الغرب كما بوتين في مأزق

2022.10.09 | 06:31 دمشق

الغرب كما بوتين في مأزق
+A
حجم الخط
-A

من المفترض أن يكون المأزق الكبير الذي وصلته حرب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على أوكرانيا محل ترحيب وابتهاج في الغرب، لكنّ الأمر لا يبدو كذلك. بقدر ما أن الدول الغربية كانت تخشى في بداية الصراع من انتصار روسيا وقدّمت مختلف أشكال الدعم لكييف لحرمان موسكو من تحقيق نصر سريع، فإنها اليوم تبدو أكثر قلقاً من بوتين المأزوم.

لقد أفصح الرئيس الأميركي جو بايدن مؤخراً بشكل صريح عن قلقه من احتمال لجوء بوتين إلى استخدام السلاح النووي وقال إن الولايات المتحدة تُحاول إيجاد مخرج له لحفظ ماء وجهه. أحد الأسباب الرئيسية التي أدّت إلى الوضع الخطير الحالي في هذا الصراع هي الافتراضات المسبقة الخاطئة من جانب روسيا والغرب على حد سواء. اعتقد بوتين في بداية الحرب أن الترسانة العسكرية الكبيرة التي يمتلكها الجيش الروسي وتسليح إمدادات الطاقة لأوروبا سيثنيان الغربيين عن الانخراط في صراع بالوكالة مع روسيا. وبالمثل، اعتقد الغرب أن هزيمة بوتين في أوكرانيا ستجعله أكثر ضعفاً في المستقبل. لكنّ هذه الافتراضات أدّت إلى نتائج عكسية. الدول الغربية قررت التعامل مع الحرب الروسية على أنها حرب على الغرب بأسره. وبوتين الضعيف الآن أصبح أكثر خطورة.

ظن الغربيون أن بوتين، الذي قاد روسيا ضعيفة بكبرياء منكسر بعد انهيار الاتحاد السوفييتي أعجز من أن يرد على تمدد حلف شمال الأطلسي

في -الواقع، لم تخلق هذه الحرب المُعضلة الحالية بين روسيا والغرب، بل هي نتيجة عقدين من الافتراضات الخاطئة المتبادلة. اعتقد بوتين أن فشل الغرب في مواجهته بعد انتصاره في الحرب على جورجيا في عام 2008 وضمه لشبه جزيرة القرم الأوكرانية في عام 2014 ونجاح تدخله العسكري في سوريا في عام 2015 بمثابة عجز يُساعده في تحقيق أهدافه الجيوسياسية في أوروبا بحد أدنى من العواقب.

في المقابل، ظن الغربيون أن بوتين، الذي قاد روسيا ضعيفة بكبرياء منكسر بعد انهيار الاتحاد السوفييتي أعجز من أن يرد على تمدد حلف شمال الأطلسي. لم يول أي من الطرفين أهمية تُذكر للعواقب. من المؤسف أن أوكرانيا اليوم هي من تدفع الثمن الأكبر لهذه الافتراضات الخاطئة. لقد قرر الغربيون متأخراً الاهتمام بها بشكل أكبر، لكنّ هذه الالتفاتة جعلتها أكثر عرضة للتنمر الروسي. بينما خسر الأوكرانيون شبه جزيرة القرم قبل ثماني سنوات بسبب التساهل الغربي في الرد على بوتين، فإنها في هذا الصراع، قد تخسر أراضي جديدة بسبب خوف الغرب من بوتين المأزوم. في الصراع بين قوى عُظمى تمتلك أسلحة نووية، لا تقتصر المعادلة على حسابات الربح والخسارة على أرض يدور عليها صراع بالوكالة، بل تتعلق بشكل أكبر بتبعات النصر والهزيمة عليها. لم تتعامل روسيا والغرب بجدية مع هذه التبعات إلا عندما لاحت في الأفق مخاطر المواجهة النووية.

رغم أن القوات الأوكرانية تمتلك حالياً زمام المبادرة على الأرض، إلا أن المسؤولين الأميركيين والأوروبيين يقولون إنهم لا يرون إمكانية تحقيق أوكرانيا نصراً سريعاً وحاسماً ويقاومون مطالب كييف بالحصول على أسلحة بعيدة المدى لتسريع هذه النتيجة.

