انعكاسات أزمة الوقود في سوريا.. كيف استغلتها ميليشيات إيران؟

تاريخ النشر: 26.09.2020 | 07:06 دمشق

حلب - خالد الخطيب

يوشك شهر أيلول على الانتهاء وما تزال أزمة المحروقات في تصاعد مستمر في عموم مناطق سيطرة النظام، ولم تعد التأثيرات السلبية للأزمة تقتصر على قطاع النقل والمواصلات وحسب بل شملت مختلف جوانب الحياة اليومية للسوريين، وبدا ذلك واضحاً في ارتفاع أسعار غالبية السلع والمواد الأساسية التي يحتاجها الناس.

بدأت حكومة النظام بالحديث عن الأزمة ومسبباتها منذ بداية شهر أيلول/سبتمبر، وبدأت منذ ذلك الحين بتقديم الوعود بحلها في أسرع وقت بعد أن ربطتها، أي الأزمة بالانتهاء من أعمال الصيانة في مصفاة بانياس على اعتبار أن توقفها عن العمل كان سبباً رئيسياً في نشوء أزمة المحروقات، لاحقاً تضاربت تصريحات مسؤولي النظام حول الأزمة وأسبابها، وموعد الانتهاء من عمليات الصيانة في المصفاة، بعضهم قال بأنها ستكون جاهزة نهاية الشهر الحالي، بينما قال مسؤولون في المصفاة إنهم أنجزوا 50 بالمئة من أعمال الصيانة فقط وهم بحاجة لمزيد من الوقت حتى يعلنوا انتهاء الأعمال المفترضة.

أخيراً أتت تصريحات رئيس حكومة النظام، حسين عرنوس، يوم أمس، والتي قدم فيها المزيد من الوعود لحل الأزمة، لكن هذه المرة تحدث عن مجموعة من الأسباب التي تقف وراءها، وبدت تصريحاته المليئة بالشكوى والحديث عن الكلفة السنوية لتأمين المشتقات النفطية، مقدمة لزيادة مفترضة في أسعار المشتقات، وهذا ما توقعه السوريون في مناطق النظام منذ بداية الأزمة، بأن ما يحصل هو عبارة عن تقديم ساذج  يريد النظام من خلاله التمهيد لرفع الأسعار كما حصل في قطاعات الخبز والغاز وغيرها من الخدمات الأساسية، سيناريو لطالما اعتاد النظام على تكراره خلال السنوات الماضية.

 

حلب - حركة مرور متوقفة.jpg
حلب - حركة مرور متوقفة

 

استفادت ميليشيات النظام والفروع الأمنية بشكل كبير من الأزمة باعتبارها تهيمن على السوق السوداء لتجارة المحروقات والتي ازدهرت بشكل غير مسبوق خلال الأسابيع القليلة الماضية، بالإضافة إلى تحكمها بممرات تهريب المحروقات ونقلها وتوزيعها بين تجار السوق، كما أن مهمة تنظيم توزيع الكميات المحدودة من المحروقات في المحطات أوكلت للفروع الأمنية وعناصر الميليشيات التي فرضت ضريبة على السيارات والمركبات المتوقفة في طوابير طويلة، من يدفع أكثر يملأ خزان مركبته بالوقود في وقت أسرع، في حين يبقى المتخلفون عن دفع الرشاوى في الطابور لعدة أيام وربما رجعوا إلى بيوتهم وليس في خزانات مركباتهم ليتر واحد من الوقود.

إدارة الأزمة في حلب.. المحروقات تحت تصرّف الأمن العسكري

تبدو حلب مثالاً نموذجياً لتسليط الضوء على أزمة المحروقات التي يعيشها السوريون في مناطق سيطرة النظام، وتبرز أهمية التركيز على حلب لكونها نقطة التقاء غالبية ممرات التهريب القادمة من مناطق سيطرة "قوات سوريا الديموقراطية" والمعارضة السورية شمالي سوريا، وهي المورد الأهم الذي يمد السوق السوداء بالمحروقات الرخيصة مقارنة بخطوط الإمداد غير الشرعية القادمة من لبنان.

