icon
التغطية الحية

"الشقراء".. رؤية ذكورية لحياة مارلين مونرو

2022.10.29 | 14:56 دمشق

مونرو الشقراء
من فيلم BLONDE (يوتيوب/ نتفلكس)
+A
حجم الخط
-A

انقسام حاد في الآراء حول فيلم "الشقراء/ Blonde" الذي بثته منصة نتفليكس أخيراً، والذي تناول حياة الممثلة ونجمة الاستعراض الأميركية الراحلة مارلين مونرو.

فالفيلم حصل على تقييمات متدنية في المواقع المتخصصة بتقييم السينما، إذ جاءت نسبة تقييمه 5.6 من 10 في موقع IMDb، وبنسبة 42 بالمئة في موقع rottentomatoes. وبالمقابل، نجد مئات التدوينات التي كتبت مدافعة عن الفيلم.

المتحمسون لفيلم Blonde يجدون أن سبب حصوله على تقييمات متدنية هو كونه فيلم سيرة ذاتية غير نمطي، وبأن منتقديه كانوا يتوقعون مشاهدة فيلم تقليدي يعرض سيرة ذاتية ممتعة عن مارلين مونرو، وإظهار تفاصيل واقعية بطريقة شعرية نوعاً ما.

هذا الأمر قد يكون صحيحاً بالقياس على الدقائق الأولى من الفيلم، التي كانت جيدة فعلاً، والتي لخصت هواجس مونرو الطفلة ومخاوفها بمشاهد وصور متقطعة، بالكاد تحاول أن تُشكل حكاية؛ لكن الأمر ما يلبث أن يصبح مملاً مع الانتقال لحياة مونرو الشابة، وقد يكون أداء الممثلة "آنا دي أرماس" لشخصية مونرو قد زاد الأمور سوءاً، لاسيما عندما يميل الفيلم إلى الاستعراض بإعادة إنتاجه الصور الأيقونية لمونرو، من خلال بذل جهد كبير لإعادة تكوين تلك الصور بشكل يطابق الأصل، إلا أن الفيلم لم ينجح في بناء سياق حكاية متماسكة استناداً إلى تلك الصور.

المشكلة في الحكاية التي يطرحها الفيلم عن مونرو، لا تتعلق بتكريسها للمعايير الذكورية وحسب، وإنما بكونها لا تتطابق مع ما حدث في الواقع الذي حُرف ليتناسب مع تلك المعايير

وتجدر الإشارة هنا إلى أن الفيلم مقتبس عن رواية تحمل الاسم ذاته للكاتبة الأميركية "جويس كارول أوتس"، وتم إنتاجه من قبل الممثل والنجم الأميركي "براد بيت" الذي اختار بنفسه بطلة العمل، آنا دي أرماس، لتقدم شخصية مونرو بقيادة المخرج "أندرو دومينيك".

طقوس فيلم الشقراء مارلين مونرو

يسرد الفيلم حكاية النجمة الشقراء مارلين مونرو بأسلوب ذكوري واضح؛ إذ يتبنى المقولة السائدة في الأوساط الذكورية التي تربط بين مستوى النجومية الذي تصل إليه بعض الفنانات وحجم التنازلات الجنسية التي يقدمنها لأجل ذلك؛ حيث تظهر مونرو على أنها فتاة ساذجة للغاية وبلهاء، تبدأ مسيرتها في عالم التمثيل قادمةً من مجال الصور الإباحية، لتقدم تنازلات جنسية تساعدها على الدخول إلى عالم هوليود. وتتزوج مونرو بأول عابر سبيل من الرجال لعدم قدرتها على العيش من دون وصاية أبوية، فهي تعتبر أزواجها بمنزلة آباء لها (للتعويض عن أبيها الذي ولدت دون أن تراه). تنهار مونرو وتدخل عالم الإدمان بسبب إجهاضاتها المتكررة التي حرمتها من أداء مهامها البيولوجية كامرأة تنجب وتربي أطفالها.

