المهجرون متخوفون من "تأهيل" النظام للخدمات في محيط إدلب

تاريخ النشر: 20.08.2020 | 06:14 دمشق

آخر تحديث: 20.08.2020 | 07:45 دمشق

ريف حلب - خالد الخطيب

بدأ النظام في عمليات ترميم وإعادة تأهيل بعض الخدمات العامة في مناطق ريف إدلب الشرقي وحماة الشمالي وأرياف حلب الشمالية والجنوبية والغربية ومنطقة الضواحي، والتي سيطرت عليها قوات النظام والميليشيات الروسية والإيرانية في الفترة الممتدة من أيار/مايو 2019 بداية العمليات العسكرية وحتى نهاية شباط/فبراير من العام 2020.

اهتمام النظام المتزايد بمناطق سيطرته في طوق إدلب من ناحية الخدمات وإعادة تأهيل الطرق ربما تعني بأنه مصمم على الاحتفاظ بمكاسبه وبخريطة السيطرة، وأنه لا ينوي فعلياً الانسحاب تطبيقاً للتفاهمات التركية-الروسية التي تلمح إلى تسهيل عودة المهجرين إلى مناطقهم برعاية الجانبين وفي مراحل لاحقة من تطبيق التفاهمات على الأرض، لا بل يبدو النظام في سعي مستمر لتوسعة خريطة السيطرة على حساب المعارضة متحدياً بذلك التحذيرات التركية التي ركزت في أوائل أذار/مارس على ضرورة انسحاب النظام من مناطق انتشار نقاط المراقبة التابعة للجيش التركي، أي من المفترض أن يتراجع النظام إلى حدود ما قبل انطلاق العمليات العسكرية في أيار/مايو.

إعادة تأهيل الخدمات أقلق بالدرجة الأولى المهجرين من مناطق طوق إدلب، بعضهم اعتبرها مؤشرا خطيرا وقد تعرقل المساعي التركية الهادفة إلى تثبيت التهدئة وإعادة المهجرين إلى ديارهم، في حين يرى طيف واسع من المهجرين أن تحركات النظام الخدمية لن تمنع انسحابه لأنه ببساطة لا يملك قراره، وقرار الانسحاب أو البقاء في يد القوات الروسية، بينما يرى بعض المهجرين بأن الخدمات المفترضة ماهي إلا تطبيقاً للتوجهات الروسية، وسيليها بالضرورة فتح الباب لعودة المهجرين برعاية القوات الروسية وتحت حمايتها، وهو إلى حد ما تكرار لسيناريو الجنوب السوري في العام 2018.

الناشط الإعلامي محمد رشيد، قال لموقع "تلفزيون سوريا"، إن " الهدف من إعادة تأهيل الخدمات في المناطق التي سيطر عليها النظام في محيط إدلب دعائي بالدرجة الأولى، هي فعلياً شبه مدمرة ولا يمكن إعادتها للحياة بهذه السهولة، ويريد النظام من خلال خدماته أن يوصل رسائل محلية وخارجية بأنه يقوم بتأهيل المناطق تمهيداً لعودة المهجرين".

مناطق حلب

بدأت تحركات النظام الخدمية في وقت مبكر في المناطق التي سيطر عليها في طوق حلب والأرياف الشمالية والجنوبية والغربية أوائل العام 2020، وكانت البداية من بلدة حيان الواقعة على الطريق الدولي حلب-غازي عنتاب، والتي كلف برئاسة مجلسها البلدي، حامد البج، وهو أحد قادة ميليشيا عائلة البج الموالية للنظام، والتي غادرت البلدة في العام 2012 نحو بلدة نبل شمالاً بعد سيطرة المعارضة عليها.

وتضمنت عمليات الترميم إعادة التأهيل في حيان، وتعبيد و "تزفيت" شبكة الطرق الداخلية ومدخل البلدة، وعدد من المباني الخدمية، وقال البج في حديثه عن المشاريع الخدمية بأنها "ستساهم في رفع المستوى الخدمي في البلدة، وتحسين ظروف العيش فيها بما يساهم في عودة الأهالي إلى منازلهم وأعمالهم".

