السياقات والمسؤوليات.. تركيا بين نارين بعد "طوفان الأقصى"

2023.11.02 | 07:42 دمشق

السياقات والمسؤوليات.. تركيا بين نارين بعد "طوفان الأقصى"
+A
حجم الخط
-A

جاءت الحرب الأخيرة في غزة على عكس ما تشتهي سفن التغيير التركية التي اتبعت سياسة تحول منذ 2021، تمخضت عن إعادة العلاقات مع أطراف فاعلة في المنطقة على رأسها مصر.

لكن الأهم من ذلك أن الحرب جاءت بعد نحو أسبوعين من لقاء الرئيس التركي رجب طيب أردوغان برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في نيويورك، وسبق اللقاء عودة العلاقات الدبلوماسية كاملة بين الطرفين وتبادل السفراء بعد سنوات من القطيعة.

الحرب جاءت أيضاً في ظل انشغال تركيا بالتعامل مع أزمة اقتصادية غير مسبوقة لحزب العدالة والتنمية الحاكم طيلة فترة حكمه منذ 2002 البلاد، في ظل حاجتها لتطوير علاقاتها الاقتصادية مع المحيط بما في ذلك إسرائيل، وهذا يوجب عليها تخفيف حدة التصعيد والتوترات والحفاظ على علاقات مستقرة.

سياقات ومسؤوليات

هذه السياقات التي جاءت فيها الحرب مهمة لفهم طبيعة الموقف التركي، لكن في المقابل هناك لا بد من أخذ المسؤولية التي تقع على عاتق تركيا كدولة إقليمية تعتبر الأقوى في الشرق الأوسط، وهي دولة مسلمة وترى حكومتها أن لديها مسؤولية إنسانية وتاريخية تجاه القضية الفلسطينية.

ولقد رأينا ذلك من خلال المظاهرات الحاشدة التي خرجت في تركيا طيلة الأيام القليلة الماضية، لا سيما التي انطلقت في إسطنبول نحو القنصلية الإسرائيلية وحاولت اقتحامها، إضافة إلى الدعوات بضرورة التحرك والتي صدرت عن أحزاب محافظة موالية مثل حزب "الرفاه مجدداً"، أو معارضة مثل حزبي "السعادة" و"المستقبل" بقيادة أحمد داود أوغلو.

السياقات التي جاءت في ظلها حرب غزة لا شك أنها اصطدمت بقوة مع المسؤولية التي تقع على عاتق تركيا كقوة إقليمية ودولة مسلمة، فكيف أدارت حكومة أردوغان هذا التحدي؟

كان من الملاحظ أن أردوغان حاول الحفاظ على خط التوازن منذ إعلان حركة المقاومة الإسلامية "حماس" عملية طوفان الأقصى رداً على جرائم وانتهاكات إسرائيل بحق المدنيين والمقدسات، ونجد أن أنقرة دانت يوم 7 تشرين الأول/أكتوبر بشكل غير مباشر العملية حينما قالت "ندين بشدة إلحاق الخسائر في أرواح المدنيين".

في الوقت ذاته، حاولت تركيا تصدّر المشهد من خلال التأكيد على استعدادها بالاضطلاع بدور الوساطة، وأعربت أكثر من مرة عن أنها تقوم باتصالات ومحادثات في هذا الإطار.

لكن الموقف التركي الرسمي سرعان ما وجد نفسه مضطراً للخروج عن محاولة الحياد أمام استمرار آلة القتل الإسرائيلية ضد المدنيين في غزة، ما أسفر عن استشهاد الآلاف جلهم من النساء والأطفال، ولا شك أن الضغط الشعبي والمطالبات بالتحرك كانت وراء دفع الموقف التركي نحو فعل شيء.

ما فعلته تركيا على أرض الواقع حتى لحظة كتابة هذا المقال، هو تعليق خطط التعاون مع إسرائيل في مجال الطاقة، وإلغاء زيارة كانت مقررة لوزير الطاقة التركي إلى تل أبيب.

تصعيد في "الخطاب"

بعد ذلك، حشد أردوغان يوم السبت 28 تشرين الأول/أكتوبر مظاهرة مليونية تحت عنوان "تجمع فلسطين الكبير" وأدلى بتصريحات "قوية" شدد فيها على أن حماس ليست إرهابية، وأن إسرائيل باتت تتعامل كتنظيم لا كدولة، وأنها "مجرمة حرب".

تلا ذلك أيضاً عدد من التصريحات التي هاجم فيها أردوغان إسرائيل واعتبر أنها فقدت عقلها، كما دعا إلى إنشاء "آلية أمنية جديدة" بالتعاون مع الأطراف الإقليمية الفاعلة، بحسب تعبيره، وأن تركيا مستعدة لتحمل مسؤوليتها إذا تم تشكيل هذه الآلية، دون مزيد من التفاصيل حول نوع وكيفية وهدف هذه الآلية.

إذاً تدرج الموقف التركي من محاولة حياد غير ناجحة إلى مرحلة تصعيد "خطابية" باستثناء تعليق التعاون "الذي لم يبدأ بعد" في مجال الطاقة، وبما أنه تعاون لم يبدأ فيبقى الموقف التركي عند حدود التصريحات ومحاولة لعب دور الوسيط لتحقيق وقف إطلاق النار.

