اللاجئون السوريون في لبنان ضحايا فشل التوصل لتسويات إقليمية ودولية

2024.04.14 | 06:59 دمشق

مناصرون للقوات اللبنانية يشاركون في تشييع باسكال سليمان في جبيل ـ AFP
+A
حجم الخط
-A

من الواضح جدًا بأن عملية اغتيال باسكال سليمان منسق حزب القوات اللبنانية على يد عصابات التهريب والسرقة هي عملية سياسية هادفة إلى إثارة الفتنة الداخلية اللبنانية (السنية ـ المسيحية) من ناحية، ومن ناحية أخرى هي رد على مواقف حزب القوات اللبنانية المتصاعدة ضد حزب الله وعلى كلام البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس الراعي لجهة إيقاف الحركة السياسية اللبنانية وأخذ البلد نحو الحرب المفتعلة خدمة لمصالح أجندات خارجية وثمن الارتداد نحو الداخل.

لم تكن عملية اختطاف المسؤول القواتي في منطقة جبيل حادثة طبيعية  بالنظر لما يمثله الراحل والتي جعلت الإعلام يجتهد في  تفسيره وإبعاد الموضوع عن طبيعته وعدم  إعطاء تفسير قانوني منطقي للجريمة، مما دفع الناس للخروج إلى الشارع في ردة فعل طبيعية بعد تعرض أي شخصية سياسية للاعتداء أو الخطف أو القتل.

سليمان ينتمي لفصيل سياسي تعرض لاعتداءات سابقة، مثل قتل منسق الجنوب إلياس الحصروني، ومناوشات عين الرمانة التي لا تزال قضية مفتوحة تم احتجاز طرف واحد فيها، وزاد الطين بلة ما حصل في  قرية الرميش الجنوبية الحدودية من قصف وتهجير.

لذلك كانت عملية الاعتراض عفوية  وسريعة من الأهالي، حيث حاول حزب القوات السيطرة على الموقف وعدم السماح بالفوضى من خلال بيانات وتصريحات مسؤوليه ومناصريه  والعلاقة مع الجيش اللبناني من خلال مخابرات الجيش، التي تولت البحث والكشف عن الجريمة التي باتت خيوطها  تتكشف سريعا عبر المراقبة  والمتابعة  والعمل على ملاحقة العصابة التي تبين أنها سورية مختصة بسرقة السيارات ونقلها إلى سوريا.

هذا  ما أعطى دافعا للعديد من المشاركين بعمليات الاعتراض من ممارسة ردود فعل عشوائية  كإغلاق الطرقات في مدينة جبيل والتعرض للسوريين المارين والمقيمين في جبيل.

الدافع الثاني سياسي حيث بدأ الاتهام ينطلق من فرضيات أساسية بأن سحب المتهم إلى منطقة القصير السورية التي تعتبر خاضعة لحزب الله، أعطى دليلا للناس بأن هذه العصابات التي تجول وتصول في لبنان هي محمية من الحزب وتمارس عملها دون حسيب أو رقيب.

ومن هنا طُرحت الأسئلة حول الجريمة إذا كان المطلوب السرقة فلماذا تم قتله  ولماذا سحب من جبيل إلى الشمال ومن ثم إلى ضواحي حمص مكان وجود العصابة؟. وبالتالي التسجيلات الصوتية أشارت سريعا إلى أن عملية القتل تمت في وقتها عندما طلب المغدور عدم التعرض له وقتله لأن لديه أطفالا.

إذاً الجريمة سياسية بغض النظر عن الطريقة التي تم فيها تنفيذها والتي تتطلب متابعة دقيقة في التحقيق للوصول إلى كشف الملابسات القانونية كي تطوي أي اتهام سياسي.

ولكن قبل كشف الجريمة وفي خطاب للأمين العام لحزب الله حسن نصر الله سارع لاتهام القوات والكتائب والمسيحيين والمستقلين بأنهم يسعون للحرب الأهلية ووصفهم بأنهم من أتباع الفتنة وذات السوابق الماضية طالما أن الجيش كشف عن الجريمة والمغدور في عدد من الأجهزة الأمنية، تسرع في  إطلاق التصريح قبل الوصول إلى النهاية الأليمة للمغدور مما وضع  الجمهور المسيحي والقادة المسيحين في ردة فعل على التصريح حيث بات الإعلام الوسيلة في تبادل الاتهامات من قبل الطرفين.

إذا على ما يبدو أن العلاقة بين السنة في لبنان والمسحيين تزعج وتقلق حزب الله والنظام السوري وخاصة بعد اغتيال الشهيد رفيق الحريري عام 2005، واندلاع الثورة السورية عام 2011

من هنا ينطلق  المنطق في التحليل بأن اللاجئ السوري المقيم في لبنان هو أعجز  من ان يتجول بين الحواجز الليلية، وبالتالي  كل الأصابع تشير إلى مجموعة من شبيحة النظام السوري المحمية بالتجول والتحرك في لبنان بسهولة وتمارس أعمالا بشعة ويديرون شبكات التهريب  على الحدود  والقتل والخطف والسرقات بحماية الحزب والنظام السوري ليقع ضحيتها السوريون الأبرياء، والعزل من أجل تحقيق أهداف  خاصة بهذه الأطراف.

