بذور العنصرية ضد السوريين في تركيا.. الأسباب والحلول

2021.12.16 | 05:54 دمشق

9483f69e-5c86-41b1-b8d1-ebeb87266514.jpeg
+A
حجم الخط
-A

باتت قضية السوريين في تركيا معقدة بحجم تعقيدات القضية السورية ذاتها، فكما أن الملف السوري أضحى ورقة بيد اللاعبين الكبار في ساحة تصفية الحسابات، كذلك مسألة السوريين في تركيا أضحت ورقة ضغط سياسي، بل وتحولت إلى ضالة منشودة عثرت عليها المعارضة في تركيا من أجل توجيه ضرباتها إلى الحكومة.

لكن ومع ذلك، سنكون بعيدين عن الواقع والموضوعية إذا حصرنا هذه المسألة في جانب التجاذب السياسي لدى المعارضة التركية فحسب، بل يجدر بنا التعامل مع هذه المسألة من منظور اجتماعي وسياسي واقتصادي، لا سيما من خلال التركيز على الجانب الاجتماعي أيضًا.

يوجد في تركيا اليوم ما يقرب من 4 ملايين سوري موزعين على مختلف الولايات التركية، نصفهم تقريبًا دون سنّ 18 عامًا، دفعتهم الحرب الدائرة في سوريا منذ 2011 إلى الآن للخروج من البلاد والبحث عن حياة آمنة، فكان لتركيا هذا النصيب.

وبما أن الجاليات/المجتمعات الأجنبية غالبًا ما تكون عرضة لحملات العنصرية والكراهية من قبل بعض الأوساط في المجتمع المضيف، وورقة ضغط في ميدان السياسة الداخلية، فمن الطبيعي أن نتحدث اليوم عن شيء مثيل لذلك يواجهه السوريون في تركيا وبشدة متزايدة يومًا بعد يوم.

من الملاحظ أن هذه الظاهرة أي العنصرية كانت موجودة منذ دخول أول مجموعة من السوريين إلى تركيا، إلا أنها لم تصل لهذا المستوى الذي نشهده اليوم إلا في آخر 3 أو 4 سنوات على أبعد تقدير وبشكل تدريجي، أي بدأت بمستوى أقل ثم ارتفعت مع مرور الوقت حتى وصلت لهذا الحجم الموجود الآن.

بالطبع هناك أسباب عدة لذلك، بعضها يتعلق بجوانب اجتماعية وبعضها بجوانب سياسية أو اقتصادية ذلك، لكن يمكن أن نستعرض أبرز الأسباب وأشدها حضورًا في تأجيج خطاب العنصرية في الشارع التركي ضد السوريين، والذي يمكن أن يتسبب بأزمات يصعب السيطرة عليها إن لم تتم المعالجة منذ وقت مبكر:

1- عدم وجود حل للملف السوري

ملف اللجوء نحو دول الجوار وغيرها مرتبط بشكل رئيسي بملف الحرب السورية، وغالبية اللاجئين السوريين ربما يودون بالفعل العودة إلى سوريا شريطة توفر حل حقيقي يضمن لهم عودة آمنة على أرواحهم وأموالهم. وبالتالي فإن عدم توفر حل للملف السوري إلى الآن يزيد بدوره من تعقيد ملف اللجوء في دول الجوار ومن بينها تركيا.

2- وجود خلل في سياسة إدارة ملف الهجرة

تعاملت الحكومة التركية منذ عام 2011 مع ملف اللجوء السوري بطريقة إنسانية، واتبعت سياسة الباب المفتوح حتى العام 2014-2016، وسهلت عمل السوريين ودراستهم وقدمت لهم الخدمات الصحية والعلاجية، وحاولت ترسيخ الخطاب الإنساني داخل المجتمع التركي لا سيما الشرائح المناصرة لها، وأسست لمفهوم "المهاجرين والأنصار" والضيوف، ومن المجحف في الحقيقة إنكار مساهمة هذه السياسة في تسهيل جوانب الحياة على السوري القادم من الحرب نحو بلد آمن وجد فيه من يمد له يد المساعدة.

لكن من ناحية أخرى، كان هناك بعض جوانب الخلل والعشوائية في عمل دوائر الهجرة، وآلية سن القوانين الخاصة بالسوريين "الضيوف"، والإجراءات التي كانت تحتاج مزيدًا من التنظيم والمنهجية، على سبيل المثال؛ تغيير هويات الحماية المؤقتة أكثر من مرة، وتغيير أماكن التقديم لاستلام هذه الهويات، وعدم تنظيم الحضور لهذه الأماكن، وعدم تقنين عمل السوري بشكل رسمي، وعدم ضبط آلية الزواج دون السن القانوني بشكل صارم، إغفال أهمية دورات الاندماج التي من المفترض أن تكون موجهة للسوريين والأتراك على حد سواء، لأن دورات الاندماج الموجهة للسوريين فحسب لن تؤتي أكلها بدون استعداد الطرف الآخر أيضًا.