تبدو هذه القراءة واقعية بعض الشيء، لكنّ الدافع الرئيسي لها يكمن بالدرجة الأولى بقلق الغرب من عواقب تعميق مأزق بوتين وليس في العجز العسكري في هزيمته. كما أنه يعكس قلق الدول الغربية من التأثيرات المتزايدة للحرب عليها من حيث ضغط سلاح الطاقة والتكلفة المتزايدة لدعم كييف في حرب طويلة الأمد. في الولايات المتحدة، قد تؤدي هذه التأثيرات إلى حدوث تحول سياسي لمصلحة الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي المقبل، وبالتالي، إضعاف قدرة بايدن في ما تبقى من ولايته الرئاسية على حشد الدعم المالي والعسكري اللازم لأوكرانيا. وفي أوروبا أيضاً، قد تُثير تداعيات أزمة الطاقة وتكلفة المعيشة المرتفعة اضطرابات سياسية واجتماعية ربما تُضعف التصميم الأوروبي على مواجهة روسيا لفترة أطول.

وفي روسيا أيضاً، لا يبدو الوضع مريحاً لبوتين بينما تتزايد تأثيرات العقوبات الغربية يوماً بعد آخر وتتسع المعارضة في الشارع للتعبئة الجزئية. من المرجح أن تتزايد هذه المعارضة في حال فشل بوتين في عكس دفة الحرب عبر تجنيد 300 ألف جندي إضافي واضطراره إلى تعبئة أوسع.

تسعى روسيا إلى تعويض عجزها العسكري في جعل الضم كأمر واقع على الأرض من خلال اللجوء إلى الابتزاز النووي لأوكرانيا والغرب

مع ذلك، فإن المخاطر الحالية في الصراع تتمحور بشكل أكبر حول احتمال استخدام بوتين للأسلحة النووية. بقرار ضم الأقاليم الأوكرانية الأربعة وإعلان التعبئة الجزئية، يُظهر بوتين أنّه، وقبل كل شيء، لن يقبل بأي حال من الأحوال التعرض للهزيمة حتى لو اضطره الأمر إلى رفع مستوى المخاطر. لكنّ ذلك عمق في الواقع من مأزقه. موجب الضم، أضحت مقاطعات دونيتسك ولوهانسك وزاباروجيا وخيرسون جزءاً من الأراضي الروسية. لكنّه من بين الأربعة، تخضع لوهانسك فقط للسيطرة الروسية شبه الكاملة. لكن بوتين وسع المظلة النووية الروسية لتشمل الأقاليم المذكورة. بمعنى آخر، تسعى روسيا إلى تعويض عجزها العسكري في جعل الضم كأمر واقع على الأرض من خلال اللجوء إلى الابتزاز النووي لأوكرانيا والغرب. من منظور الغرب، فإن منح بوتين ما يُريده لا يقل سوءاً لأن القبول بتغيير حدود دولة أوروبية بالقوة سيزيد من شهية بوتين لتكرار التجربة في أوكرانيا مستقبلاً أو في أي دولة أوروبية مجاورة. ولأن الاستسلام للابتزاز النووي سيُكرس سابقة خطيرة في مفهوم الردع النووي المتبادل بين روسيا والغرب.

على عكس عملية ضم القرم التي جرت بسرعة ومن دون أن تُضطر روسيا إلى خوض حرب واسعة كما هو الحال اليوم، فإن الضم الجديد مُحاط بالكثير من المخاطر التي تترك بوتين أمام خيارات صعبة للحفاظ عليه. تأمين مظلة نووية للأقاليم الأربعة قد يفي بهذا الغرض من منظور استراتيجي أوسع، لكنّه يُشكل رادعاً استراتيجياً أكثر من كونه وسيلة عملية للفوز في قتال مباشر مع خصم على مقربة منك. علاوة على ذلك، فإن إرسال المُجندين حديثاً إلى الجبهة بموجب أوامر التعبئة للدفاع عن الأراضي المنتزعة وتجنيد السكان في هذه المناطق قد يُساعد في معالجة النقص البشري الذي يُعانيه الجيش الروسي، لكنّه افتقار هؤلاء المجندين للقدرات القتالية الاحترافية الضرورية في صراع بهذا الحجم لا يُساعد في تحقيق النتائج المرجوة. كيف يمكن لروسيا والغرب أن يخرجا من هذا المأزق؟ لقد قلصت الافتراضات الخاطئة من فرص مثل هذا المخرج حتى بدا أن بوتين والغرب عاجزين عن التفكير في اللحظة التالية التي يتحول فيها كابوس المواجهة النووية إلى حقيقة.