري

المرحلة المنسية الأولى دارت أحداثها في شهر أيلول عام 1918، وتحكي قصة الأسبوع الفاصل بين خروج العثمانيين ودخول الجيوش العربية والإنكليزية مدينة دمشق.

كان 13 أيلول يوما تاريخيا في تاريخ دمشق وتاريخ الإمبراطورية العثمانية، ففي هذا اليوم غادر العثمانيون هذه المدينة بعد قرون من دخولها في عام 1516.

كانت مشاعر العثمانيين مليئة بالغضب والحزن بسبب مغادرة مدينة طالما أحبوها وأطلقوا عليها لقب "شام شريف"، أما الدمشقيون، فتعاملوا مع هذه اللحظة بخليط من المشاعر المتناقضة، حيث هلل البعض لهزيمة العثمانيين، بينما كان البعض الآخر حزينا.

أبرقت دوريات الاستطلاع البريطانية إلى قيادتها في القدس، أنه لا وجود للجيش التركي على مدى 24 كلم من أسوار دمشق، وكتب لورنس العرب عن ذلك اليوم "عندما سقطت دمشق انتهت الحرب الشرقية أو بالأصح انتهت الحرب العالمية".

قصة هذه المرحلة تبدأ في يوم 13 أيلول وتنتهي في الأول من تشرين الأول عام 1918، وقد لعب الأمير سعيد الجزائري، حفيد المجاهد الكبير عبد القادر الجزائري (جزائري الأصل، دمشقي المربى والهوى) دورا رئيسا في الانتقال السلمي من الحكم العثماني إلى الحكم العربي الهاشمي.

قبل الانسحاب العثماني بأيام، طلب حاكم دمشق العثماني جمال باشا الصغير من الأمير سعيد الجزائري تأمين المدينة في تلك المرحلة الانتقالية، حيث كان الأمير سعيد يمتلك 12 ألف مقاتل.

باشر الأمير سعيد بإرسال قواته الجزائرية المسلحة إلى مداخل دمشق بهدف حماية الجيش التركي المنسحب أولا، وحماية المدينة من الشغب والسرقة ثانيا.

جمع الأمير وجهاء دمشق لمبايعته حاكما على المدينة، ويقول الطبيب أحمد قدري، وهو أحد أركان جمعية "العربية الفتاة" إن الأمير سعيد اغتصب الحكم بخبث من الوجيهين شكري باشا الأيوبي ورضا باشا الركابي، اللذين كان قد كلفهما الشريف حسين بإدارة شؤون المدينة.

في 26 أيلول وقع عصيان درزي مسلح على أبواب دمشق، ودخل بعض المرتزقة المدينة لنهب المتاجر في الليل مستفيدين من الفوضى وغياب الحكم المنضبط.

ولم تمض ساعات على إخماد هذا الشغب حتى اندلعت مشكلة أخرى، ففي الليل وقعت عمليات نهب وسلب، قام بها بدو في بساتين المزة وفي طريق الربوة، وقام قائد شرطة دمشق عبد العزيز الشيخ بقتل نحو مئة بدوي.

حاول الأمير سعيد في تلك المرحلة الإسراع في اختيار العهد الجديد قبيل وصول لورنس والأمير فيصل من أجل إعطاء الشرعية لرجالاته.

شكل الأمير سعيد حكومة مصغرة لإدارة شؤون البلاد، ضمت: فارس الخوري، عطا الأيوبي، شاكر الحنبلي، جميل الألشي، وكان جميع وزراء الأمير ماسونيين مثله، باستثناء فارس الخوري.

في الأول من تشرين الأول دخلت القوات العربية والبريطانية دمشق بعشرة آلاف جندي، وفي اليوم التالي تنازل سعيد الجزائري عن حكم دمشق للشريف ناصر أحد أقرباء الشريف حسين، فيما غادر لورنس دمشق بعد ثلاثة أيام.

المنسية الثانية التجربة الفيدرالية: حزيران 1923

 

ولدت الدولة السورية عام 1918وعاشت أنواعا مختلفة من الحكم، بين ديمقراطي وعسكري، انفصالي ووحدوي، برلماني ورئاسي، مركزي وفيدرالي.

ولعل الحكم الفيدرالي هو الأكثر غموضا لكثير من السوريين، فبعد احتلال فرنسا لسوريا 1920، تم تقسيم البلاد إلى خمس دول صغيرة: دمشق، حلب، سنجق لواء إسكندرون، جبل العلويين، جبل الدروز.

