الجلسة الرئاسية إذ ترسّخ توازناً لبنانياً جديداً

2023.06.19 | 06:15 دمشق

الجلسة الرئاسية إذ تكرس توازن لبناني جديد
+A
حجم الخط
-A

لم يحمل اليوم الانتخابي الرئاسي في لبنان الأربعاء المنصرم أي مفاجآت كبيرة يمكن اعتبارها أنها ستغير التوازن السياسي القائم، فالجلسة البرلمانية التي حملت الرقم 12 وبعد انقطاع دام ثلاثة أشهر ونيف، والتي لم يغب عن حضورها أي نائب، انتهت إلى نتائج كانت متوقعة إلى حد كبير ولو مع بعض التعديلات، وخاصة أن رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي أدار الجلسة بكثير من الذكاء، كان قد حبك مسبقاً طريقة رفع الجلسة من دون الذهاب إلى الدورة الثانية، وذلك تفادياً لأي نقاشات قد تحصل بين الأطراف المعترضة وبين نواب الممانعة.

بالمقابل سعى بري إلى إيقاف الجلسة تجنّباً لاجتهادات قد تدفع لإعادة التصويت، خصوصاً بعد انسحاب نواب الممانعة وحلفائهم الذين يشكلون الثلث المعطل، في حين وقبل الجلسة، كانت وزارة الخارجية الأميركية قد أعلنت عن اتصال أجرته وكيلة الوزارة لشؤون الشرق الأدنى فيكتوريا نولاند، ببري، وكان الدافع الحقيقي لإجراء هذا الاتصال الإشارة إلى حرص إدارة جو بايدن على حصول الجلسة، بعدما تسربت شائعات في الأوساط السياسية تشير إلى إمكانية قيام حزب الله بافتعال أحداث أمنية أو شعبية بهدف منع إقامة الجلسة، خوفاً من النتيجة المتوقعة. 

لذا سعى رئيس المجلس لانعقاد الدورة الأولى فقط، لأن العواصم الغربية تعرف أنّ الدورة الثانية لن تُعقد تجنّباً لانتخاب رئيس لم يُمهّد لوصوله تفاهم وتسوية سياسية خارجية محتملة، فكان التدخل الأميركي لإعطاء صورة عن اهتمام أميركي رفيع بالاستحقاق، ولهذا السبب أنهى بري الجلسة فور انتهاء اقتراع الدورة الأولى، من دون تحديد موعد لجلسة جديدة، وهو ما يعني وجوب انتظار الحركة والمساعي الدولية والإقليمية، والتي ستبدأ مؤشراتها مطلع الأسبوع المقبل بزيارة المبعوث الخاص لماكرون جان إيف لودريان بالإضافة إلى زيارة متوقعة للموفد القطري لاستكمال متابعة الورقة التي أعدتها الدوحة بالتعاون مع الرياض وواشنطن.

يمكن اعتبار أن جلسة الأربعاء الماضي قد حققت الغرض المناط بها بالنسبة للدول المتابعة للملف اللبناني، وذلك لناحية تثبيت معادلة سياسية وفق توازنات جديدة

وهذه المحطّات الدولية معطوفة على مواقف أميركية تعبر عن استياء أميركي وبريطاني وألماني من إفقاد الجلسة النصاب. لذا يلتقط بري جيّداً هذه الإشارات الدولية وسط معلومات عن بداية الاستعداد للخروج الآمن نحو الحلّ. وهذا الحل لن يكون سريعاً لِما فيه من خطوات ضرورية لتقديم مجموع الضمانات للقوى المختلفة وتحديداً حزب الله المتوتر من أي خطوات خارجية لا تراعي هواجسه السياسية والوجودية وتحديداً ملف السلاح.

ويمكن اعتبار أن جلسة الأربعاء الماضي قد حققت الغرض المنوط بها بالنسبة للدول المتابعة للملف اللبناني، وذلك لناحية تثبيت معادلة سياسية وفق توازنات جديدة يحظى فيها حزب الله والفريق المتحالف معه على حجمهم الطبيعي والذي ظهر وهو 50 صوتاً، باعتبار أن المعادلة الرئاسية التي أرساها حزب الله في انتخابات العام 2016 والتي أنتجت منحه حق تسمية الرئيس إضافة إلى قدرته على تبديد الفيتو الخارجي عن مرشحه، واستتبع ذلك بتعزيز نفوذه داخل جسم الدولة، قد انتهت، لأن النتيجة السياسية أظهرت تبدلاً في موازين القوى والتحالفات والهواجس، لكن من دون إغفال قدرة الحزب على التعطيل والفيتو مرحلياً حتى نضوج التسويات الخارجية.

