icon
التغطية الحية

بعد "تشطيبات" النظام السوري.. تجدد المخاوف إزاء قانون الإعلام الجديد

2024.05.10 | 14:56 دمشق

56554443
اتحاد الصحفيين بدمشق
 تلفزيون سوريا ـ خاص
+A
حجم الخط
-A

يواصل قانون الإعلام الجديد رفع منسوب القلق والخوف داخل أوساط الإعلاميين والصحافيين العاملين في مناطق النظام السوري، وفتح الباب واسعاً أمام التساؤلات والتكهنات حول مصيرهم، وخاصة بعد الكشف عن تعديلات في مواد سبق وجرى الاتفاق عليها، بالإضافة إلى شطب مواد أخرى.

ووجه إعلاميون وصحفيون موالون للنظام انتقادات طالت مشروع القانون المثير للجدل، احتجاجاً على ما وصفوه بـ "التغييب المتعمّد" لرأيهم وقرارهم في مواد وفقرات يرفضون وجودها بعد تغيير مضمونها بناء على رغبات النظام السوري و"القصر الجمهوري".

رئيس اتحاد الصحفيين موسى عبد النور، عبّر مجدداً عن مخاوف العاملين في مجال الإعلام إزاء الصيغة النهائية لمشروع القانون في تصريحات لإذاعة "المدينة إف إم" المقربة من النظام، أمس الخميس، بعد إشارته إلى أن العمل على مشروع قانون الإعلام الجديد "بدأ منذ وزارة عماد سارة (الوزير السابق للإعلام) حيث تشكلت لجان كان الاتحاد ممثلاً فيها"، مبيناً أن المشروع قُدم لـ "مجلس الوزراء" بعد دراسته، ليصار إلى طرحه عبر "الرئاسة" على برلمان النظام.

إزاحة صفة "مستقل" عن الإعلام

 أكد "عبد النور" في حديثه الإذاعي بأن الجدل القائم حالياً يدور حول الصياغة النهائية للمشروع الذي عدلت عليه وزارة الإعلام، كاشفاً أنه تم إسقاط كلمة "مستقل" عن الإعلام في المادة الثانية بالقانون ما يعاكس جميع المعايير الدولية بممارسة الإعلام، إضافة لتعديل صياغات في المبادئ الأساسية جعلها فضفاضة أكثر.

وتابع "عبد النور" أن من يحمل صفة صحفي بشكل رسمي يجب أن يُساءل بناءً على قانون الإعلام وليس قانون تنظيم الجريمة المعلوماتية، منوهاً أنه إذا كان هناك ضرورة لتنظيم عمل صفحات التواصل الاجتماعي فلا بد من وجود قانون أو بروتوكول خاص بها.

"نسف المواد المتعلقة بحرية الصحفي"

 بدوره، تحدث الصحفي زياد غصن لإذاعة "المدينة" قائلاً إن تعديل على قانون الإعلام الحالي يجب أن يُكسبه قيمة مضافة عبر تحديد نقاط الضعف فيه مثل سهولة الحصول على المعلومة وحماية الصحفي ومنح الاعتمادية للسوشال ميديا أو التراخيص للمواقع الإلكترونية، مؤكداً أن الخلل وقع عند طرح القانون بشكله النهائي للنقاش حيث لم تُعرض المواد الخلافية وتم تحييدها لغياب الجرأة.

 وبين "غصن" أن إحدى المواد المقترحة في مشروع القانون تتيح لـ وزير الإعلام إيقاف الصحفي عن العمل بناءً على توصية لجنة وزارية مؤلفة من قاضي وبعض مدراء المؤسسات الإعلامية للنظر في المخالفات، موضحاً أن هذا خرق لعمل الصحفي فالقضاء هو المرجعية الأكثر ضمانة للجميع، كما تم نسف المواد المتعلقة بحصانة الصحفي.

 وأفاد "غصن" أن قانون الجريمة المعلوماتية لم يراع الصحفي وتعامل معه كأي شخص، مضيفاً أن هذا مستمر في مشروع قانون الإعلام الجديد ما يعني أن هناك عقلية تذهب باتجاه محاصرة الصحفي، مشدداً على أنه لا توجد آلية واضحة لمقاضاة الإعلامي.