 

محطات وقود حلب - كازية الشياح.jpg
محطات وقود حلب - كازية الشياح

 

فشل مجلس المحافظة التابع للنظام في حلب في التخفيف من حدة أزمة المحروقات التي شهدتها المدينة وريفها الواسع، وذلك برغم الإجراءات المتنوعة التي اتخذها المجلس في الأسابيع الماضية بهدف تنظيم عمليات التوزيع ومنع تدفق المحروقات إلى السوق السوداء، وأغلق المجلس محطات وافتتح أخرى بدوام مسائي ونهاري، وخفض الكميات التي يمكن بيعها للسيارات الخاصة والعامة، وأعلن عن تنظيم ضبوط بحق تجار يبيعون المحروقات في السوق السوداء، وتظهر بعض الصور التي تم تداولها في مواقع إعلامية موالية عدداً من "البراميل" المصادرة من محل يبيع المحروقات في ريف السفيرة.

كيف استفادت الميليشيات الإيرانية من أزمة الوقود في حلب؟

مصادر خاصة أكدت لموقع "تلفزيون سوريا" بأن "الإجراءات التي أعلن عنها مسؤولو المحافظة ومديرية المحروقات دعائية ولم يكن أي أثر إيجابي على واقع الأزمة المتصاعدة" وتضيف المصادر، بأن "عمليات توزيع المشتقات الأهم والتي يتزايد الطلب عليها، كالبنزين والديزل لم تكن عادلة، وتضرر بسببها قطاع النقل العام (سيارات الأجرة) بشكل خاص"، وتؤكد المصادر بأن الفارق في أسعار المحروقات التي تباع في المحطات الرسمية وتلك المعروضة في السوق السوداء أصبح كبيراً، وتتراوح أسعار المحروقات المباعة في محطات الوقود بين 350 و500 ليرة سورية، في حين وصل سعرها لمادتي الديزل والبنزين في السوق السوداء إلى 3000 ليرة سورية لليتر الواحد.

 

طابور من الناس في انتظار وسائل النقل - ساحة الجامعة بحلب.jpg

 

تستثمر الميليشيات الإيرانية والعشائرية في قطاع النقل العام في حلب، وتعود ملكية أعداد كبيرة من سيارات الأجرة لأشخاص محسوبين عليها، هؤلاء يحصلون باستمرار على كميات لا بأس بها من المحروقات وبالتالي يتحكمون في قطاع النقل والمواصلات الذي شهد ارتفاعاً كبيراً في أسعار النقل، وأصبحت "التوصيلة" لأقصر مسافة بين أحياء المدينة تكلف 1000 ليرة سورية، هذا بالنسبة لسيارات الأجرة الصغيرة "التكسي".

تقول مصادر محلية في حلب لموقع "تلفزيون سوريا" بأن "الرقابة التي تتحدث عنها المحافظة وقيادة الشرطة على قطاع النقل مخادعة، لا يجرؤ أي شرطي مرور على إيقاف سائق تاكسي وضبط مخالفة بحقه إذا لم يلتزم بالعداد مثلاً، لأنه ببساطة قد يكون السائق تابعاً لواحدة من الميليشيات المحلية في الدفاع الوطني، أو السيارة التي يقودها ترجع ملكيتها لواحد من قادة الميليشيات"، يقول سائقو سيارات الأجرة في حلب إن بيع المحروقات التي يحصلون عليها من المحطات الرسمية في السوق السوداء مربح جداً، وتتركز أسواق تجارة المحروقات في الأحياء الشعبية التي تسيطر عليها الميليشيات عموماً.

الأمن العسكري يستغل الأزمة ليكسب من الرشاوي

حصر مجلس المحافظة في حلب العمل في عدد محدود من محطات الوقود بعد أن منع عن بعضها المخصصات المعتادة بحجة الكميات المحدودة الواردة يومياً، وتولى الأمن العسكري الذي يتزعمه، العميد وفيق ناصر، مهمة حماية المحطات وتنظيم "الطوابير" الطويلة أمام المحطات، واعتدى عناصره بالضرب أكثر من مرة على السائقين الذين يعترضون عادة على فساد تنظيم الطابور وسرقة القسم الأكبر من الكميات المخصصة للبيع في المحطات.

