الشعر العربي بين القديم والحديث (3).. الشعر في صدر الإسلام

تاريخ النشر: 23.07.2021 | 06:42 دمشق

تعدّ الحقبة التاريخية المعروفة بـ العصر الإسلامي مرحلة مهمة وفارقة في مختلف جوانب الفنون الأدبية العربية، وخصوصاً في الشعر. ويبدأ هذا العصر مع نزول الوحي على النبي محمّد عليه الصلاة والسلام، وينتهي بسقوط الدولة الأموية عام 132هـ/ 750م، وهي مرحلة تكوين الدولة العربية الأولى على إثر الفتوحات الإسلامية.

 وغالباً ما يتم تقسيم العصر الإسلامي إلى مرحلتين؛ الأولى يطلق عليها "صدر الإسلام" وتمتد من الرسالة حتى نهاية الخلافة الراشدة 661م. أما الثانية فيطلق عليها "العصر الأموي" وتمتد من نهاية الخلافة الراشدة حتى سقوط الدولة الأموية.

الخصائص العامة للشعر الإسلامي

أفرز العصر الإسلامي، وخاصة في مرحلة "صدر الإسلام"، أدباً ملتزماً اكتسب التزامه من تعاليم العقيدة الإسلامية، واعتبر جزءاً من رسالة الإسلام واستمد موضوعاته من مصادره التي يأتي في مقدمتها القرآن الكريم وما يحتويه من مضامين ومعان تشريعية ومعرفية، وخصائص فنية وبلاغية ذات إعجاز متفرّد.

كما ابتعد شعراء ذلك العصر عن الصَّنعة والتكلُّف في ألفاظهم وتراكيبهم وميلهم إلى الترسُّل والسهولة، فتخلصت أشعارهم من تعقيدات أشعار الجاهلية وصعوبة ألفاظها ومعانيها.

وقد أثّر القرآن الكريم في الألفاظ والعبارات، فكانت رقيقة، كما كان فيها بعض العبارات الجديدة، كما استخدموا التصوير البليغ والخيال، ومع ذلك احتفظت القصيدة العربية بشكلها القديم، مع اختلاف في بعض المضمون، وذلك لأن ما قبل ذلك كان لشعراء جاهليين، أمّا في صدر الإسلام، كان الشعراء أكثر توسعًا وقابلية للتجديد، ووجوب مناسبة الشعر للعصر الذي فيه، ومع الدين الجديد الذي دخل القلوب.

موقف الإسلام من الشعر والشعراء

كان الشعر في الجاهلية يتمتع بمنزلة عظيمة لدى العرب، إذ تناول شعراء الجاهلية جميع الموضوعات التي تمسّ شؤونهم وحياة مجتمعهم العربي، فتحدّثوا عن مظاهر تلك الفترة وعن أخلاقه وعاداته وتقاليده، فكتبوا في الغزل (وهو أهم الموضوعات في الشعر الجاهلي) والمدح والفخر والهجاء والوصف والرثاء والحكمة. وشكّل الشعر وسيلة الإعلام الوحيدة لدى العرب في ذلك الزمان، كما وأن غالبية الشعراء كانوا سادة قومهم.

وفي الإسلام لم يتم رفض الشعر بوصفه علماً وفنّاً أدبياً كلامياً، كما لم يرفض الإسلام الشعر بجملته وإنما رفض ما غلب عليه الكذب والأذى المتمثِّل في التعرّض لأعراض الناس وسمعتهم وفضحهم وإهانتهم، وأما ما يخصّ الشعر بمعانيه الجميلة وطيبة الأثر فقد شجّعه الإسلام بحيث لا يتعارض مع الشريعة الإسلامية.

وجاءت الآيات القرآنية: [والشعراء يتبعهم الغاوون، ألم تر أنهم في كل واد يهيمون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون] الشعراء 224-226، ففُسّر ظاهر الآيات بأن غالب الشعراء هكذا، يقولون ما لا يفعلون وفي كل واد يهيمون، تراه يتكلم هنا أو هنا بأشياء يتخيلها ثم يتكلم فيها أو يكذب لحاجات في نفسه أو لأسباب أخرى.

