"الخائفون".. رحلة السوريين مع الخوف بعد الثورة

تاريخ النشر: 05.03.2021 | 04:55 دمشق

عبد الناصر القادري

"الخائفون"، تركيب لغوي يتناسب مع الشعب السوري منذ ولادة ثقافة الانقلابات العسكرية في أربعينيات القرن الماضي، وحتى تمكن حزب البعث من السلطة بقيادة حافظ الأسد عام 1970، وصولا إلى توريث الحكم عام 2000، حيث أصبح الخوف في نفوس الشعب، وتشرّبته الأجيال جيلا وراء جيل.

رافق "الخائفون" كثيرٌ من الصمت والرعب والحذر والفقر والاستكانة وحتى الموات، في صراع نفسي مرير ولّده إرهاب ممنهج ومستمر تجاه الشعب الذي يركض خلف الهواء فلا يستطيع اللحاق به.

"الخائفون" هو العنوان الذي اختارته الكاتبة السورية "ديمة ونوس" لروايتها (تمكنت من الوصول للقائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية 2018)، التي تحكي فيها فصلا من فصول السوريين قبل وأثناء الثورة، على لسان فتاة عاشت لواعجهم النفسية وأرّخت لحظات أرق وترقب وجنون أحيانا؛ استمرت لأكثر من 30 سنة.

الكل خائف

الرواية تحكي عن تسلط الخوف والقلق على الإنسان السوري في مرحلة ما بعد الثورة، هذا الخوف جسدته الرواية خلال شخصيات كثيرة وأوراق متشابكة وحكايات متداخلة تشكل حالة الخوف والبحث عن الذات في عالم الحرب والتشرد والضياع، ببساطة الكل خائف ويبحث عن أفضل طريقة للاستقرار النفسي في عالم لا يسعه غير الجنون، أمام نظام متوحش وباطش.

تمسك الكاتبة بيد القارئ، وتأخذه عبر اللغة إلى عيادة طبيب نفسي في العاصمة دمشق تتردد عليه سليمى (بطلة القصة)، لتلتقي مع مريض آخر (نسيم)، تجمعهما قصة حب مجنونة ومبعثرة، أو بالأصح الخوف هو الذي تمكّن من جمعهما.

سليمى من أصول حموية، نجت عائلتها من مجزرة حماة التي ارتكبها النظام عام (1982)، حيث قرر والدها الطبيب الذي تملكه الخوف على عائلته من الهروب نحو دمشق، ليعيش تحت صورة لحافظ الأسد تلاحقه نظرات زوجته كل يوم، بأنه ترك أهله للموت دون أن يقدم لهم يد المساعدة، يداوي جراحهم أو يوقف نزيفهم، استمر هذا التأنيب للضمير حتى توفي الأب، تاركا خلفه أما وابنا وابنة.

وبموقف عاشه ملايينُ الخائفين تقول الكاتبة :"ما زلت أرى أبي راكعا على ركبتيه يقبّل قدمي شخصٍ ما، ولكن اليوم أظن أن ذلك الشخص ضابط، لم تعد هذه الصور متخيلة، هناك من يقبّل قدمي ضابط كل لحظة في اليوم هل تصدقون؟ ألا نقول إن ثمة امرأة تضع طفلا كل ثانية وإنسان يموت كل لحظة والآن بتنا نقول: إن ثمة كائن سوري يركع كل لحظة ليقبّل قدم ضابط".

دارت الأيام، وفتحت الثورة ذكريات لا تندمل في ذاكرة الأم، تمكن من تعويض بعضها ابنُها فؤاد الذي انخرطت في الثورة، قلبا وقالبا، لينتهي به الحال معتقلا ثم مفقودا في المجهول، كآلاف الشباب.

تبقى قصة وفاة الأب الذي تتعلق به سليمى في الـ14 من عمرها، محور مستمر، ندور حوله، وكأنه قصة الشعب الذي كان يفقد حياته يوما وراء يوم، دون جدوى، وفجأة ولد مع الثورة، لينتقل إلى طور آخر تماما. يصحو على حلم جميل لا يدوم طويلا ليعود الخوف مرافقا بقسوة ورهاب لا يتوقف إلا بالهروب نحو عالم آخر.

مع الوحوش

نسيم، طبيب أيضا، إلا أنه طلّق الطب طلاقا لا رجعة فيه، وعكف على الكتابة باسم مستعار، كحال معظم من كان يكتب الحقيقة لدى النظام، في أثناء علاقته مع سليمى، بدأ يأخذ من قصتها وينسج رواية جديدة له يعيش معها القارئ بالتوازي مع حكاية سليمى، باستمرار للحدث واتصال به.

في أوراق نسيم، تبدو الحكاية أكثر تشويقا، واللغة فيها مختلفة، كأن الكاتبة أرادت أن يعيش القارئ مع روايتين لا واحدة، حيث تروي قصة فتاة (علوية) والدها كاتب علوي معارض ومتزوج من سنية، في رحلة إلى داخل الطائفة نوعا ما، هذا الموقف المعارض من النظام، يكلف الأب والابنة رفضا كاملا من معظم محيطهم العلوي الذين ساندوا النظام، واعتاشوا على ما يقدمه من فتات لهم.

تحملنا أوراق نسيم إلى تلك القرية ذات السكان العلويين في الساحل السوري، حيث البيئة المختلفة، والحياة الأخرى، وتروي فتاته التفاصيل اليومية المرتبطة بالعادات والفقر والتفكك العائلي، العنصرية المتصاعدة بين أبيض وأسمر، غني وفقير.