وضرب مثالاً بالإشارة إلى أنه في عام 2019 تم اقتراح تشكيل ضابطة عدلية ضمن وزارة الإعلام لمتابعة مخالفات التراخيص بحجة ما ينجم عنها من أثر مالي، مضيفاً أنه جرى الاعتراض على المقترح لما يحمله من إساءة للصحافة السورية وتم حذفه.

لكن، وبحسب "غصن"، فقد استبدل المشروع الجديد الضابطة بلجنة مؤلفة من قاضٍ يسميه وزير العدل وعضوية عدد من مدراء المؤسسات الإعلامية يسميهم وزير الإعلام للنظر في المخالفات على القانون.

تعديلات قانون الإعلام الجديد

وكان رئيس اتحاد الصحفيين قد كشف في شهر آذار الماضي عن تعديلات طالت بعض مواد مشروع القانون الجديد وإلغاء أخرى، مشيراً إلى عدم معرفته أسباب إجراء تلك التغييرات والجهة التي أقرّتها.

وأفاد عبد النور في تصريحات لموقع "أثر برس" المقرب من النظام بأن "المشروع لا يلبي الطموح على الإطلاق، وفيه تراجع كبير فيما يتعلق بالبيئة التشريعية لممارسة مهنة الإعلام في سوريا".

وعن أهم التغيّرات، قال عبد النور حينذاك إن المشروع الذي تم الاتفاق عليه سابقاً كان يتضمّن عبارة "الإعلام بوسائله كافة مستقل يؤدي رسالته بحريّة. إلا أن المشروع الحالي حذف بالصياغة كلمة "مستقل"، لتصبح العبارة: يؤدي الإعلام بوسائله كافة رسالته بحرية"، مشيراً إلى أن كلمة "مستقل" المحذوفة "تعبر عن توافق القانون مع المعايير المتعارف عليها دولياً فيما يتعلق بممارسة العمل الإعلامي".

وأضاف أنه تم حذف المادة التي تقول: "مع عدم الإخلال بالمسؤولية عما ينشر في الوسائل الإعلامية من محتوى، لا يخضع العمل الإعلامي للرقابة السابقة". وحذفت الفقرة (أ) من المادة السابعة، والتي تقول إن "حرية الإعلامي مصونة بالقانون ولا يجوز أن يكون الرأي الذي ينشره الإعلامي سبباً للمساس بهذه الحرية إلا في حدود القانون". واستبدلت بعبارة: "حرية الإعلامي مصونة في إطار المبادئ والقيم" فقط.

كما حذفت الفقرة (ب) من نفس المادة، والتي تقول: "لا يحق لأي كان مطالبة الإعلامي بإفشاء مصادر معلوماته إلا عن طريق القضاء وفي جلسة سرية".

وتابع: "تم حذف المادة 101 وهي أساسية بما يتعلق بالإجراءات التي تتخذ بحق الصحفي في حال مخالفة أحكام القانون وتقول: في جميع الأفعال التي تشكل جرائم ويقوم بها الإعلامي في معرض تأدية عمله باستثناء حالة الجرم المشهود، لا يجوز تفتيشه أو تفتيش مكتبه أو توقيفه أو استجوابه إلا بعد إبلاغ الوزارة أو فرع اتحاد الصحفيين لتكليف من يراه مناسباً للحضور مع الإعلامي". بالإضافة إلى تغيرات طالت مواد أخرى لكنها تقلّ أهمية عن المواد السالفة.

ردود فعل الإعلاميين على التعديلات

وتفاوتت ردود الفعل المستنكرة والمستهجنة من قبل الصحافيين والإعلاميين الموالين للنظام على تلك التعديلات، معربين عن قلقهم ومخاوفهم إزاء تشديد القبضة الأمنية والقضائية على عملهم بدرجة لا تقل عن القوانين السابقة، بل وتزيد أيضاً.

الإعلامية هناء الصالح، مديرة البرامج السياسية في قناة "سما"، قالت: "تفاجأنا نحن الصحفيين مثل أي مواطن سوري بتسريب عدد من بنود مسودة قانون الإعلام وكأنه سر خطير لا يجب الاطلاع عليه في الوقت الذي يجب أن يكون للصحفي كلمته في قانونه، لأنه يعلم سلبيات العمل وإيجابياته... طبيعة عمل الصحفي مختلفة وتعتمد على الإبداع والهوامش ولا يجوز تقييد إبداعه، فتكفيه الظروف اللوجستية الصعبة التي يعيشها (لا نريد زيادة الطين بلة)"، بحسب تعبيرها.