 تكاد تكون عائلة البج الموالية هي العائلة الوحيدة الموجودة في بلدة حيان في الوقت الراهن، في حين نزح من البلدة أكثر من 85 % من سكانها أثناء تقدم النظام مطلع العام 2020، وتتشارك كل من ميليشيا البج وميليشيا "نبل والزهراء" السيطرة على حيان والمنطقة الصناعية.

وإلى الجنوب وعلى الجانب الغربي للطريق الدولي حلب-غازي عنتاب، تبدو عندان خالية بشكل شبه كامل من الأهالي، ولا يختلف الوضع كثيراً في كفر حمرة وأسيا وبيانون، وتصريحات البج حول تهيئة الخدمات لاستقبال المهجرين بات يكررها غالبية المسؤولين في مجالس البلدات والقرى التي سيطر عليها النظام غربي حلب وصولاً إلى العيس وما حولها جنوباً.

 الناشط الإعلامي، عبيدة حياني، قال لموقع "تلفزيون سوريا"، إن "عمليات الترميم التي قام بها النظام في البلدة ركزت على إصلاح عدد من الطرق وإزالة الأنقاض في بعض المواقع، في حين ما يزال القسم الأكبر من المرافق متضررا بسبب قصف قوات النظام السابق".

يقول حياني، إن "المهجرين من أبناء حيان يخشون من أن يطول مكوثهم في مخيمات النزوح لأنهم ببساطة لا يمكن أن يعودوا إلى بلدتهم إلا إذا انسحبت قوات النظام وميليشيا نبل والزهراء منها، وبالتالي فإن جميع الآمال معلقة بالوعود التركية وفي حال لم تنفذ وتمسك النظام بسيطرته بدعم روسي فستكون النتيجة كارثية على المهجرين".

أما حسام ليلى، وهو مهجر من مدينة عندان، بدا أكثر تفاؤلاً بالدور التركي، ويرى بأن الخدمات التي يروج لها النظام في المناطق التي سيطر عليها في ريف حلب مخادعة ولن تعيق تنفيذ التفاهمات التركية-الروسية، قال ليلى لموقع "تلفزيون سوريا"، أنه من المفترض أن " تبدأ عمليات انسحاب قوات النظام والميليشيات الإيرانية من المنطقة في الربع الأخير من العام 2020، أي بعد الانتهاء من عمليات تأمين الطريق إم4"، ويتوقع ليلى بأن "تكون السيطرة في مناطق غرب الطريق إم5 من حصة الفصائل المعارضة، أما مناطق شرقي الطريق ستنتشر فيها شرطة روسية وتركية، وبالتالي أنا متفائل بعودة عندان إلى سيطرة المعارضة، وهكذا سيكون الحال في عموم البلدات الواقعة غربي الطريق الدولي، إم5 وحلب-غازي عنتاب"

الناشط الإعلامي محمود طلحة قال لموقع "تلفزيون سوريا"، بأن النظام يبدي اهتماما كبيرا بالمناطق التي سيطر عليها مطلع العام 2020 في ريفي حلب وإدلب لأن مسألة السيطرة فيها ما تزال معلقة بالاتفاقات الروسية التركية، لذلك يسعى من خلال الخدمات إلى تثبيت سيطرته في المنطقة ويقطع الطريق على أي تفاهم يقضي بانسحاب قواته إلى حدود ما قبل عمليات أيار 2019".

المشاريع الأحدث التي وافق مجلس محافظة حلب التابع للنظام على تنفيذها تضمنت أعمال صيانة متنوعة، أهمها الطرق، في عندان وقبتان الجبل والعيس ومران وبرنة وحور وبشنطرة والهوتة وكفرناها وعويجل والشيخ علي وتل حديا وزمار والزربة، ومدخل المدينة الغربي على الطريق الدولي حلب-دمشق، وتشمل عمليات ترميم الطريق إم5 في قطاع حلب تأهيل المنصف وجانبي المسارين ذهاباً وإياباً.

