الثورة السورية في عيدها تؤكد حتمية انتصارها

تاريخ النشر: 10.03.2021 | 05:04 دمشق

الثورة السورية في عيدها العاشر تؤكد انتصارها، وحسبها أنها مستمرة ولن تتوقف حتى يفهم أعداؤها أنها سائرة إلى حتمية النصر؛ لأن الثورة مفهوم في طبيعته عصي على الهزيمة، لذلك يلوذ به الخارجون من عباءة الاستبداد، وبالمقابل يعمل المستبد ما بوسعه نتيجة خوفه، على نزع صفة الثورة عن أي حراك ضده، وإلصاق أي صفة أخرى به.

استُعمِل مفهوم (revolution) بمعنى مصطلح فلكي عندما استخدمه بشكل لافت كوبر نيكوس في كتابه: (De revolution bus Orbium coelestium)؛ للدلالة على الحركة الاعتيادية للنجوم، وبما أن حركة النجوم هي خارج تأثير الإنسان فهي لا تقاوم، لذلك لا نستغرب استنتاج (حنة أرندت) لمفهوم الثورة بمدلول يعبِّر عن حتمية انتصار تشبه حتمية حركة الكواكب.

عندما جرى تحرير سجناء الباستيل صرخ الملك قائلاً: "إنه تمرد"، فصحح له اللفظ رسوله قائلاً: "كلا يا صاحب الجلالة إنها ثورة"

ويؤكد ما ذهبت إليه (أرندت) هو الاستخدام المجازي الأول في اللغة السياسية، فقد استخدِمت للدلالة على شيء لا يُقاوم فقط، دون إشارة العودة إلى الخلف، وكان ذلك في أثناء الحوار الذي جرى بتاريخ 14/7/1789 في باريس بين لويس السادس عشر ورسوله (البانكوروت) عندما جرى تحرير سجناء الباستيل صرخ الملك قائلاً: "إنه تمرد"، فصحح له اللفظ رسوله قائلاً: "كلا يا صاحب الجلالة إنها ثورة".

 فالملك كان يرى اقتحام الباستيل تمردًا، ويجب أن يمارس سلطته في قمع هذا التمرد بالوسائل التي بين يديه، أمّا جواب رسوله فكان أن هذا الأمر يصعب ويستحيل مواجهته، فهو خارج سلطة الملك وهو لا يقاوم.

إن لفظ (الثورة) رغم تحديد معناه في وقتنا الحالي، إلا أنه ما يزال يثير لغطًا حول كثرة استخدامه، فالبعض ولا سيما من يقوم بحراك الثورة، يرى أن أيَّ تحرك ضد السلطة مهما كان نوعه أو حجمه أو غايته أو وسائله فهو ثورة، والبعض الآخر، ولاسيما من يكون بالسلطة أو مواليًا لها، ينفي عن كل تلك التحركات صفة الثورة، حتى لو استجمعت عناصرها ووسائلها وغايتها، فهو يراها جميعًا تمردًا ويستوجب القمع المادي والمحاسبة القانونية؛ لأنّها مؤامرة على السلطة الشرعية التي تحكـم البلاد باسـم القانون الذي وضعته واستبدّت به، لذلك من الطبيعي أن يحاول موالو النظام السوري نزع صفة الثورة عن الثورة السورية؛ لهزيمتها.

وكثيرًا ما كرر النظام السوري وأكد إعلامه بأن ما يحدث في سوريا مؤامرة أو حربٌ كونية، أو أي مصطلح آخر، لكنها ليست ثورة؛ لأن ما يحدث في سوريا لا يشبه الثورات في التاريخ حسب زعمهم، وهم بذلك يتناسون أن الثورات في الغرب ذاتها لا نستطيع تصنيفها ضمن قالب واحد نعدُّه (نموذجًا) للثورة؛ لأن الثورة متحركة متبدلة متماهية مع واقعها، فالفروقات كثيرة بين الثورات في الغرب وبين الأنظمة التي تمخضت عنها، فما بالك بالثورة السورية التي تبتعد عن ثورات الغرب زمانًا ومكانًا؟!

لقد جاءت الثورة السورية لتشكل حدثًا تاريخيًا بكل المقاييس؛ لأن الزلزال الذي تهتزّ تحته بنية السلطة في سوريا لا يشكل تحديًا لهذه الأخيرة فقط، بل يضعُ العلوم الاجتماعية، وبالأخص علم الاجتماع والأنثروبولوجيا والعلوم السياسية، في مواجهة صلاحية أدواتها ومناهجها التي استخدمت في دراسة المجتمع السوري وفهمها لهذه المجتمع، إذ كثيرًا ما عدَّته راكدًا وعصيًا على التغيير، لا بسبب ضعف إنما من غياب إحساس شعوبها بالحاجة إلى الديمقراطية.

هذا التحدي كسر حاجز الخوف الذي بناه النظام بعد نصف قرن من الزمن في يوم واحد، هذا الفعل الجبار لن يستطيع أي باحث محايد في علم الاجتماع والتاريخ أن يصفه بغير الثورة.