لكن هل تتحمل دوائر الهجرة فقط مسؤولية كل ذلك؟ لا أعتقد، بل تجب مساءلة الجمعيات السوريات الفاعلة في تركيا عن الدور الذي تقوم به في هذا الخصوص، لا سيما جانب الاندماج وتخفيف حدة التوتر بين المجتمعين السوري والتركي.

3- تقدم المعارضة التركية

لا شك أن المعارضة التركية وأخص حزب الشعب الجمهوري أكبر أحزابها، كانت تتبع سياسة واضحة منذ اللحظة الأولى تناهض قدوم السوريين إلى تركيا، وتفضّل المصالحة مع النظام السوري أو التزام الحياد، إلا أن هذه المعارضة منذ مطلع العام 2019 صعّدت من خطابها ضد السوريين بشكل مسبوق، والسبب هو نجاح الشعب الجمهوري في إسطنبول وأنقرة ضمن الانتخابات المحلية/البلديات في آذار 2019، حيث تعامل الحزب مع هذا الحدث على أنه انتصار كبير ضد الحزب الحاكم، ربما يمهد للفوز بالسلطة ذاتها خلال الانتخابات القادمة.

هذا الشعور لدى أحزاب المعارضة زاد من اندفاعها، وجعلها تزيد من وتيرة توجيه ضربات للحزب الحاكم من كل الجوانب، ولذلك فهي لا تترك ملفًا إلا وتريد استثماره لصالحها ضد السلطة، وبالتأكيد هي تجد في ملف السوريين كنزًا ثمينًا وورقة ضغط مهمة، لإقناع الشارع التركي الذي كان جاهزًا بالفعل لتلقي هذا الخطاب، بأن الحزب الحاكم فشل في إدارة ملف اللاجئين لدرجة أن هذا الملف بات عبئًا على الأتراك، ومع مرور الوقت زاد الخطاب العنصري وارتفعت وتيرة الكراهية ضد السوريين، وساد التعميم والتضليل والافتراءات والتعاطي الشعبوي مع هذا الملف الحساس.

ما تسعى إليه المعارضة الآن هو مواصلة التصعيد ضد الحكومة عبر ملف السوريين، لإقناع الرأي العام بأن السوريين هم المشكلة، وأن الحكومة هي من تسبب بها، وأن المعارضة هي من ستحلها، ومن المؤسف أن هذه الثلاثية باتت خطابًا عاديًّا للمعارضة، بل وشعارًا لبعضها مثل حزب النصر وزعيمه أوميت أوزداغ.

4- الوضع الاقتصادي

لعل الوضع الاقتصادي في تركيا وما يشهده الشارع التركي من تضخم كبير وزيادة في البطالة من أهم الأسباب التي عززت تقبل الأتراك للخطاب العنصري ضد السوريين، وزاد اعتقادهم بأن السوريين استولوا على سوق العمل بفعل العمالة الرخيصة مقارنة مع الأتراك، مما تسبب بزيادة البطالة، وهذه النقطة بالذات تسببت باحتقان شديد سرعان ما أصاب حتى الشرائح التي هي بالعادة مناصرة للحكومة أو محسوبة عليها.

5- وجود تقصير عند النخب السورية

بما أننا نتحدث عن مجتمع يضم 4 ملايين سوري وربما أكثر بكثير، فمن الطبيعي أن تنبثق من هذا المجتمع جمعيات ومنظمات مدنية، ولا شك أن هذه الهياكل في النهاية تتحمل مسؤولية وطنية وإنسانية تهدف إلى الحد من ظاهرة العنصرية ضد أبناء جلدتهم، ومحاولة خلق قنوات إيجابية بين السوريين والأتراك، سواء عبر الإعلام الموجّه بالتركية أو تأسيس قنوات حوار مع المنظمات المماثلة التركية.

من المجحف إنكار وجود مساهمات من هذا القبيل إلا أنها تبقى محدودة للغاية، ولا يمكن اعتبارها كافية لا سيما في الوقت الراهن وتركيا مقبلة على انتخابات مصيرية وحاسمة للغاية في 2023، مما يحتم على جميع الهياكل السياسية والاجتماعية السورية في تركيا إضافة لرجال الأعمال؛ أن يلعبوا دورًا إيجابيًّا في:

  1. توجيه خطاب معتدل باللغة التركية للأتراك يعرفهم بشكل أكبر بأبعاد القضية السورية، حيث إن معظم الأتراك ليس لديهم إلمام حقيقي بما جرى ويجري.
  2.  خلق قنوات حوار مع الجهات التركية المجتمعية من منظمات مدنية وما شابه، بهدف تضافر الجهود لإنهاء الخطاب العنصري والتقليل من مظاهر الكراهية.
  3.  التواصل بشكل مستمر مع الساسة الأتراك حكومة ومعارضة، بهدف شرح حقيقة الواقع السوري في تركيا من جهة، ولعب دور إيجابي يضمن إنهاء الخطاب العنصري لا سيما عبر التواصل مع المعارضة.

ولا أشك أن هذه الخطوات لو حالفها الحظ وتجسدت على أرض الواقع، فسنكون أمام واقع جديد يصب في مصلحة السوريين بالدرجة الأولى.