تدخل حزب القوات اللبنانية هدأ الشارع قليلا، لكن في المقابل الطابور الخامس كان جاهزا ويعمل بنشاط سريع لتعبئة الناس وتصعيد ردود الفعل غير المبررة  حيث شاهدنا على وسائل التواصل الاجتماعي عبر بيانات ومناشير موجهة للسوريين القاطنين في المناطق التي كانت تسمى بيروت الشرقية، تدعو السوريين للخروج من المنطقة وإقفال محالهم وترك بيوتهم والخروج في مدة أقصاها آخر أيام العيد. مما لفت نظر الخبراء والمتابعين إلى طريقة صياغة البيانات التي تشير إلى أن إعدادها لم يتم في المطبخ اللبناني، مثلا في أحد المناشير التي تطالب بخروج من "عين الرمانة"، تقول البيانات عبر فيس بوك إن (أهالي عين رماني) وهذا يدل على أن الكاتب ليس لبنانيا لأن اللبنانيين جميعهم يلفظون الكلمة (عين الرمانة). بالإضافة إلى ذلك انتشرت فيديوهات عبر منصات التواصل يقول أصحابها عبر مكبرات الصوت إن الاعتداء على السوريين هو اعتداء على أهل السنة والجماعة إضافة للتحذير من التعرض للعمال واللاجئين السوريين بوصفهم من أهل السنة والجماعة، وأنه على المسيحيين الهدوء وعدم التعرض  لهؤلاء وإلا فإنهم سيواجهون مصيرا مشابها لمصير مسيحييّ العراق وسوريا.

يسعى البعض لجعل السوريين في لبنان يدفعون ثمن تراخي الدولة اللبنانية للوصول إلى تسويات إقليمية ودولية، السوريون اليوم هم ضحية كما كانوا خلال فترات وقعت فيها تطورات أمنية في الداخل، وليس هناك من يحميهم أو يقف إلى جانبهم لأنهم الحلقة الأضعف بسبب رفضهم الخضوع لنظام بشار الأسد. وبالمقابل لا يوجد أيضا من يحمي اللبنانيين من خطاب الكراهية الذي يهدد السلم الأهلي.

هذا يعني تحويل المشكلة إلى خلاف (سوري ـ مسيحي) أي خلاف (سني ـ مسيحي) فإذا على ما يبدو أن العلاقة بين السنة في لبنان والمسحيين تزعج وتقلق حزب الله والنظام السوري وخاصة بعد اغتيال الشهيد رفيق الحريري عام 2005، واندلاع الثورة السورية عام 2011 الرافضة للحرب والقتل، حيث تجسد التلاقي السوري السني مع اللبناني السني والمسيحي اللبناني.

أما من الناحية الثانية فكان بيان الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي اتهم سريعا حزب القوات بحرق مركزه في البقاع محاولا نفي أي دور وطني ومقاوم للقوات اللبنانية أمام العدو الصهيوني.

وكأنها عملية تطويق للحزب من الناحية القومية والناحية المذهبية، والمقصود هو الضغط على حزب القوات لخفض صوته وكأن هذه الأعمال المشبوهة تهدف لخلق صراع والتخلص من اللجوء السوري وخلق سفينة نجاة ثانية بواسطة النظام السوري وحزب الله.

إذاً هذه الخطوة تكمن في عملية الاتهام لضرب هذه اللحمة من خلال الانقضاض على الوجود السوري في لبنان ودفعه للخروج والهروب بواسطة المسيحيين ودفع السنة للمواجهة في إطار الدفاع عن حقوق اهل السنة والجماعة بعد أن فشل حزب الله وإيران في دفع الطائفة السنية  إلى مساندتها في حرب غزة وزجها في الحرب المفتوحة، حيث استطاعت جر مجموعة صغيرة من الجماعات الإسلامية في لبنان.

السوريون كبش محرقة لتفاهمات إقليمية، حيث تسعى هذه الحركات المشبوهة التي تمارس ضد السوريين لإدخال لبنان في حرب أهلية تعيده إلى أيام الحرب الأهلية عام 1975 حيث أدت الأحداث إلى تدميره وضرب القوى الحزبية اللبنانية اليمينية واليسارية ما مهد الطريق أمام المذاهب والطوائف لحكم لبنان. هذه المرحلة ستكون التمهيد ـ بحال نجاحهاـ للسيطرة الكاملة على لبنان وضرب العنصر المسيحي وإحياء ملف الصراع مع إسرائيل للسيطرة على لبنان من قبل محور "الممانعة".

بعد الحادثة تزايد نشر البيانات على مواقع التواصل الاجتماعي الهادفة لتوسعة الهوة بين  السوريين والمسيحيين، وهنا نطرح أسئلة ننتظر الإجابات عليها لوضع  صورة نهائية لما حدث  فعليا: ما الهدف من القتل وترك آثار للجريمة في طرابلس والقصير ولماذا تسارعت البيانات الهادفة لإخراج السوريين من لبنان؟

إذاً هل نحن  نقترب من فتنة يتم تنظيمها وتعميمها لإنتاج حرب داخلية تخرج لبنان من المأزق الذي يعيشه على حساب اللاجئين السوريين؟ لأن عملية الاغتيال باتت توضح بأن الفتنة المطلوبة مسيحية ـ سورية وتحديدا سنية ـ مسيحية.