لذلك لن تعود أي ثورة للخلف، وثورتنا منها؛ لأن الإنسان غايتها، وهذا الذي يتيح ربط الثورة ببعدها الإنساني، أما النظام الذي يريد معالجة قضايا الثورة ويرى أن الإنسان مجرد أداة أو وسيلة يمكن التحكـم بها وضبطها كأي آلة، فإنّما يتجاهل الفعل والفاعل الحقيقي في عملية التغيير الثوري؛ لأن الإنسان الذي يصنع ثورة يكون قد عاش حالة من الاغتراب عن حقوقه المسلوبة بعد طغيان السلطة، وزمن الثورة هو الزمن الذي يتسامى فيه الوعي الثوري إلى حدِّه الأقصى، حيث لـم يعد يسمح بأن يظل تاريخ الإنسان يُصنعُ بالرغـم عنه، إذ إن الإنسان في الثورة يترافق مع وعيه لحقوقه، وحالة الوعي التي اكتسبها الثائر السوري لا تسمح له ولا للآخرين أن يعيدوه إلى الخلف.  

ولأن عصر الثورة عصر التغيير على جميع الصُعد، (التغيير الشامل للمفاهيـم والنظريات والقوانين)، فإن الثورات مثل العواصف الراعدة أمرٌ لا يمكن تجنبه، وأمرٌ مفيدٌ في أغلب الأحوال، مثلما تفيد العاصفة الريف الملتهب حرارة.

لذلك يطالب البعضُ الثورةَ السورية بالتغيير قبل نجاحها، متناسين أن النقلة النوعية التي أحدثتها الثورات الكبرى في التاريخ (الأوروبية-الأميركية) على جميع هياكل المجتمع السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية لـم تكن مُدرَكَة بكل أبعادها، حتى الذين صنعوا الثورات، لذلك فإن مفهوم الثورة المعاصر يختلف عمّا كان يُؤمن من قام بها من أنها عودة إلى الخلف بمعنى استدارة نحو الأصول.

 فالثورة بصفتها حدث سياسي اجتماعي معاصر فاجأ منظري الثورات ورجالها، فالباحثون المختصون في الثورات الذين درسوا الثورات بعد انتهائها توصلوا إلى مفهوم جديد عن (الثورة) يختلف اختلافًا جذريًا عمّا تعلمه السابقون، وهو أن الثورة ليست سوى استعادة الحقوق الطبيعية وتصحيح العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم.

هذا المفهوم تغير عندما فرضت الثورة نتائجها المذهلة بالتغيير والسير إلى الأمام دون التفات إلى الخلف.

فإذا علمنا هذه الحقيقة التاريخية عن الثورات السابقة، التي أحدثت أكبر قدر من التغيير عرفته البشرية، نعلم بأن الثورة السورية تسير في سياقها التاريخي الطبيعي الذي سيوصلها إلى مبتغاها من التغيير.

ولأن الثورة صيرورة مركبة، يحمل زمنها الاجتماعي ما تراكم في اتجاه أهدافها، ولأنها مركبة فإن أصعب ما فيها إعادة البناء، والصعوبة مصدرها مطلب القطيعة، فهو مطلب شرعي اجتماعي وسياسي وأخلاقي.

الثورة في مفهومها المجرد نظام من الآراء تتألف من عداء مع الماضي، وبحث عن مستقبل جديد، بدلاً من النظام المحافظ

صعوبة إعادة البناء عانت منها الثورات بعد انتصارها، وكانت عقبة في طريق نجاحها، فكيف نطلب من الثورة السورية قبل انتهاء معركتها مع النظام أن تحدث التغيير المنشود منها على صعيد الفرد أو المجتمع؟!

الثورة السورية تطمئن أنصارها في عيدها العاشر، وتخيف أعداءها بإعلانها أن لا عودة للخلف وفق ما يرى أندريه ديكوفيل بأن "الثورة في مفهومها المجرد نظام من الآراء تتألف من عداء مع الماضي، وبحث عن مستقبل جديد، بدلاً من النظام المحافظ."

كل من عرف قراءة التاريخ يعلم جيدًا بأن الجغرافية السورية تحت سلطة النظام، تعلن اقتراب ولادة الجيل الثاني من الثورة السورية، ليتلاحم مع جيلها الأول، ويكسر حدود الجغرافيا المفروضة من النظام، التي تمنع السوريين من توحدهم، مثلما كَسَرَ الجيل الأول للثورة حاجز الخوف.

في الختام الثورة هي فورة غيظ الحقيقة، والمعنى الثوري معنى أخلاقي يُولد، إذ إن الإحساس بالحقد يُولِّدُ الإحساس بالواجب، وليس ثمّة ثورة إلا إلى الإمام، وكل حركة للوراء هي شرّ، وفق ما يقوله فكتور هوجو.

كلمات مفتاحية