وتساءلت الصالح: "إذا كان اتحاد الصحفيين والوزارة وأعضاء اللجنة سابقاً ليس لهم علم بحذف بعض المواد، من الذي حذف إذاً ومن يحق له ذلك؟".

وأضافت: "لا يجوز بأي شكل من الأشكال أن يفشي الصحفي بمصدره، وكان الموضوع مؤطراً بالقضاء، وعدم تفتيشه أو تفتيش مكتبه إلا بظروف معروفة سابقاً، كل ذلك لم يعد موجوداً، وهذا تحول خطير يحد من المبادرة ويترك المجال للمتنفذين وبعض الفاسدين بتهديد الصحفي الذي يبحث عن الحقيقة".

"تكبيل العمل الصحفي في سوريا"

من جانبه، قال مراسل قناة "الميادين" المقربة من إيران، رضا الباشا: "نحن أمام قانون يبحث أكثر عن تكبيل عمل الصحفيين ولسنا أمام قانون عصري يخشى القائمون على سن بنوده من الكشف عن أي نقطة فيه ويخشون من مناقشته مع أصحاب الشأن الذين سيطبق عليهم هذا القانون".

وأضاف الباشا: "إلى الآن نحن نسمع بعض التسريبات وهي نقاط كارثية وتعتبر تقييداً أو تكبيلاً للعمل الصحفي في سوريا... في الواقع العمل الصحفي اليوم ما يزال يواجه تحديات وصعوبات كثيرة على الرغم من أن قانون الإعلام الحالي يعطي للصحفي بعض المناورة والقدرة للتحرك، ولكن للأسف بعد صدور قانون جرائم المعلوماتية والإلكترونية واستخدامه كسلاح لتكبيل الصحفيين، كنا نتوقع أن يكون قانون الإعلام الجديد فيه هوامش حرية وفقرات تضمن الحرية للصحافة".

وأردف: "أعتقد أن ما كشفه رئيس اتحاد الصحفيين من حذف لفقرات في مشروع القانون تؤكد المخاوف التي نعيشها كصحفيين، شخصياً لفتني حذف كلمة (مستقل) من الفقرة التي أشار إليها رئيس الاتحاد، فهل يعني أن القانون سيسلب الصحافة استقلالها ويجعلها تباع وتشترى أو يبرر تبعيتها لمسؤول فاسد؟ هذا يعني أننا نقونن فساد الصحافة"، وفق وصفه.

أما حازم شحادة، رئيس تحرير إذاعة "نينار"، فيشير إلى إنه تلقى "طاقة سلبية" كبيرة ومستفزة إلى حد كبير، من شكل وطريقة طرح ووصول هذا المشروع الجديد عبر التسريبات. وقال: "أجزم أن جزءاً كبيراً من زملائنا يشاركوني هذا الشعور، وهذا الإجماع شبه التام هو ما عبر عنه اتحاد الصحفيين والذي صرح بأنه حتى هو لا يعلم من هي الجهة المسؤولة عن حذف بعض المواد في المشروع الجديد، وهو الذي يعمل حالياً رأس حربة لتحقيق مشروع يلبي الطموح ويحقق نقلة نوعية في الإعلام السوري"، على حد زعمه.

ويرى شحادة أن ما يهم الصحفي حالياً هو "بيئة عمل قانونية مناسبة تضمن حماية حقوقه وحماية عمله وتيسيره بدءاً من تسهيل المهمات الميدانية من قبل الجهات المعنية وصولاً لحرية النشر والرأي مروراً بحماية الصحفي ومصادره، وهو ما لم نجده في بعض البنود للقانون الجديد".

"القصر الجمهوري" يرفض بعض مواد القانون الجديد!

على الرغم من حالة الخوف التي سبّبتها التعديلات السالفة، وعلى الرغم من عدم تلبية القانون الجديد الحد الأدنى من تطلعات الصحفيين؛ رفض رئيس النظام السوري بشار الأسد إقرار مشروع القانون بعد رفعه إليه من قبل البرلمان.

وأعاد "مكتب رئاسة الجمهورية" المشروع إلى البرلمان مجدداً، طالباً تعديل المادة (1) وتحديداً الفقرة (أ) التي تقول: "تتولى وزارة الإعلام مهمة رسم السياسة الإعلامية العامة، ووضع الاستراتيجيات والخطط المتوافقة معها، والإشراف على تنفيذها وفق السياسة العامة للدولة".