في عام 1922 جمعت ثلاث من هذه الدول في نظام فيدرالي استمر 18 شهرا، كانت حلب عاصمة هذا النظام، على أن تعطى كل دولة من هذه الدول الثلاث حق إدارة شؤونها المالية والإدارية والعدلية والأوقاف والتعليم والأمن العام.

يجتمع 15 مندوبا عن هذه الدول لاختيار رئيس من بينهم، ولكل دولة الحق في الحفاظ على حاكمها المحلي.

في الاجتماع الأول لانتخاب أعضاء المجالس المحلية، عُين وجيه صبحي بركات (33 عاما من إنطاكية في سنجق إسكندرون) رئيسا مؤقتا للاتحاد للإشراف على أول انتخابات رئاسية.

بدأ صبحي بركات حياته ثائرا على الفرنسيين، لكنه سرعان ما هادنهم وطلب منهم التعاون إذا ما منحوهم منصبا سياسيا عاليا.

لم ينل الاتحاد إعجاب الأطراف الثلاثة: الدمشقيون استنكروا نقل العاصمة إلى حلب ورفضوا المساواة بينهم وبين العلويين، معتبرين أن لا مجال للمقارنة بين حضارتهم وإرثهم الثقافي مع أعضاء الاتحاد الآخرين خصوصا العلويين، أما أهالي حلب، فلم ترقهم التجربة الفيدرالية أيضا، لما تؤدي إلى تقاسم في الثروات، وبالمقابل، استنكر العلويون الاتحاد بسبب حالة الفوقية التي يمارسها أهالي دمشق وحلب تجاههم.

بعد استبدال الجنرال ماكسيم ويغان بالجنرال غورو، أمر ويغان بالإعداد للانتخابات المجالس عام 1923 ثم انتخابات الرئاسة التي فاز فيها صبحي بركات على منافسه بديع مؤيد العظم من دمشق.

في حزيران عام 1924 قام ويغان بجولة على دول الاتحاد الثلاثة للوقوف على رأي الأهالي من الاتحاد، ولما رأى ويغان استياء كل الأطراف من الاتحاد، قرر في الخامس من كانون الأول 1924 حل الاتحاد.

 

المنسية الثالثة جامعة في دمشق

 

في أيلول 1901 أصدر السلطان العثماني عبدالحميد الثاني فرمانا بإنشاء معهد الطب في دمشق، تحت إدارة كاملة من الأطباء العثمانيين لإعطاء شهادتين علميتين في الطب والصيدلة.

أمر السلطان أن يكون التعليم مجانيا، وأن للطلاب الوافدين الحق في الإقامة داخل المعهد نفسه، شرط أن يكونوا قادرين على تكلم اللغتين الفرنسية والتركية وأن يكونوا حاصلين على الشهادة الثانوية.

أقيم المعهد الجديد في القسم الجنوبي من المستشفى الحميدي بالقرب من نهر بردى ومن تكية السلطان سليم ومن ساحة المرجة.

فتح المعهد في الأول من أيلول عام 1903 أمام أربعين طالبا دمشقيا، ومن المفارقات أن الأجور لم تخضع للسلم الوظيفي، فقد حدد 1000 قرش لمدير المعهد، في حين حدد 1200 قرش للمحاضرين، و 1300 قرش للكيميائيين المختصين.

وعندما وصلت الكهرباء إلى دمشق عام 1907، كان أول بناء يضاء بالكوران هو الجامع الأموي ثم السراي الكبير ثم المعهد الطبي، وقد غير دخول الكهرباء للمدينة حياة الناس، حيث فتح المجال لدخول خط الترامواي.

في عام 1908 هز انقلاب عسكري عرش السلطان عبد الحميد، وجاء بمجموعة من الضباط المنتسبين إلى جمعية "الاتحاد والترقي"، وسرعان ما ضربت ترددات الانقلاب مدينة دمشق، إذ أمر الضباط الجدد الطاقم الطبي في المعهد بالعودة إلى استنبول، لكنهم، وخوفا من تلطخ سمعتهم، أمر الضباط باستمرار عمل المعهد، فأرسلوا مجموعة جديدة من المدرسين الأتراك إلى المعهد، فيما سمح لدمشقيين بالتدريس داخل المعهد.

في عام 1913، أقرت الحكومة العثمانية عددا من القوانين المهمة المتعلقة بالتعليم العالي في دمشق، منها زيادة أعداد المدرسين المحليين، والتدريس باللغة العربية.

بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وتفسخ الإمبراطورية العثمانية، تسلم الأمير فيصل الحكم في سوريا، وأعلن عام 1919 إعادة فتح المعهد الطبي وكلية الحقوق من جديد.