وتشير أوراقه إلى العلاقة الجدلية مع الدين في تلك القرية، جامع وحيد في القرية محاذٍ لبيت الجد، لا يصلي فيه إلا إمامه، لا وجود لسجادة صلاة واحدة، أو لا وجود للصلاة تقريبا، يصومون في رمضان، ويرافق الإفطار بعض من النبيذ الأبيض، ليقرب الصائمين إلى الله.

في أوراق نسيم تقارن بطلته بين دمشق المدينة المحافظة التي لم يُتح لها فيها ارتداء سراويل قصيرة أو مكشوفة لخشية والدتها من أن تتعرض للتحرش في الحي الشعبي على أطراف العاصمة، إنما القرية أكثر انفتاحا، خصوصا في الصيف حيث تتمكن من ارتداء ما تشاء قصيرا كان أو مفتوحا.

في تلك الأوراق تتجول مع بطلة نسيم في "مدارس البعث" حيث تتكشف الفروق الطبقية بين أفراد الشعب بشكل أكثر وضوحا، رغم فرض النظام للباس موحد، إلا أن الأحذية الجلدية والمعاطف الخارجية والحقائب الجديدة، وحتى الأقلام والدفاتر والمحّايات والبرّايات كانت تظهر الحقيقة التي حاول النظام دفنها، عن ما يثير القهر والغيرة في قلوب الطلاب المعدمين.

وحول ذلك قالت: "المدرسة كانت ذلك المكان الذي يختبر فيه الطلاب أنواع الحياة، في بلد كسوريا الأسد، المكان الذي يُدجنون فيه ويتعلمون تلقي الإهانة بصمت يتدربون على الطاعة وعلى احترام القوي المتسلط".

في الرواية تتعرف إلى أسباب معارضة بعض أبناء الضيعة للنظام، والتي تدور حول البطالة وقلة الدخل، خصوصا حين يتخرج جامعي من كلية الفلسفة ليجد نفسه في معمل إسمنت، أو حين يتخرج آخر من قسم الفنون الجميلة، ليعمل طبالا في وصلة راقصة بأحد الملاهي الليلية، ثم انتهى به المطاف "شبيحا" يلاحق الثوار ويقتلهم.

حكت أوراق نسيم عن المعاناة التي يعيشها من يقرر أن يقف إلى جانب الثورة من الطائفة، إلغاء كامل لهويته السابقة، طلاق نهائي، ونسيان لضيعته وتاريخه، وبالتأكيد تهديد لمستقبله إما بإخفاء أو موت.

وتصل الرواية إلى الذروة في قول الكاتبة: "كتبت ابنة عمتي رسالة تقول لي: لا أتمنى أن يقتلوا أمك السُنية بل أتمنى أن يغتصبوك أمام عينيها ويذبحوك لتعيش حياتها معذبة. قالت إن رحم أمي السُني قذر، الرحم اللي حملك يبلاه بسرطان ثم شطحــــت أكثر وتكلمـت عن النطف الوسخـة ، فصرت أفهم كيف يقتـلون النــاس ويعذبونــهم ويستلذون، إنهم لا يـــرون بين أيديهـم المتوحشة أجســادا بل نــطفا قــذرة يجب سحقـها".

وأضافت: "كيف يصبح الإنسان وحشا؟ وهل يصبح فجأة؟ أم بالتدريج؟ هل كان الوحش مختبئا، في روحه ينام مع نومه ويستفيق مع استافقته ويأكل معه ويتغذى ويلبس ويتأنق ويكبر ويدخن معه منتظرا اللحظة المناسبة للتسلل؟". 

وأردفت: "الثورة انطلقت في لحظة واحدة، وفي تلك اللحظة، خرجت الوحوش وملأت المدينة والبيوت والجلسات، ضربت وصفعت وشتمت وقتلت ودمرت تاريخا من علاقات إنسانية".

تمر الرواية على معاناة اللاجئين في لبنان، وأوجاعهم اليومية، الفقر والعوز، والأهم أنهم هربوا من الخوف، إلى خوف آخر، وأصبح في مقابل الحياة، الذي يصبح مجرد التفكير فيه حالة من ترف، تعطل البحث عن لقمة العيش.

وتستمر الرواية في سرد قصتين، هي شخصية واحدة، وتحكي واقع خوف هذه الشخصية الذي يعبر عن الحالة السورية في ظل حكم النظام، وتمكنه من تشويه معالم النفس السورية أيضا.

وهي بمضمونها تصل لحالتين الأولى، أن سياسة الاستبداد والتسلط وإرهاب الدولة التي مارسها النظام على مدار عقود، أكسبته خبرة تاريخية في تصنيع غريزة الخوف، وجعلها أداة من أدوات الحكم ومسلّمة من مسلّمات السياسة لتحويل البشر إلى قطعان غير متزنة وخائفة من السكين أوالسجن أو الضياع.

أما في الحالة الثانية، فهي تشاؤمية تقرأ شيئا من الواقع، وتكسر الأمل، وتضع أبناء الثورة أمام خيار واحد لا يحملُ ترفا آخر، يسير نحو ضياع ومجهول بني من أساسه على خوف استطاعت الثورة كسره، إلا أنه عميق جدا لم تستطع القضاء عليه تماما.