86565

وطلبت "الرئاسة" في ردّها الذي حمل رقم (44/و.ق)، بتاريخ 26 آذار الفائت، حذف الفقرة (أ) من المادة (1) بذريعة أنها "لا تتوافق مع أحكام الدستور الذي نص في المادة (98) منه على أن يضع رئيس الجمهورية في اجتماع مع مجلس الوزراء برئاسته السياسة العامة للدولة ويشرف على تنفيذها".

كذلك تطرق الرد إلى المادة (128) من الدستور والتي تنص على أن "مجلس الوزراء هو الذي يضع الخطط التنفيذية للسياسة العامة للدولة"، بينما يتولى الوزير تنفيذ السياسات العامة للدولة، وفقاً للمادة (122) من دستور 2012.

واستند رد "الرئاسة" إلى رأي المحكمة الدستورية العليا في مشروع قانون إحداث وزارة الاتصالات والتقانة لجهة أن عبارة "رسم السياسة العامة للدولة كمهمة تتولاها الوزارة لا تتوافق مع أحكام الدستور".

بشار الأسد يستغل موادَّ دستورية

تعليقاً على ذلك، رأى محامٍ مقيم بدمشق (طلب عدم ذكر اسمه) أنَّ بشار الأسد يستغل هذه المواد الدستورية لتمرير القوانين كما يرغب، عدا عن تحكمه  بكل مفاصل القوانين والسياسات العامة للدولة وتطويعها بما يخدم مصالحه ومصالح الحاشية المقربة منه. ويضيف لموقع تلفزيون سوريا "هذا الرد ليس غريباً عن بشار الأسد والعاملين في رئاسة الجمهورية".

واستنكر المحامي أسلوب رد "رئاسة الجمهورية" على السلطة التشريعية وهي الجهة الرسمية المسؤولة عن إعداد القوانين والتشريعات، قائلاً: "هكذا يتعامل الأسد مع القوانين في البلاد"، معتبراً أنَّ الرد يندرج في إطار مهاجمة وزير الإعلام وتحجيم دور الوزارة في صياغة قانون الإعلام.

وأوضح المحامي، في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أنَّ رد الرئاسة ينص صراحةً على أنه لا يحق لوزير الإعلام رسم السياسة الإعلامية العامة ووضع الاستراتيجيات والخطط، إنما ذلك هو دور رئيس الجمهورية وأن الوزارة تنفذ فقط.

وتساءل: "أين الخبراء القانونيون المختصون بدراسة التشريعات والقوانين؟ وما دور اللجنة القانونية والتشريعية في مجلس الشعب من تصرف ورد رئاسة الجمهورية على تحجيم دورها ومطالبتها بحذف وتعديل فقرات من قانون للموافقة على إصداره من الرئاسة بمرسوم؟".

إيقاف منح البطاقات الصحفية!

تزامن كل ما سبق من تعديلات ومن "ذرائع دستورية" لشطب بعض فقرات القانون، مع تضييق آخر على الصحفيين والإعلاميين، تمثّل في إصدار "وزارة الإعلام" في حكومة النظام السوري تعميماً منعت بموجبه وسائل الإعلام من منح البطاقات الصحفية التعريفية للعاملين فيها، ومن أي نوع كانت، وفقاً لما أورده موقع "سناك سوري" المحلي.

وحصر التعميم إمكانية الحصول على هذه البطاقات للصحفيين والموظفين الإداريين بـ "وزارة الإعلام"، تحت طائلة المسؤولية، وذلك بناء على قانون الإعلام الجديد وتعديلاته المذكورة.

وبذلك تكون وسائل ومنصات الإعلام قد حُرمت، وفقاً للتعميم، من حق إصدار البطاقات التعريفية بموظفيها، والتي كان يحتاج إصدارها في السابق إلى علم "اتحاد الصحفيين" وليس لوزارة الإعلام.

ويشكّل غياب البطاقة الصحفية -وهي أقل ما يمكن أن يُمنح للصحفيين- تقييداً واضحاً لحرية عمل الصحفي ويحدّ من مقدرته على الحركة ومتابعة نشاطه، وخاصة في المسائل المتعلقة برصد فساد وتجاوزات مختلف المؤسسات التابعة للنظام وحكومته، ويضعه أمام المساءلة الأمنية والقضائية عند أصغر خبر لا يناسب مزاج القائمين على تلك المؤسسات.