تأهيل الطرق شمالي حلب امتد نحو مدينة تل رفعت وعدد من القرى في ريفها الجنوبي، وبذلك أصبحت حيان وما حولها مرتبطة بتل رفعت شمالاً بطرق أكثر جاهزية، وتعزز من سيطرة النظام في المنطقة على حساب "وحدات حماية الشعب" التي نفذت انسحاباً جزئياً جديداً من المنطقة، ومن خطوط التماس في الجبهات الشمالية الغربية المحاذية لمنطقة عفرين الواقعة تحت سيطرة المعارضة السورية، التحرك الخدمي نحو تل رفعت يبدو أنه يهدف أيضاَ إلى قطع الطريق على المعارضة التي ما تزال تأمل في استعادة المنطقة بموجب التفاهمات الروسية-التركية كذلك، وما يزال مهجروها منذ أوائل العام 2016 ينتظرون العودة.

إلى جانب عمليات تأهيل الخدمات والطرق قامت غرفة السياحة في المنطقة الشمالية التابعة للنظام بجرد كامل للمنشآت السياحية والترفيهية على الطريق الدولي، وبلغ عددها 52 منشأة، ووعدت الغرفة بتقديم قروض تشغيلية ميسرة وفوائد مخفضة لأصحاب المنشآت وتأجيل كافة المطالبات من فواتير كهرباء وماء واتصالات وإعفائهم من غرامات التأخير المترتبة خلال فترة سيطرة المعارضة على المنطقة، وتضمنت التسهيلات دعم أسعار الفائدة لقروض المنشآت السياحية بقرار حكومة النظام رقم /1606/  والصادر في 2 حزيران 2020، ومن المفترض أن يتم دعم 75% من قيمة الفائدة على القرض الممنوح لصاحب المنشأة السياحية المراد ترميمها.

مناطق إدلب

ما يزال الجزء الأكبر من المكاتب الإدارية التابعة لمجلس محافظة إدلب التابع للنظام موجودا في مدينة حماة، وغالبية المشاريع الخدمية التي بدأها المكتب التنفيذي في المجلس يقوم مكتب الخدمات الفنية في محافظة حماة بتنفيذها على الأرض (آليات وعمال ومخططات تنظيمية)، ويتخذ المكتب التنفيذي في مجلس إدلب من مدينة خان شيخون مركزاً دائماً له ويسير رحلات يومية عبر حافلات النقل الداخلي (الحافلات الخضراء) لنقل موظفي المكتب من حماة التي تبعد عن الخان مسافة 30 كيلو متراً تقريباً.

تصنف مناطق سراقب ومعرة النعمان وأريافها كمناطق عسكرية، ومراكز المناطق شبه خالية من السكان بينما توجد أعداد قليلة من السكان في قرى الريف الشرقي (شرقي الطريق إم5)، وهم في الغالب عائلات كانت تقيم في بلدات شرقي السكة ومنطقة أبو الضهور التي سيطر عليها النظام خلال العمليات العسكرية في العام 2017، وتحظى أبو الضهور وقراها بحصة لا بأس من الخدمات (ترميم طرق ومباني مرافق عامة)، في حين ما تزال الأعمال الخدمية داخل مدينتي المعرة وسراقب خجولة وتكاد تكون معدومة بسبب الأضرار البالغة التي لحقت بالمدينتين خلال العمليات العسكرية والقصف الجوي والبري لقوات النظام.

الطريق الدولي إم4 في المنطقة الواقعة بين خان شيخون جنوباً وسراقب شمالاً نال حصة كبيرة من خدمات الترميم والتأهيل، وتكثر في المسافة ذاتها المنشآت السياحية التي من المفترض أن يبدأ ترميمها نهاية شهر آب/أغسطس الحالي، ويزيد عددها على 32 منشأة سياحية.