يشتكي الحلبيون من فساد التنظيم والتوزيع الذي يشرف عليه الأمن العسكري الذي فرض ضريبة غير معلنة على سائقي المركبات مقابل السماح لهم بتعبئة الوقود من محطات طيبة الواقعة بالقرب من دوار الموت غربي المدينة، ومحطة الصالحين في القسم الشرقي، والراموسة جنوب غربي المدينة، ومحطة تتان عند دوار الزراعة، ومحطات قدسي وإكسبريس وسوق الهال والزهرة وتتان بارون وشياح والأهرام وسوريا وشمس وغيرها من محطات بيع المحروقات في أرياف حلب الشمالية والجنوبية والغربية، والريف الشرقي وصولاً إلى مشارف منطقة منبج.

وصل العميد ناصر إلى حلب أواخر شهر آب/أغسطس الماضي، وذلك ضمن قائمة التغيرات التي أجراها النظام في قيادة عدد من الفروع الأمنية التابعة لإدارة المخابرات العسكرية، وكان الحاكم الفعلي في الجنوب السوري في الفترة الممتدة بين العامين 2012 و2018، ولُقّب بحاكم السويداء بسبب نفوذه الواسع وتحكمه بكافة الملفات الأمنية والعسكرية في الفترة التي كانت فيها المعارضة تسيطر على مناطق حوران وذلك قبل دخولها في اتفاق التسوية منتصف العام 2018. فيما بعد نقل العميد ناصر من الجنوب السوري وكانت وجهته الأولى حماة في العام 2018 ليترأس فرع المخابرات العسكرية فيها.

توقعت المعارضة السورية أن يشكل نقل النظام للعميد ناصر الى حلب بداية مرحلة أمنية أكثر قسوة في المدينة التي تعاني من شلل شبه كامل في معظم القطاعات الحيوية الإنتاجية (صناعة وتجارة) وتحكم واسع للميليشيات الإيرانية في مصادر الطاقة والطرق وغيرها من مقومات الاقتصاد المحلي المدمر، وبالفعل أصبح العميد ناصر في وقت قياسي الشخصية الأمنية الأقوى والأكثر نفوذاً في حلب التي تغلي بسبب الشلل الذي أصاب قطاعات العمل كافة، الأمر الذي انعكس سلباً على الحياة العامة في المدينة.

ممرات التهريب شرقي الفرات

يتواصل تدفق المحروقات إلى مناطق سيطرة النظام خلال فترة الأزمة التي عاشتها عموم المحافظات السورية التي يهيمن فيها النظام، وتأتي ممرات التهريب البرية المنتشرة على طول خط التماس بين "قسد" والنظام في المقدمة من ناحية كثافة التدفق، وبرغم الإغلاق المتكرر لمعبر التايهة الذي يفصل منبج عن حلب إلا أن عمليات التهريب في خط التماس المجاور لم تتضرر، ويديرها عادة مكتب أمن "الفرقة الرابعة" صاحب السيطرة التقليدية على ممرات ومعابر التهريب، ويأتي فرع الأمن العسكري بحلب في المرتبة الثانية من حيث السيطرة والإشراف على ممرات التهريب عبر الطرق البرية، وثالثاً، كان لمجموعة القاطرجي وميليشيا الحماية التي تتبع لها حصة كبيرة من عمليات تهريب المحروقات، وكثيراً ما كانت تتعاون مع باقي الفروع الأمنية لتسهيل مرور الشحنات وعمل المهربين.

يمتد نشاط مجموعة القاطرجي الخاص بعمليات توريد المحروقات من مناطق "قسد" نحو مناطق النظام على طول خط التماس النهري الممتد على الضفة الجنوبية لنهر الفرات في ريفي دير الزور والرقة أيضاَ، وتتوجه أرتال "الصهاريج" نحو حلب باعتبار الطرق المؤدية إليها أكثر أمناً من الطرق الصحراوية بسبب هجمات تنظيم الدولة، هذا في حال كانت وجهات الكميات المهربة من المحروقات وسط وجنوبي سوريا والساحل.

