الصاروخ بخمسة ملايين دولار.. خرافة اسمها "إس-300"

تاريخ النشر: 07.10.2018 | 16:10 دمشق

آخر تحديث: 15.06.2020 | 23:21 دمشق

راني جابر - تلفزيون سوريا

مليار دولار أو يزيد؛ هو المبلغ الذي دفعه النظام لروسيا بدل الحصول على أربع بطاريات "إس-300" روسية مع 192 صاروخاً "فقط" لهذه المنظومة، ضمن ما اعتبر "الرد الروسي" على إسقاط الطائرة الروسية خلال غارة إسرائيلية بنيران نظام الأسد!.

الكثير من التحليلات والحديث جعل من انتشار هذه البطاريات في سوريا حدثاً ذا أثر إستراتيجي محوري، لكن الوقائع والتحليل التقني لقدراتها والقدرات الإسرائيلية في مواجهتها، تؤكد أنها لن تضيف أي جديد على الوضع العسكري في المنطقة، بل يمكن الجزم أن الضربات الإسرائيلية لن تتوقف بل ستستمر (فالتوقف الحالي ليس مرتبطاً بتهديدات المنظومة التي لما تنشر بعد، بل بالتنسيق الروسي الإسرائيلي)، وقد يصبح نشرها سبباً لإهانة الروس والنظام، خاصة أن النظام لديه باع طويل في ذلك، وليست مجزرة الدفاع الجوي في البقاع 1982 بعيدةً عنا.

"إس-300"

أوقفت روسيا إنتاج إس-300 منذ 2011 بعد أن أصبحت قدراتها وكافة تفاصيلها التقنية موجودة بشكل تفصيلي لدى العديد من الدول الغربية، ولم تعد لها أي خطوط إنتاج نشطة (بدأت إنتاجه عام 1978 وآخر نسخها ظهرت عام 1997).

حيث شرعت روسيا بتنفيذ خطط تنسيقها من جيشها واستبدالها بمنظومات إس-400 الأحدث، وخاصة أن اليونان (العضو في حلف الناتو) حصلت عليها من روسيا، كما حصلت أمريكا على أجزاء من المنظومة من أوكرانيا بعد فشل روسيا في تعطيل الصفقة؛ ما أدى لحصولهم على تفاصيل كاملة عن الكثير من قدراتها.

كذلك فقد نفّذت إسرائيل والناتو تدريبات مختلفة مع اليونان وبلغاريا للتعامل معها، كما نفذت مصر (المرتبطة مع الولايات المتحدة الأمريكية بمعاهدات عسكرية) والحاصلة على منظومة الانتاي-2500 المشتقة من الـ إس-300 تدريبات مختلفة مع الأمريكان وحلف الناتو ككل، ما يجعل عملية تسليم النظام لبطاريات إس-300 عملية مربحة جداً لروسيا للتخلص من المنظومة المتقادمة، ومعدومة الأثر بالنسبة لإسرائيل، التي تدرك تماماً كيف يمكن التعامل معه في حال فكر النظام باستخدامها ضدها بشكل حقيقي، (روسيا نشرت إس-300 في قاعدة طرطوس ما سمح للإسرائيليين بالتعرف أكثر عليها).

تضخيم قدرات

تتحدث الكثير من المصادر عن قدرة إس-300 على تدمير الأهداف على مدى بعيد يصل إلى 200 كيلومتر، وأنه سيرسم دائرة قطرها 400 كيلو متر يمنع فيها الطيران "غير المرغوب فيه" وهذا الكلام فيه مبالغة كبيرة والكثير من الكذب، خاصة مع العدد المحدود من البطاريات والصواريخ التي حصل عليها النظام (192 صاروخا فقط حسب تصريحات مصادر روسية)، والتي جعلت كلفة إطلاق الصاروخ الواحد بناء على ما دفعه النظام كسعر لأربع بطاريات 5 ملايين دولار (تحوي كل بطارية 4 منصات إطلاق فقط وتحمل كل منصة 4 صواريخ فقط)، في حين خلال حادثة إسقاط الطائرة الروسية أطلق النظام ما يزيد على 20 صاروخ دفاع جوي متعدد الأنواع، وفي بعض الحالات وصل عدد الصواريخ المطلقة إلى 100 صاروخ! وخاصة صواريخ شتورا وبوك وإس-200.