الناشط السياسي، محمد شكيب الخالد، قال لموقع "تلفزيون سوريا"، إن "المهجرين من مناطق ريف إدلب الجنوبي والشرقي لا يعرفون تماماً ما الذي يتضمنه الاتفاق الروسي-التركي بشأن مناطقهم، وهل ستكون عودتهم قريبة أم لا، حتى قادة الفصائل المعارضة ليس لديهم إجابات مقنعة"، وبحسب الخالد "النقاط العسكرية التركية في المنطقة المحتلة في محيط ادلب سوف تبقى إلى حين تطبيق التفاهمات، والتي تتضمن بالضرورة انسحاب قوات النظام، فسراقب على سبيل المثال يُمنع على أي مدني دخولها حتى الآن، والمدينة مطوقة من أربع جهادت بنقاط عسكرية تركية، وبالتالي فالسيطرة مجمدة ولا يمكن للنظام إنهاء الملف لصالحه عن طريق حملة الخدمات التي يقدمها" .

الناشط عبد الوكيل شحود من جنوبي إدلب، قال لموقع "تلفزيون سوريا"، "علينا التمييز بين مناطق طوق حلب مثلاً ومناطق جنوبي إدلب وغربي الطريق إم5، المناطق في طوق حلب في الغالب لن تعود، وبالتالي حملة الخدمات تعني فعلياً تثبيت سيطرة النظام فيها، أما في الجنوب، كفرنبل وحزارين وقرى غرب الطريق الدولي فلن يستطيع النظام التحكم بمصيرها الذي ما يزال معلقاً بالاتفاق الروسي-التركي، وأظن أن قوات النظام ستكون مضطرة للانسحاب في مرحلة لاحقة من هذه المنطقة ولكن يبقى السؤال ما هو شكل السيطرة بعد انسحاب النظام؟ وهل سيسهل عودة المهجرين أم لا؟".

سهل الغاب وشمالي حماة

استباحت قوات النظام والمليشيات الإيرانية أولى المناطق التي سيطرت عليها في بداية عملياتها العسكرية التي انطلقت في أيار 2019، قلعة المضيق والقرى المحيطة بها وصولاً إلى القطاع الأوسط من منطقة سهل الغاب، وتمكن عدد من العائلات الموالية من أبناء المنطقة من العودة إلى قراهم، ومن بينها قرية الشريعة، أما مناطق ريف حماة الشمالي التي تقدم نحوها النظام في المرحلة الثانية من العمليات العسكرية تتحكم فيها الميليشيات من "قوات النمر" و "الفيلق الخامس" وفيها انتشار واسع للميليشيات الإيرانية، أبرزها "فاطميون".

ففي مورك سمح بعودة عدد من العائلات إلى المدينة الواقعة على الطريق الدولي والتي كانت محط اهتمام إعلام النظام الذي روج من خلالها إلى بداية العمليات الهادفة إلى استكمال السيطرة على الطريق وصولاً إلى حلب، واستهدف النظام مورك بمجموعة من الخدمات الأولية كإصلاح الطرق الرئيسية في المدينة وبعض المباني الخدمية، في حين ما تزال بلدات كفر زيتا واللطامنة وغيرها خالية من سكانها المهجرين نحو مناطق شمالي إدلب، وتبدو آمال المهجرين من شمالي حماة أقل مقارنة بآمال المهجرين من مناطق إدلب بسبب الانتشار الواسع للميليشيات في مناطقهم والتي تعكس تمسك النظام في المنطقة.

الناشطة المدنية، يافا الحموي من كفرزيتا قالت لموقع "تلفزيون سوريا" : "لدينا الأمل بالعودة إلى كفرزيتا طالما مستمرين في ثورتنا، العودة إلى كفر زيتا المحررة، أما أن نعود إليها والنظام موجود وبغطاء روسي هذا مستحيل، وستكون هذه العودة بمثابة خيانة لثورتنا ودماء شهدائنا ومعتقلينا، مطالبنا الأساسية رحيل النظام وقبل ذلك لن نعود إلا في حال أعيد تحرير مناطقنا من قبل ثوارنا".