اقتصاد "الممانعة" يدمّر الاقتصاد اللبناني

اقتصاد "الممانعة" يدمّر الاقتصاد اللبناني

الصورة
rima_essay_photo.jpeg
02 كانون الأول 2019

لبنان قاب قوسين أو أدنى من الانهيار الاقتصادي التام، هذا ما يشير إليه المتفائلون، أمّا الواقعيون فهم يدركون أنّ الانهيار الاقتصادي قد حصل بالفعل وأنّ ما يجري هناك الآن هو محاولة لتدارك ما هو أكبر من هذا الانهيار. لا يوجد أدنى شك أنّ الفساد أحد أهم أسباب الواقع الاقتصادي المزري لغالبية الدول العربية. كمّية الأموال العامة المنهوبة من قبل الأنظمة في الدول العربية لا حصر لها. لبنان ليس استثناءً بطبيعة الحال، بل ربما يكون النموذج هنا.

لكن ما سنتحدث عنه يتجاوز الفساد الذي يتشارك به الجميع إلى فساد خاص من نوع آخر، فساد يمثّل حالة فريدة من نوعها، ولا يتشارك فيها أحد باستثناء القائمين عليه، هذا النوع من الفساد يسمّيه البعض اقتصاد "الممانعة". اقتصاد الممانعة هو حالة مقدّسة من الفساد تستمد شرعيتها من شمّاعة "المقاومة". وحده حزب الله يتحمّل وزر هذا الفساد الذي كان ولا يزال له الأثر الأكبر في تدمير اقتصاد الدولة اللبنانية فضلاً عن الدولة ذاتها.

لهذا الاقتصاد المُمانع -الذي قيل عنه ذات مرّة إنّه اقتصاد قائم على مال شريف طاهر- عدّة مدخلات لعل الجزء الأكبر والأهم منها هو الدعم السنوي المقدّم من قبل نظام الولي الفقه في إيران. أمّا الجزء الآخر فهو غالباً ما يأتي نتيجة الأعمال غير المشروعة من تجارة المخدرات والممنوعات والذهب والألماس والعقار والمقاولات والسيارات ....الخ. مجموع هذه الأموال لم يكن يدخل الاقتصاد اللبناني أو يساعد على تحريكه أو دعمه أو تنميته بقدر ما كان يعمل على صناعة اقتصاد موازٍ خارج الدورة الاقتصادية للدولة اللبنانية، اقتصاد يأكل من حصّة الاقتصاد المحلي وينافسه وينهب في كثير من الأحيان من موارده المالية ويحمّله أعباء دور المقاومة الذي يخضع لقرار الولي الفقيه وليس لمتطلبات الدولة اللبنانية أو الشعب اللبناني.

اقتصاد يأكل من حصّة الاقتصاد المحلي وينافسه وينهب في كثير من الأحيان من موارده المالية ويحمّله أعباء دور المقاومة الذي يخضع لقرار الولي الفقيه وليس لمتطلبات الدولة اللبنانية أو الشعب اللبناني

اقتصاد الممانعة هذا لم يكن منفصلاً كذلك عن دولة حزب الله، فلهذا الاقتصاد عملته الخاصة (الدولار الأمريكي) وجيشه الخاص (المقاومة وسراياها)، وسياسته الخارجية المستقلّة عن الدولة اللبنانية والتي يمتلك بموجبها قرار الحرب والسلم، وإقامة التحالفات أو العداوات الإقليمية والدولية بمعزل عن الدولة اللبنانية. مال هذا الاقتصاد كان ولا يزال يدخل إلى لبنان بطرق غير شرعية مخالفة للقانون، ويدور في دائرة خاصة به تؤمّن للحزب غالبية احتياجاته -إن لم يكن جلّها- دون الحاجة إلى اقتصاد الدولة، وذلك بهدف أوّل وأخير وهو بناء قدرات حزب الله وأتباعه وأنصاره بشكل يخدم الولي نظام الولي الفقيه حصراً. أمّا التداعيات السلبية التي تنجم عن هذا الدور كتدمير البينة التحتية اللبنانية من قبل إسرائيل وتعطيل الحياة السياسية وفرض خيارات خاصة على عموم اللبنانيين في السياسة الداخلية والخارجية، فهذه كلّها يتم تحميل أعبائها إلى الاقتصاد اللبناني وتالياً إلى المواطن اللبناني والى أصدقاء لبنان.

حزب الله كان يراهن دوماً على أموال العرب والاتحاد الأوروبي لإنقاذ لبنان كلما كان الأخير يتلقى ضربات إسرائيلية نتيجة معارك إلهيّة يخوضها الحزب بالنيابة عن إيران. هذا يعني أنّ الحزب لم يكن يخض معارك إيران بمعزل عن قرار الدولة أو اللبنانيين فقط، وإنما كان يجعل الدولة اللبنانية والمواطن اللبناني والعرب يدفعون تكاليفها المالية أيضاً في الوقت التي كان يتباهى فيه بانتصاراته الوهميّة. عندما شعر الحزب أنّ المال الإيراني لم يعد كافياً لتمويل حروبه ومهمّاته المقدّسة داخل وخارج لبنان، أصبح يتوسع في التهام الأموال العامة.

حتى حينما قرر حزب الله استخدام النظام المصرفي اللبناني، قام بتوظيفه في أسوأ المهمّات وهي تبيض الأموال والتحايل على العقوبات. عندما تمّ اكتشاف لعبته هذه، تحمّل الاقتصاد اللبناني والمواطن اللبناني أعباء هذا الدور

من نماذج هذا التوسّع لحزب الله، حرمان الدولة من إيرادات بملايين الدولارات نتيجة سيطرته على المعابر الرئيسية في البلاد (براً وبحراً وجواً) واستخدامها لتهريب كل أشكال البضائع وذلك بخلاف كل الأنظمة والقوانين المعمول بها. حتى حينما قرر حزب الله استخدام النظام المصرفي اللبناني، قام بتوظيفه في أسوأ المهمّات وهي تبيض الأموال والتحايل على العقوبات. عندما تمّ اكتشاف لعبته هذه، تحمّل الاقتصاد اللبناني والمواطن اللبناني أعباء هذا الدور. لكن، وعِوضاً عن التراجع، طالب حزب الله من المصارف اللبنانية والنظام الاقتصادي اللبناني مواجهة الضغوط الأمريكية ولو تطلّب الأمر خوض معركة مع واشنطن ليس للبنان أو اللبنانيين قِبلٌ بها.

ما هو الحل الذي يقترحه حزب الله اليوم بعد أن عزل وحلفاؤه في التيار الوطني الحر لبنان عن محيطه العربي تماماً ولم يتركوا باب رزق للبنانيين في الخارج إلاّ وأقفلوه بسبب دورهم الوظيفي والحيوي في خدمة نظام الولي الفقيه؟ يقترح الحزب وأبواقه اتّباع نموذج "الاقتصاد المقاوم"، وهو عبارة عن وصفة فشل بامتياز نرى تداعياتها ماثلة في دولة أغنى من لبنان بكثير على صعيد الثروات النفطية والغازية وهي إيران. حزب الله وأمينه العام يريد من اللبنانيين الخروج من هذه الأزمة الاقتصادية عبر مواجهة أمريكا، والتحالف مع نظام الأسد، وتعزيز علاقات تجارية مع الصين وروسيا، في تأكيد آخر على أنّه يعيش على كوكبه الافتراضي الخاص.

شارك برأيك