 

منصات الإطلاق في بطارية إس-300

 

ويوجد من "إس-300" عدة أجيال بعضها لا يتجاوز مدى صواريخه 70 كيلومترا، وهي على الأرجح نوعيات الصواريخ التي سيحصل عليها النظام، الذي لم تحدد روسيا أي نسخة أعطته لحد اليوم، وهي بالتأكيد سوف تعمل على إجراء عملية "تخفيض مواصفات" للبطاريات التي سيحصل عليه النظام لتخفيض المخاوف الإسرائيلية بإزالة الكثير من مميزاتها، إضافة لجعلها مسيطر عليها مباشرة من قبل الروس.

كذلك يعتقد من يتابع إعلام النظام أن هذه الصواريخ تستطيع إصابة الأهداف على جميع الارتفاعات على مدى 200 كم، ولكن الحقيقية أن قدرة الرادارات على اكتشاف الأهداف مرتبطة بارتفاعها (يجب أن تكون الطائرة على ارتفاع 2500 متر على الأقل لتصبح قابلة للكشف على بعد 200 كيلو متر، في حين ينخفض مدى الكشف لأقل من 40 كيلومتراً في حال كانت على ارتفاع 100 متر) أما استهدافها على هذا المدى فهو معقد أكثر (يستغرق إصابة الطائرة بصاروخ على مدى 200 كم حوالي 130 ثانية وعلى 100 كم 65 ثانية على الأقل وهو زمن كاف لطائرة حربية للتملص من الصاروخ، ما يجعل من استهداف الطائرات الحربية على هذه المديات غير مجدٍ عملياً)، ويمكن القول إنه عديم الفائدة إلا إذا كانت طائرة ركاب أو شحن مدنية معدومة أجهزة التحذير من الصواريخ أو القدرة على المناورة، وهذا هو التهديد الحقيقي الذي تمثله إس-300 في المنطقة.

 ما هو التهديد الذي تشكله إس-300 على إسرائيل؟

أهم المغالطات المنطقية التي استخدمها الروس والنظام للترويج لقدرات "إس-300" هو إمكانية تأثير "إس-300" على الغارات الإسرائيلية في سوريا، بالافتراض أن الطائرات الإسرائيلية ستحتاج للطيران "فوق" الأهداف لقصفها، وهذا الكلام مغلوط جداً، فالطائرات الإسرائيلية تنفذ العديد من الغارات بدون حتى أن تصل للمدى البصري للأهداف، ودون حتى اختراق المجال الجوي السوري، بل تستخدم ذخائر موجهة عالية الدقة تصل مدياتها إلى ما يزيد على 250 كيلومتراً، وأكبر مثال على هذا أن أقرب نقطة لخط الساحل السوري وصلتها الطائرات الإسرائيلية خلال آخر غاراتها على النظام (يوم إسقاط الطائرة الروسية) كان بعدها يتجاوز 40 كيلو متراً، في حين ألقت قنابلها وقفلت عائدة لتصيب أهدافاً تبعد حوالي 70 كيلومتراً (مدى قنابل GBU-39 التي استخدمتها إسرائيل في تلك الغارة يتراوح بين 70 و110 كيلومترات، وثمنها يتراوح بين 40 ألف دولار و250 ألف دولار فقط).

ما يعني أن إسرائيل لا تخشى حقيقة من "إس-300" أثناء تنفيذ الغارات، لكنها تخشى منها في حال قرر النظام استخدامها ضد طائرات الشحن العسكري والمدني التي تطير فوق فلسطين بشكل أساسي، وضد طائراتها المسيرة، فأقصى ما تستطيع هذه البطاريات الأربع فعله مع هذا العدد المحدود من الصواريخ هو التسبب بإسقاط عدة طائرات بالحد الأقصى؛ قبل أن تتعرض للتدمير بشكل كامل في حال قررت إسرائيل أو أمريكا استهدافها.

فأكبر عدد من الأهداف تستطيع التعامل معه بطارية إس-300 مزودة بأربع منصات إطلاق هو 8 أهداف فقط، خاصة أنها بحاجة لإطلاق صاروخين ضد كل هدف بهدف التأكد من الإصابة (بموجب العقيدة الروسية في استخدام صواريخ الدفاع الجوي)، كما يجب أن تكون هذه الأهداف موجودة في قطاع زاوي لا يتجاوز 100 درجة بالنسبة للبطارية الواحدة، فرادار قيادة النيران يعمل بزاوية 100 درجة فقط (لا يستطيع العمل بزاوية دائرة كاملة بدون تحريكه ميكانيكيا)، وستبقى البطارية في حالة استهداف عدة أهداف بعيدة (150 كيلومتر مثلا) في حالة شلل وعدم قدرة على تنفيذ أي مناورة ضد أهداف أخرى قادمة من محاورة مختلفة لمدة تتجاوز دقيقتين، وهي فترة طويلة بمقاييس معارك الدفاع الجوي، وعملية تذخير البطاريات بالصواريخ تستغرق فترة طويلة، ما يجعلها هدفاً سهلاً في حال أفرغت صواريخها.

