بشار الأسد والرهط في صورة القصر

2024.03.13 | 07:39 دمشق

erer
+A
حجم الخط
-A

ينشغل العالم - المهتم بصور القادة والمشاهير وغير المكترث لصور القتل والجوع – ينشغل بصورة أميرة ويلز "كيت ميدلتون" وأولادها، التي نشرتها على حساباتها في مواقع التواصل الاجتماعي، ثم حذفتها إثر شكوك بشأن خضوعها لتلاعب رقمي، واعتذرت الأميرة عن نشرها صورة معدلة، وقالت إنها تحب تعديل الصور مثلها مثل المصورين الهواة.. ذاك عالم لا يعرف ولا يعترف بتعديلات بشار الأسد وما أحدثه من عيوب وهوّات في صورة سوريا شكلتها عذابات السوريين.

وفي العالم السوري أو العوالم السورية ستنتشر قصدا، صور غير معدلة لبشار الأسد مع لفيف من الممثلين، يستبق بها الموسم الرمضاني الذي تنتشر فيه عادة أعمال هؤلاء الممثلين، وكأن بشار الأسد أو مستشاريه أدركوا بعد عقد من الزمن قوة هذه الصورة وأهميتها وقوة الدراما وتأثيرها، خاصة بعد موسم العام الماضي الذي صبغ بصورة أخرى للقائد والرئيس وقصره، من خلال مسلسل ابتسم أيها الجنرال.

بشار الأسد أراد هذه المرة، كما كل مرة أراد تعميق الشرخ العامودي في المجتمع السوري مستغلا احتكار شركات إنتاج فني موالية لأعمال من سيتصورون معه حتى يتطهروا كلما أرادوا فيجدوا من يشغّلهم، وليقول للسوريين مجددا إن كل أمر يحتمل أن يكون جامعا لهم سيكون مرفقا بصورته، من منتخب رياضي إلى فريق ممثلين وصناع دراما، وكل شيء يقبل هذا الاحتمال. وهو يدرك أن قبل أي موعد لظهور أي من هذه المجموعات، هو موعد انقسام بين مؤيد للمتابعة أو رافض أو غير مكترث. لكن هل فعلها هذه المرة فقط من هذا الباب، ومن باب المراهقة السياسية والعنجهية، الجواب: لا.

أراد أن يرسل من خلال هذه الصورة مجموعة من الرسائل أولها من باب الاختيار المدروس بعناية، فوضع على يمينه وشماله مباشرة ممثلين "كبيرين" لهما مواقف فوق منبطحة تتمحور حول أشياء غير التي تلبس في أقدام العسكر، أتى عمدا بهذه المواقف النقدية (بسقوف عالية، لا تمس سقف الوطن)، ليقزمهما ويسفه رأي من اعتقد يوما أنهما غير مروضين.

صورة القصر أراد لها بشار الأسد أن تكون إحدى صور النصر الذي يريد تروجيه لمناصريه، بعد صور الزلزال والقمم والاجتماعات وفريق الكرة.. مناصروه الذين يعتقدون أنهم ربحوا هذه الجماعات.

سيمتد خطا البشر على اليمين واليسار في قاعة واسعة كان يمكن أن تتسع لأكثر من الموجودين، لكن هنا كان لا بد من الاعتماد على النوعية لا الكمية وعلى المعادلة السورية الأسدية المستهلكة والنتنة، "معادلة الكوتا" المحاصصة والتقاسم. ولا بد أن ننتبه إلى أن المصور حرص أيضا على تقديم بشار متحدثا ومصغيا، أي إنه يمكن أن يسمع رأيا مختلفا، لكن هذا قطعا لم يحدث.

وفي أمر التقاسم سيجمع مستشارو القصر السير الذاتية وسجلات النفوس للممثلين ليتم اختيار ممثل لكل موقف وعن كل دين أو طائفة أو عرق لتتشكل الفسيفساء السورية التي يتغنى هو بحمايتها ورعاية ثقافتها وفنها، لتجد الحلبي والدمشقي والطرطوسي... والمسلم والمسيحي والسني والشيعي... والعربي والشركسي... الممثل والممثلة، بترتيب يشبه كل ترتيب في زمن نظام الأسد من الجبهة التقدمية إلى مجلس الشعب إلى الاتحادات والنقابات.. إلى صورة القصر وغيرها التي جمعت ممثلين اختاروا بشار الأسد رئيسا ورضوا به وبجيشه كقضايا فوق النقاش والنقد وحتى الحوار كما قال أحدهم قبل أيام. وبذلك رضوا بالاختلاف والخلاف العميق، إلى حد الموت والاعتقال والتعذيب والتشريد مع من كان يوما جمهورهم.

صورة القصر أراد لها بشار الأسد أن تكون إحدى صور النصر الذي يريد تروجيه لمناصريه، بعد صور الزلزال والقمم والاجتماعات وفريق الكرة.. مناصروه الذين يعتقدون أنهم ربحوا هذه الجماعات (دولا شقيقة أو منتخبات وممثلين و.. و) وهذا الربح سيغنيهم عن خساراتهم الكبرى في الأرض والحرية والكرامة وأخيرا لقمة العيش.

سيدركون متأخرين بعد كل جولة أنهم ما ربحوا، بل هو ونظامه فقط من ربح، وهم زادوا خسارات، سيدركون أيضا أنه في هذا الموقف لا يتصرف هو إلا كصانع محتوى رخيص يبحث عن "الترندات" وأنهم والفريق الآخر المعارض كانوا يتداولون وينشرون ويتفاعلون ويعودون بعدها كل إلى خساراته.

سيبقى الفن والثقافة جزء من هوية وصورة أي مجتمع يحظيان بدور حيويٌ في بناء الهوية الوطنية التي تميّز الشعوب وتسهم في تحديدها وتعزيزها، وكل مجتمع يسعى لأن تكون صوره باهية زاهية إلا مجتمع وشبه دولة يرأسها بشار الأسد، الذي يسعى لزيادة الانقسام والفرز كأي مستبد قزم لا يأبه بما حدث ويحدث حتى لو تهشم مجتمعه وتشظى.. ولم يبق منه إلا ركام واسع ممتد هو المتسبب به، وصورة أراد دوما أن يكون جزءا منها.