أمرت حكومة رضا باشا الركابي بتشكيل لجنة مؤلفة من ست أطباء لإعادة تأهيل كلية الطب، وتأسيس الجامعة السوريا.

يشير المؤرخون عادة إلى عام 1923 كتاريخ رسمي لتأسيس الجامعة السورية، لكن في الحقيقة بدأ إسباغ صفة "جامعة" عليها منذ عام 1919، ما يجعلها ثالث أقدم جامعة في العالم العربي بعد جامعة القاهرة 1908 وجامعة الجزائر 1909.

 

المنسية الرابعة جمهورية محمد علي العابد

هو ابن أحمد عزت باشا العابد الذي ارتبط اسمه بالسلطان عبدالحميد الثاني، وكان له شأن سياسي كبير في إستنبول.

اشتغل محمد علي العابد عام 1905 مستشارا قانونيا لوزارة العدل العثمانية، ثم تزوج بطلب من أبيه من شقيقة الوجيه عبدالرحمن باشا اليوسف، أمير الحج الدمشقي وأحد المقربين من السلطان عبدالحميد، ثم عين سفيرا للسلطنة في واشنطن.

أقام العابد علاقات قوية بالساسة الأمريكيين، خصوصا مع الرئيس فرانكلين روزفلت، وتذكر الأوساط الأميركية الأثر الكبير الذي تركه العابد في واشنطن عندما شارك بصفته مهندسا مدنيا بمسابقة لأفضل تصميم لبناء جسر، وفاز تصميمه بالمسابقة وتم بناء الجسر.

وبعد مكوثه في واشنطن لمدة قصيرة، عاد إلى إستنبول بعد الانقلاب الذي جرى ضد السلطان عبدالحميد عام 1908.

عاشت عائلة العابد بين سويسرا وبريطانيا وفرنسا، وكانت لهم أرزاق هائلة (عائدات فندق فيكتوريا الكبيرة، مزارع في الغوطة الشرقية بدمشق، أسهم في قناة السويس وقناة بنما).

في عام 1920 عاد العابد ووالده إلى دمشق بطلب من الجنرال الفرنسي غورو، فاستقبله شقيق زوجته عبدالرحمن باشا اليوسف الذي كان رئيسا لمجلس الشورى في حكومة علاء الدين الدروبي.

وفي عام 1922 اختير محمد علي العابد لمنصب حكومي في مجلس الاتحاد السوري الفيدرالي، ثم عمل وزيرا للمالية في الحكومة التالية برئاسة صبحي بركات.

ومع تسلم المندوب الفرنسي الجديد هنري بونسو بدلا من الجنرال غورو، بدأ التفكير بإقامة مملكة في سوريا بعد استطلاع تبين من خلاله رغبة السوريين في إقامة مملكة وليس جمهورية، في حين رفض البعض أمثال محمد علي العابد وهاشم الأتاسي وغيرهم الملكية وأصروا على الجمهورية.

قبل المندوب الفرنسي في النهاية بفكرة الجمهورية بدلا من الملكية، وتم وضع دستور جمهوري يتضمن برلمانا منتخبا ينتخب رئيس الجمهورية (مسلم الديانة وفق المادة الثالثة من الدستور).

وضع العابد ثقله السياسي خلف الكتلة الوطنية، ولدعم المشروع السياسي هذا، استثمر العابد ماله في معمل الإسمنت المملوك من الكتلة لكي لا يضطر التنظيم للاعتماد على التبرعات.

وبالفعل، كان المعمل الموجود في دمر بمثابة منجم ذهب للكتلة الوطنية، استخدمت عائداته لتمويل التظاهرات وإعانة المنكوبين والتكفل بعائدات الشهداء.

جرت الانتخابات النيابية بداية كانون الثاني 1932، فاز فيها 48 نائبا معتدلا، وبدعم من الكتلة الوطنية رشح محمد علي العابد لرئاسة الجمهورية.

في 30 أيار وصلت رسالة سرية من العابد إلى مكتب المندوب السامي الفرنسي في بيروت، قال العابد فيها "أنا اعتبر أن سلطة فرنسا يجب أن تبقى بكاملها في سوريا دون سؤال، لكي تقوم بواجبها على أكمل وجه، وعلى جميع الحكومات السوريا أن تعترف بأنها تابعة لهذه السلطة".

لم يُعثر في أرشيف الخارجية الفرنسية على أي رد من المندوب السامي، لكن يفترض أن يكون الرد إيجابيا، ففي 7 حزيران رشح العابد للرئاسة وفاز بها لمدة أربع سنوات.