وفي هذا السياق نذكر أن إسرائيل قامت بسحب بعثتها الدبلوماسية في أنقرة يوم 29 تشرين الأول/أكتوبر احتجاجاً على خطاب أردوغان خلال التجمع الكبير بإسطنبول قبل يوم من ذلك التاريخ.

وبالتالي لم تقم تركيا بسحب سفيرها أو بعثتها الدبلوماسية من تل أبيب، ولم تستدع كذلك سفير إسرائيل لديها للاحتجاج على قتل المدنيين في غزة، ناهيك عن خطوات "عملية" على أرض الواقع يمكن أن تردع آلة القتل الإسرائيلية.

لا شك أن توقع خطوات عملية حقيقية من تركيا نابع من دور تركيا في المنطقة والعالم الإسلامي، وطالما دأب أردوغان على التحلي بالدور الريادي في كثير من المواقف، وهذا ما جعل الشارع التركي أولاً والشارع الإسلامي ثانياً يتوقع خطوات فعلية تفوق درجة الخطابات التصعيدية فقط دون أن تأتي بثمرة على أرض الواقع.

ولا ننسى في ظل هذا التوقع من تركيا، أن التوقعات غير مصحوبة بشيء من الأمل فيما يتعلق بدولنا العربية، فهناك دول إقليمية كبرى يمكن أن يكون لها دور وتأثير رادع على إسرائيل لكف يدها عن غزة التي تحولت إلى مدينة منكوبة وتتعرض لإبادة جماعية بشكل يومي.

الانعكاس الداخلي

من جانب آخر، كان لحرب غزة انعكاس على الوضع الداخلي للسياسة التركية، فهناك مواقف للأطراف الفاعلة مثل حزب الشعب الجمهوري أكبر أحزاب المعارضة، إضافة للأحزاب المحافظة التي تتمتع بدور مهم في هذه القضية.

اتبع الشعب الجمهوري ورئيسه المرشح الرئاسي السابق كمال كليتشدار أوغلو، سياسة واضحة تكاد تكون غير مسبوقة فيما يتعلق بإدانة إسرائيل وعدوانها على غزة، ولاقى هذا ترحيباً ملحوظاً من الشريحة المحافظة من الأتراك.

أما حزبا السعادة والمستقبل كحزبين معارضين فطالبا برفع سقف الموقف التركي، واعتبرا أنه دون المطلوب، وكان انتقاد داود أوغلو لأردوغان مؤثراً في هذه النقطة.

إضافة لحزب "الرفاه مجدداً" بقيادة محمد فاتح أربكان نجل الراحل أربكان، كذلك طالب بإجراءات عملية فوق التصريحات والخطابات، وهو حزب دعم أردوغان في الانتخابات الرئاسية الأخيرة.

أيضاً كان موقف حزب "الحركة القومية" وهو الحليف الأهم للعدالة والتنمية، واضحاً في ضرورة قيام تركيا بواجبها "الأخلاقي والتاريخي" تجاه غزة، وأن عليها فعل شيء على الأرض لإيقاف المجازر، وأن الهدف بعد غزة سيكون أراضي تركيا نفسها، وهذه الجزئية جاءت على لسان العديد من الأحزاب التركية، بما في ذلك أردوغان نفسه خلال خطابه بتجمع إسطنبول.

كل هذه المواقف في المناسبة سبقت تحرك أردوغان نحو حشد تجمع كبير لفلسطين في إسطنبول، وتعليق التعاون الذي لم يبدأ بمجال الطاقة مع إسرائيل.

ومن الملاحظ أن أردوغان لم يدع أحزاب المعارضة المحافظة لهذا التجمع، ولا شك أن لها دوراً مهماً في القضية الفلسطينية، والسؤال المحير هو لماذا لم تتم دعوتها طالما أن التجمع لأجل فلسطين؟ هل فات أردوغان أن دعوة هذه الأحزاب سيمنح التجمع قوة أكبر لدى عموم الأتراك لا سيما المحافظين، بغض النظر عن طبيعة الخلاف مع رؤساء تلك الأحزاب؟

الجواب على هذه الأسئلة يشير بدوره إلى أن التجمع المليوني الحاشد في إسطنبول كان تجمعاً حزبياً ويحمل رسائل للداخل ربما أكثر من الخارج، وكل الخوف أن يؤثر هذا التجمع على عاطفة الأتراك ومسؤوليتهم تجاه فلسطين وغزة، وأن يتخلل إليهم الشعور بأنهم قاموا بواجبهم من خلال هذا التجمع.

حيث إن مثل هذه التجمعات والتصريحات عادة ما تنفّس عن الغضب الداخلي، الذي يهدأ مع مرور الوقت وتُحول المأساة إلى روتين.

في الخلاصة، نعم طوّرت تركيا من موقفها الرسمي من لغة محايدة إلى لغة أكثر تصعيداً، لكن على الصعيد العملي لم تقم بشيء ملموس للآن، بدءاً من قطع العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية، مروراً باستغلال وجودها بحلف الناتو والضغط على واشنطن واللاعب الغربيين الأهم بكل ما لديها من وسائل، وصولاً إلى تحريك سفن مساعدات مصحوبة بما يكفي لحمايتها لإيصالها إلى غزة.