إلا أن الآية اللاحقة (الشعراء/227) استثنت من أولئك الشعرء: [إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرًا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون]. وبناء على ذلك، استغنى الشعراء عن الأغراض الشعريّة التي تتنافى مع تعاليم الإسلام، كالغزل الفاحش ووصف مجالس اللهو والخمر والفخر بالباطل والمدح للمنافق والكاذب. وظهرت أغراض جديدة تتماشى مع أهداف الشريعة الإسلاميّة، كالدعوة إلى اتباع الدين الجديد والإشادة به ونصرته، ومدح النبي الكريم، وذمّ الأعداء وهجوهم وتهديدهم.

وتبرز أهمية الشعر ودوره في صدر الإسلام من أحاديث النبي الذي قال فيه: "إن من الشعر حكمة"، وأمر الشاعر حسان بن ثابت (الملقّب بـ شاعر الرسول) أن يهجو قريشاً والكفار. وقال:" إنه أشد عليهم من وقع النبل"، ودعا لحسان بقوله: "اللهم أيده بروح القدس (يعني جبرائيل)".

الشعراء المخضرمون

أطلق على شعراء الجاهلية الذين أدركوا الإسلام، اسم "الشعراء المخضرمون" ومنهم من استمر في قول الشعر المتماشي مع العقيدة الإسلامية، أمثال: حسان بن ثابت وكعب بن زهير بن أبي سلمى والحطيئة وعبد الله بن رواحة. ومنهم من هجر الشعر بكل صوره وآثر التفرغ للعبادة وأمور الدين، أمثال: لبيد بن ربيعة وبشار بن عديّ بن عمرو ومالك بن عُمير.

ومن بين الشعراء المخضرمين، بحسب كتب السِيَر والتراجم: أبو ذؤيب الهذلي - أبو كبير الهذلي- أوس بن مغراء- الأغلب العجلي- الشماخ بن ضرار- الطفيل بن عمرو الدوسي- العباس بن مرداس- القلاخ العنبري- المخبل القريعي- النابغة الجعدي- النمر بن تولب- تميم بن مقبل- الحطيئة- حسان بن ثابت- حميد بن ثور- الخنساء- ربيعة بن مقروم- سراقة بن مالك المدلجي- سويد بن أبي كاهل- ضابئ البرجمي- عبد الله بن الزبعرى- عبد الله بن رواحة- عبدة بن الطبيب- عمرو بن الأهتم- عمرو بن حممة الدوسي- كعب الغنوي- كعب بن زهير- لبيد بن ربيعة.

أبرز شعراء صدر الإسلام

من أولئك الشعراء المخضرمين، برز 3 شعراء يعدّون الأكثر شهرة في مرحلة صدر الإسلام (عصر الرسول والخلفاء الراشدين)، وهم:

  1. حسان بن ثابت
  2. كعب بن زهير
  3. الحطيئة

حسان بن ثابت

من الشعراء ذوي المكانة من قبل الإسلام، وأخذ مكانة خاصة فى عهد النبي وأطلق عليه "شاعر الرسول"، حيث عاش ستين سنةً في الجاهلية، وستين سنة في عهد الإسلام. وهو حسان بن ثابت الأنصاري، ينتمي إلى قبيلة الخزرج من أهل المدينة، وكان شاعرًا معتبرًا يفد على ملوك آل غسان في الشام قبل إسلامه.

شبّ حسان في بيت وجاهة وشرف، وانصرف في الجاهلية إلى اللهو والغزل، ووصف مجالس اللهو والخمر. إلا أنّه منذ أن أسلم التزم بتعاليم الدين الإسلامي ومبادئه، ليغدو في نهاية المطاف شاعر الرسول الكريم، يردّ عنه وعن الإسلام هجمات الكفّار وقريش الكلامية، بشعره لا بسيفه، حيث لم يشارك بأيّ غزوة أو معركة مع الرسول.