 

رادار قيادة النيران

 

كما أن عربات الدفاع الجوي المرافقة لها سواء (بانتسير أو تور) لن تكون قادرة على صد هجمات مركزة بالصواريخ الجوالة والقنابل المنزلقة تستهدف إس-300، خاصة أن نسبة الإصابة لمعظم هذه البطاريات لا تتجاوز 40 إلى 50 بالمئة في أحسن الأحوال؛ بناء على الغارات التي نفذتها إسرائيل سابقاً في سوريا والتي أسقط فيها النظام أعدادا ضئيلة جدا من الصواريخ الطوافة والقنابل المنزلقة التي أطلقت ضد مواقعه في حين أصاب الباقي أهدافه، ما يجعل من الاعتماد على هذه البطاريات لحماية إس-300 مجرد مقامرة خاسرة.

أما أجهزة التشويش التي تدعي روسيا نشرها في محيط المنطقة للتشويش على أجهزة الاتصالات والتوجيه والملاحة المختلفة للطائرات في المنطقة، فيوجد الكثير من الذخائر الموجهة التي تعتمد على وحدات قيادة داخلية لا تحتاج للحصول على أي معلومة من خارج المقذوف، وتستخدم عدة وسائل للإطباق على الأهداف بينها عمليات تحليل الصور ما يجعل أجهزة التشويش الروسية منخفضة التأثير للحد الأدنى.

استعراض عضلات

لا يبدو أن النظام سيخاطر باستخدام حقيقي لبطارياته، بل سيستخدمها الروس بشكل استعراضي ليس أكثر بالتنسيق مع إسرائيل، وخاصة في عمليات تصدي لصواريخ جوالة وربما طائرات مسيرة كدعاية لهذه الصواريخ.

فالنظام وروسيا يدركان أن لا إسرائيل -ولا حتى تركيا- تحتاج للكثير من الجهد لتدميرها أو تعطيل عملها، بدون حتى الحاجة لطائرات ف-35 في حال قرر النظام استخدامها ضد طائراتهم، فالصواريخ الجوالة (كروز) من نوعيات مثل (دليلة ذو المدى الذي يزيد على 250 كيلومتراً) وغيره كثير والتي تملكها إسرائيل تستطيع استهداف المنظومة وتدميرها أو تعطيلها؛ بدون تعرض الطائرات والطيارين للخطر ومن خارج المدى الافتراضي لمنظومة إس-300، وتستطيع إسرائيل كذلك التعامل مع هذه المنظومة وتدميرها أو تعطيلها بخليط من طائرات ف-35 وقنابل GBU-39، فمدى الكشف الذي تدعيه روسيا للطائرات الشبحية لهذه المنظومة لا يتجاوز 50 كيلومتراً، في حين مدى هذه القنابل يتجاوز 70 كيلومتراً ويصل حتى 100 كم، ما يجعل منها خياراً رخيصا ضد بطارية دفاع جوي ثمنها 250 مليون دولار (عملياً يكفي تدمير رادار قيادة النيران أو رادار الاستطلاع لتعطيل المنظومة ككل بدون تدميرها بشكل كامل).

 

صاروخ دليلة الإسرائيلي

 

قنبلة GBU39

 

مشكلة الـ إس-300 في الحالة السورية ليست بأنها تقنية متخلفة أو عديمة الفائدة بل بالعكس تحتوي إس-300 درجة عالية من التقنية والكثير من القدرات، لكن المشكلة أنها لا توظف ولا تستخدم بيد أشخاص يسعون بشكل حقيقي لحماية شعبهم ومقدراتهم من غزو خارجي أو طائرات معادية، وأنها بيد نظام قبل بدفع مليار دولار لروسيا ثمن سلاح يعرف تماماً أنه لن يستخدمه، ورفض أن يعطي الشعب أبسط حق من حقوقه وهو الحياة.

كلمات مفتاحية
مقالات مقترحة
إغلاق كورونا يكبّد تجارة التجزئة في ألمانيا خسائر كبيرة
الصحة السعودية: لقاح "كورونا" شرط رئيسي لأداء فريضة الحج
من كورونا إلى ترامب.. 329 مرشحاً لجائزة "نوبل للسلام" للعام 2021