أما في السياق الخارجي فقد خسر حزب الله أوراقاً أساسية خلال الأسابيع الماضية، أهمها الانقلاب الفرنسي على معادلة فرنجية-نواف سلام بعد زيارة البطريرك الماروني لباريس، والمواقف الأميركية التي أظهرت أن باريس تتصرف من دون تنسيق مسبق مع واشنطن، وهذا الانقلاب ترجم بتكليف وزير الخارجية السابق جان إيف لودريان بالملف اللبناني عوضاً عن باتريك دوريل، وما بين الموقف الضمني الحقيقي للسعودية، والذي تجلّى بترشح ازعور، على الرغم من أنّ هذا الموقف بقي صامتاً وغير معلن فإن لمساته تنسب للمستشار في الديوان الملكي نزار العالولا.

وهناك خلاصات يمكن الخروج بها من جلسة الأربعاء الماضي لا يمكن القفز فوقها وتترجم بالآتي:

أولاً: التصويت السني في هذا الاستحقاق الداهم كان في موضع اختبار فعلي، وخاصة لناحية النواب الذين وضعت أصواتهم بين تحالفين: الموالون لحزب الله والنظام السوري بشكل عضوي ومباشر، وآخرون معارضون له، وهذا الاختبار، ما كان ليأخذ مداه لولا انكفاء تيار المستقبل عن المشهد السياسي والانتخابي لأول مرة منذ عقدين. على اعتبار أنه لو كان سعد الحريري فاعلاً في المشهد لكانت الظروف مواتية للإتيان بسليمان فرنجية رئيساً بكونه مرشحه الأبرز وصديقه الشخصي، وعليه فإن معظم أصوات النواب السنّة، ستصب في إطار انتظار كلمة السر الخارجية وتحديداً السعودية، بعد أن أضحى الدور السني غير فاعل وغير محوري في المشهد، وهذا ما ظهر بالتصويت عبر حصول فرنجية على 4 أصوات سنية من كتلة "بقايا المستقبل" بكون هؤلاء على ارتباط تجاري وثيق بالنظام السوري عبر شبكات التهريب في عكار والبقاع.

كانت زيارة ميشال عون إلى دمشق محاولةً لحماية باسيل من غضب حزب الله وإقناع الأسد بترشيح شخصية وسطية تجتمع عليها المكونات المسيحية

ثانياً: وعلى الرغم من محاولات أقطاب النظام السياسي في لبنان تسخيفَ النواب التغييرين فإن التصويت التغييري لأزعور بدا كلمة السر الأساسية في الذهاب نحو معركة تحجيم الحزب، وفي هذا المسار كان النائب إبراهيم منيمنة هو الأبرز في إدارته على اعتبار أن الرجل هو من أعطى المرشح أزعور الغطاء التغييري رغم إعلانه أنه تجرع السم بالتصويت لمرشح محسوب على السلطة، وموقف منيمنة أدى بزملائه التغييرين للالتحاق بهذا الخيار كون المعركة الحالية هي كسر احتكار حزب الله للترشيح والجلسات، في حين نعيه عقب الجلسة لأزعور سيؤدي للبحث عن مرشح آخر تتقاطع عليه القوى السياسية تقبل به القوى التغييرية.

ثالثاً: سعت أطراف سياسية على رأسها التيار العوني للاستعانة ببشار الأسد والنظام السوري في حل خلافات البيت الممانع وتحديداً بين باسيل وحزب الله، لذا كانت زيارة ميشال عون إلى دمشق محاولةً لحماية باسيل من غضب حزب الله وإقناع الأسد بترشيح شخصية وسطية تجتمع عليها المكونات المسيحية، في حين ظهر النظام والأسد غير قادرين على الولوج في ملفات لبنانية على اعتبار أن الملف اللبناني بات بيد حزب الله حصراً بناء على اتفاق إيراني-سوري.

وبذلك تكون الجلسة الرقم 12 في سلسلة جلسات انتخاب رئيس للجمهورية، قد أدّت الغاية المطلوبة منها، بالتأسيس لمرحلة جديدة وفق معادلة قائمة على توازنات جديدة عن تلك التي سبقت، والتي من المفترض أن تفتح الباب أمام حقبة طويلة من الاستقرار، ولو أنه استقرار مؤقت وليس نهائياً.