ومن أهم قصائده قصيدة "محمد المبعوث" ويقول فيها:

محمد المبعوث للناس رحمة                يشيد ما أوهى الضلال ويصلح

لأن سبحت صم الجبال مجيبة              لداوود أو لان الحديد المصفح

فإن الصخور الصم لانت بكفه              وإن الحصى في كفه ليسبح

وإن كان موسى أنبع الماء بالعصا          فمن كفه قد أصبح الماء يطفح

وإن كانت الريح الرخاء مطيعة            سليمان لا تألو تروح وتسرح

فإن الصبا كانت لنصر نبينا                 ورعب على شهر به الخصم يكلح

وإن أوتي الملك العظيم وسخرت           له الجن تسعى في رضاه وتكدح

فإن مفاتيح الكنوز بأسرها                   أتته فرد الزاهد المترجح

وإن كان إبراهيم أعطي خلة                وموسى بتكليم على الطور يمنح

فهذا حبيب بل خليل مكلم                    وخصص بالرؤيا وبالحق أشرح

 

 

كعب بن زهير

يعد كعب من الشعراء المشهورين في الجاهلية وبعد ظهور الإسلام أيضاً، وهو سليل عائلة موهوبة بالشعر، فأبوه الشاعر الجاهِلي المعروف زُهير بن أبي سُلمى، وأخوه بُجير، وابنه عقبة، وحفيده العوام كانوا أيضاً من الشعراء. كما اشتُهر كعب بن زُهير بقصيدته اللاميّة التي مطلعها "بانت سعاد"، والتي قام كثير من الكتاب بشرحها وتخميسها وتشطيرها ومعارضتها، وتُرجمت إلى اللغة الإيطالية والإنكليزية، ونُشرت مترجمة ومشروحة بالفرنسية.

إسلام كعب بن زهير وتحوّل اللامية إلى قصيدة "البُردة"

قصة إسلام كعب بن زُهير من القصص المشهورة في التاريخ الإسلامي، بدأت بعد إعلان أخيه بُجير إسلامه، فلم يعجب ذلك كعب الذي ظلّ مشركاً، فهجا بجيراً بأبيات شعر هذه منها:

أَلاَ أَبْلِغَا عَنَّى بُجَيْراً رسَالَةً         فهل لَّكَ فيما قُلْتَ بالخَيْفِ هَل لَّكَا
سُقِيتَ بكأْسٍ عِنْدَ آلِ مُحَمَّد      فأَنْهَلَكَ المَأْمُونُ منها وعَلَّكَا
فخالَفْتَ أَسْبَابَ الهُدَى وتَبعْتَهُ     على أَيِّ شَيْءٍ ويْبَ غَيْرِكَ دَلَّكَا

وحين بلغت أبياته رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدر دمه، فكتب إليه بجير يخبره أن الرسول أهدر دمه، ونصحه بالمثول بين يدي الرسول وإعلان إسلامه، وقال: من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، قبل منه رسول الله وأسقط ما كان قبل ذلك.

فقدم كعب إلى النبي وهو جالس بين الصحابة في المسجد، وظل يقترب منه إلى أن دنا منه (والرسول لم يكن يعرفه) فقال: يا رسول الله، الأمان. قال النبي: ومن أنت؟ قال: كعب بن زهير. قال النبي: أنت الذي تقول.. كيف قال يا أبا بكر؟ فأنشده حتى بلغ :

سقــاك أبو بكر بكأسٍ روية     وأنهلك المأمور منها وعلكا

فقال كعب: ليس هكذا قلت يا رسول الله، إنما قلتُ :

سقــــاك أبو بكرٍ بكاسٍ روية    وأنهلك المأمون منها وعلـكا

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "مأمونٌ والله"، وأنشده كعب اللامية ومطلعها :"بانت سعاد فقلبي اليوم متبول"، من البحر البسيط، وتتألف من 58 بيتاً، منها:

بانَتْ سُعادُ فَقَلْبي اليَوْمَ مَتْبولُ                    مُتَيَّمٌ إثْرَها لم يُفْدَ مَكْبولُ

وَمَا سُعَادُ غَداةَ البَيْن إِذْ رَحَلوا               إِلاّ أَغَنُّ غضيضُ الطَّرْفِ مَكْحُولُ

ولا يَزالُ بِواديهِ أخُو ثِقَةٍ                     مُطَرَّحَ البَزِّ والدَّرْسانِ مَأْكولُ

إنَّ الرَّسُولَ لَنورٌ يُسْتَضاءُ بِهِ                 مُهَنَّدٌ مِنْ سُيوفِ اللهِ مَسْلُولُ

لا يَقَعُ الطَّعْنُ إلاَّ في نُحورِهِمُ               وما لَهُمْ عَنْ حِياضِ الموتِ تَهْليلُ

 حتى أتى على آخر القصيدة. فما كان من النبي إلا أن خلع بُردته وأهداها لكعب، ومنذ ذلك الحين أطلقت على القصيدة قصيدة البردة. وكان كعب معتزاً بتلك البردة طوال حياته، ويقال إنّ معاوية بن أبي سفيان اشتراها من ورثة كعب بعشرين ألف درهم وتوارثها الخلفاء من بعده وكانوا يلبسونها في الأعياد.

 

 

الحطيئة

وهو جرول بن أوس بن مالك العبسي. لقبه الحطيئة لقربه من الأرض، ويعدّ الحطيئة من أبرز شعراء العصر الإسلامي أيضاً. ولد في قبيلة عبس ولكن لم يُعرف له نسب، فنشأ وحيدًا مظلومًا ومحرومًا مقطوع الجذور لا يجد سندًا من أهله، إلى جانب أنّه كان مرفوضًا من القبائل الأخرى ويعاني من الحرمان ممّا اضطره لقرض الشعر واتّخاذه سلاحًا حتى يجلب به قوت يومه وينقم لنفسه من خلاله من بيئةٍ ظلمته.

ولعلّ هذا السبب الذي جعله يُكثر من هجاء النّاس، حيث لم يسلم أحد من لسانه حتى أنّه هجا نفسه وهجا والديه، وله قصائد عديدة في المدح حيث امتاز شعره فيها بجزالة اللفظ وقوة العبارة وغزارة المعاني والحكمة من داخله وإن كان من ظاهره الاستجداء والمدح.

وهو صاحب بيت الشعر الشهير:

مَن يَفعَلِ الخَيرَ لا يَعدَم جَوازِيَهُ             لا يَذهَبُ العُرفُ بَينَ اللَهِ وَالناسِ

شكاه "الزبرقان بن بدر" إلى الخليفة عمر بن الخطاب لأنه أكثر فيه الهجاء، فسجنه عمر بالمدينة، فاستعطفه بأبيات، فأخرجه ونهاه عن هجاء الناس، فقال الحطيئة للخليفة عمر: "إذاً تموت عيالي جوعاً!".

وفيما يأتي بعض الأبيات من قصيدة هجا فيها أمّه ويقول فيها:

جزاكِ الله شرًّا من عجوزٍ       ولقّاك العقوق من البنينا

أغربالًا إذا استودعت سرًّا       وكانونًا على المتحدثينا

فَقَدْ سُوِّسْتِ أمْرَ بَنِيكِ حتّى       تركتهمُ أدقُّ من الطحينا

لسانك مبردٌ لم يبقِ شيئًا         ودَرُّكِ دَرُّ جاذِبَةٍ دَهِينِا

وإنْ تخلي وأمرك لا تصوني   بِمُشْتَدٍّ قُوَاهُ ولا مَتِينِا

تنحي واجلسي مني بعيدًا        أراح الله منك العالمينا

حياتك، ماعلمت، حياة سوء     وموتك قد يسرُّ الصالحينا

المصادر:

1- 2- 3- 4- 5