إشكالات قصة الفيلم وتناقضاته

المشكلة في الحكاية التي يطرحها الفيلم عن مونرو، لا تتعلق بتكريسها للمعايير الذكورية وحسب، وإنما بكونها لا تتطابق مع ما حدث في الواقع الذي حُرف ليتناسب مع تلك المعايير، ولتعزيز الصورة النمطية التي تحاصر النجمة الشقراء؛ فمارلين مونرو لم تبدأ مسيرتها في مجال الصور الإباحية كما صورها الفيلم، وإنما دخلت عالم التصوير بعد زواجها الأول في عمر الـ16 من "جيمس دوجيرتي" الذي لم يذكره صناع الفيلم إطلاقاً! ودوجيرتي هذا كان يعمل في مصنع للطائرات الحربية، وهو الذي زج مونرو في صور لحملة دعائية للطائرات الحربية.

لاقت صور مونرو إعجاب قيادات الجيش الأميركي الذي تعاقد بدوره مع مونرو لتبدأ بالتقاط صور عسكرية احترافية لدعم الجيش والتعبير عن مشاركة النساء في الحرب حينذاك. هذا لا ينفي عمل مونرو في مجال الصور الإباحية، ولكن الأمر لم يتم وضعه في سياقه الصحيح، إذ كان ذلك بمرحلة مختلفة، حيث صرحت مونرو أن ما دفعها لالتقاط الصور العارية هو عدم تمكنها من دفع إيجار منزلها بعد انفصالها. وتصريح مثل هذا لا يمكن أن يصدر عن امرأة مهزوزة كالتي صورها الفيلم، والتي تخفي كل ما يتعلق بالتنازلات الجنسية التي أوصلتها إلى القمة! ناهيك عن التصريحات الحقيقية التي ذكرتها مونرو في حياتها، كتعرضها للتعنيف من زوجها الثاني، لاعب البيسبول الشهير "جو ديماجيو"؛ التي تبين بشكل أوضح ما تتمتع به مونرو من جرأة وثقة واتزان، وتلك الصفات جميعها كانت معدومة في فيلم نتفليكس.

إسفافٌ في تفاصيل حياة مونرو وعلاقاتها

المفاجأة الأكبر تتعلق بالطريقة التي صورت بها علاقات مونرو مع الشخصيات الشهيرة، ذات الثقل الثقافي أو السياسي؛ فعلاقتها بالكاتب الأميركي "آرثر ميلر" تبدو في الفيلم باهتة دون روح، وكأن زواج الكاتب المشهور بمسرحياته ذات الطابع الأخلاقي من رمز الإغراء في السينما الأميركية حينذاك، وأن كل ما تبعه من تحولات في مسيرة مارلين مونرو، لم يكن يستحق الوقوف عنده، ويمكن اختزاله بحادثة الإجهاض التي أخذت صدارة المشهد.

والسيئ أيضاً، كانت الطريقة التي صورت بها علاقة مونرو بالرئيس الأميركي وقتذاك "جون كيندي"، التي بُتر منها الطرف الثالث في العلاقة، روبرت كيندي، الذي اتهم لاحقاً بمقتلها. ففي هذه الزاوية من حكاية مونرو تُحذف كل التفاصيل المهمة لتقتصر العلاقة على بعض الخدمات الجنسية فقط!

إلا أن أسوأ ما في الفيلم، يتمثّل في تصويره كل ما تعرضت له مونرو من انتهاكات جنسية واغتصاب وتحرش، على أنه كان يتم برضاها ولم تبدِ أي نوع من المقاومة تجاهه، وأنه يرسم نهاية لحياة مونرو لا تتناسب مع كل الجدل التاريخي والبريق الذي يلف الشخصية؛ فالموت يبدو ناجماً عن جرعة زائدة ماتت بها مصادفةً، كحادثة وليس كجريمة، وليس أيضاً انتحارا لامرأة تمتلك الإرادة لإنهاء حياتها.