يبدو أن أزمة المحروقات تتعلق بشكل مباشر في عمليات التهريب وارتفاع أسعار المحروقات من المصدر الذي يبيع بسعر يتناسب مع سعر الدولار الأميركي، كانت مجموعة قاطرجي وهي المزود الرئيسي للنظام من المحروقات، حيث تسلم كميات كبيرة من المحروقات المهربة في حين تخصص جزءاً أقل للسوق السوداء، لكنها منذ بداية الأزمة لم تعد تلتزم بالكميات المحددة بحجة ارتفاع أسعارها من المصدر، وبذلك يترتب على حكومة النظام زيادة الدعم المخصص لقطاع المحروقات لكي يتم ضخ كميات تغطي الطلب المتزايد. انفلات أسعار المحروقات في مناطق سيطرة النظام بدا مقصوداً، وساهمت ندرتها في المحطات الرسمية المدعومة بتوجه مختلف قطاعات العمل الخاصة نحو السوق السوداء والتي تحقق للقاطرجي والميليشيات التي تستثمر في تجارة وتهريب المشتقات النفطية أرباحاً طائلة، وأضعاف ما كانت تجنيه خلال الفترة السابقة.

هل هنالك حركة تهريب محروقات من مناطق المعارضة إلى النظام؟

قبل مدة قصيرة من دخول مناطق سيطرة النظام في أزمة المحروقات كانت كميات كبيرة من الديزل تعبر ممرات التهريب نحو مناطق المعارضة السورية شمال شرقي حلب (ممرات السكرية وغيرها قرب الباب) و (ممرات الخط الفاصل بين عفرين ونبل شمالي حلب)، وكانت عمليات التهريب تتم بإشراف مباشر من كتائب ومجموعات عسكرية تتبع للجيش الوطني، وكان سعر ليتر الديزل القادم من مناطق النظام يساوي 350 ليرة سورية ويضاف إليه أجور النقل وضريبة التهريب التي تتقاضاها "الفرقة الرابعة" ليصل إلى سعر 500 ليرة لليتر الواحد، وهو سعر منافس من ناحية الجودة والسعر، مقارنة بسعر الديزل الأوروبي المستورد عن طريق تركيا، والذي تراوحت أسعار الليتر الواحد منه بين 1000 و1300 ليرة بحسب سعر تصريف الليرة أمام الدولار والليرة التركية.

وبعد أن دخلت مناطق النظام في أزمة المحروقات مؤخراً لا يعرف إن كانت ممرات التهريب المنتشرة بين مناطق المعارضة والنظام قد بدأت العمل بشكل عكسي، فأسعار المحروقات في مناطق النظام بحلب مثلاً وفي السوق السوداء ارتفعت بشكل كبير، ووصل سعر الليتر في مناطق النظام الى 2000/3000 ليرة، في حين سجل السعر في مناطق المعارضة عند حدود 1300 ليرة، أي مقدار الضعف، وبذلك تبدو عمليات التهريب العكسية مبررة من ناحية الأرباح التي يمكن أن تحققها جماعات التهريب الموجودة في مناطق المعارضة.

على أية حال شهد قطاع المحروقات في مناطق المعارضة ارتفاعاً كبيرة مؤخراً سواء المحروقات المحلية أو محطات التكرير البدائية، وزاد سعر "البرميل" الواحد من الديزل المكرر مقدار 20 دولارا أميركيا تقريباً، بعض السوريين في مناطق المعارضة عزوا أسباب ارتفاع أسعار الديزل إلى اقتراب فصل الشتاء وتوجه الناس إلى تخزين كميات تكفي التدفئة، وآخرون عزوه إلى عمليات التهريب نحو مناطق النظام، عموماً، لم يتمكن موقع "تلفزيون سوريا" من التأكد مباشرة، إن كان هناك حركة عبور للمحروقات من مناطق المعارضة نحو مناطق النظام شمالي حلب.