icon
التغطية الحية

أفراحٌ نرعب بها عدوّ الله وعدونا

2024.02.26 | 13:06 دمشق

آخر تحديث: 26.02.2024 | 13:06 دمشق

هتتتت
+A
حجم الخط
-A

لا بد لكل طقس اجتماعي من اكتساب شيء من القداسة التي تجعل اطِّراد ممارسته عُرفًا أو واجبًا اجتماعيًا ساريًا لا يخطر على بال أحد أن ينتقده أو يُخضِعه للتحليل والمساءلة المنطقية أو يُبطِلَه. ولأجل هذا نجد أن لكل طقس اجتماعي حُماةً أشدّاء يتربصون بكل منتقدٍ أو مارقٍ على الأعراف والموروثات ليصوبوا إليه سهامهم أو ليحشروه في تصنيفات جاهزة قد تصل إلى اتهامه بالهرطقة الاجتماعية أو المُجون أو حتى إلى إخراجه من الملة والدين.

لكن علينا نحن المثقفين ألا نعبأ بأمثال هؤلاء، فعلينا لا على غيرنا تقع مسؤولية النقد الثقافي المشروع لتجريد بعض موروثاتنا من قداستها المزيفة لعلنا ننجح في خلق مجتمع أكثر وعيًا وانسجامًا وأقلَّ عنفًا وتناقضًا في ممارساته. ومن الممارسات المقيتة التي لا أعلم أن أحدًا من مثقفينا تعرض لها بالنقد احتفالاتُنا بالأفراح، والتي أرى من واجبي أن أتعرض لها بالنقد والتحليل لا لإبطالها بالضرورة بل لإبطال سِمَتَي العنف والعدوانية فيها. ولنجاح هذا المسعى لا بد من خلق وعي اجتماعي بهاتين السمتين.

فمن يدقق جيدًا فيما يُردَّد من عباراتٍ مُعَلَّبة ترافق الاحتفالات الشعبية كالأعراس وعودة الحُجّاج إلى ديارهم، ولا سيما في المدن السورية الكبرى، أو في المناظرات الشعرية كما في الزجل اللبناني أو "الگَرّادي" الخليجي، أو في المباريات الرياضية (كما في لقاءات فريق الوحدات الفلسطيني وفريق الفيصلي الأردني في كرة القدم)، يلفت انتباهَه طغيانُ الروح العُدوانية القبلية على هذه المناسبات التي يُفتَرض أن تكون مناسباتٍ للفرح أو للشعر أو للرياضة فحسب. ففي الأعراس في المدن السورية الكبرى، على سبيل المثال، غالبًا ما يردد المحتفلون هذه اللازمة المقيتة: "زين زين، مكحول العين، واللي يعادِينا الله عليه".

وهذا يعني أن الاحتفال لا يظل مناسبةً للفرح الصِّرْف البريء، بل يصبح أيضًا مناسبةً لتكريس العصبية القبلية والعدوانية تجاه الآخر (أو المُضْمَر الثقافي). فما الذي يجعل هؤلاء المحتفلين يفكرون في أعدائهم في خضم مناسبات الفرح؟ هل تسللت العدوانية حتى إلى داخل الأفراح؟ أم أن أفراحنا أصلًا لم تترقَ كثيرًا عن نشأتها الجاهلية القائمة على التفاخر بالقبيلة وإشهار البغضاء للآخرين وإرهابهم؟ ما معنى أن يستعرض المحتفلون ما لديهم من أسلحة ومهارات قتالية؟ ولماذا أصبحت أدواتُ الحرب جزءًا لا يتجزأ من مناسبات الأفراح؟ الطريف في الأمر أن استخدام الأسلحة واستعراضها أصبحا تقليدًا طقسيًّا من تقاليد الأفراح قد يُنسي المراقبين نشأتها الحربية وغايتها الأصلية في إرهاب العدو القريب. وما يتوفر لدينا من ركام الطقوس والعادات السارية إلى يومنا هذا يوحي بأن أفراح الأعراس لدينا، وربما لدى غيرنا من الشعوب، نشأت أصلًا من احتفالات النصر في الحروب. وهو ما يعلل تغلغل السمة العدوانية في هذه الاحتفالات السلمية ظاهرًا والعدوانية باطنًا، وهذا ما يؤكده الناقد السعودي عبد الله الغذامي إذ يقول إن رقصات الحرب "نشأت أصلًا عملية لحشد الهمم ثم تحولت مع الزمن والممارسة إلى فن وثقافة".

***

هذه السمة العدوانية واضحة أيضًا في الرُّكام اللغوي، أي في التسميات. ففي الخليج تُسمى رقصة السيوف العَرْضة التي يقول عنها الغذامي، "والعرضة فن حربي مرتبط بالمدينة وهي ثقافة مدنية ابتدأت لغرض عملي ثم صارت فنًّا ثقافيًّا احتفاليًّا وجماليًّا." وفي الإمارات يُطلق مسمى الفرقة الحربية على أيٍّ من الفرق الغنائية التي يتلاعب فيها اثنان من الشباب بالبنادق على أنغام الموسيقى. وفي بلاد الشام تُسمى زَفّة العريس العَراضة حيث يتبارز اثنان بالسيوف أمام العريس وهو ذاهب إلى بيت عروسه، بينما تُقرَع الطبول من حوله، وتُرَدَّد الأناشيد الحماسية، وكأن الالتحام الجسدي الوشيك بين العريس والعروس يُمهَّد له بما يُشبه إعلانَ الحرب من طرف عشيرته على عشيرتها. وقبل أن تدخل الأسلحة النارية ميدان الاحتفالات كانت الخيول أيضًا جزءًا من طقوس الأفراح، حيث يتبارى الفرسان أمام موكب العرس، وكأن كل طرف يستعرض ما لديه من عتاد وجاهزية حربية.

تراثنا الأدبي المعاصر يعجُّ بتلازم موضوعتي الجنس والحرب، حيث يصبح الجنس أداةً من أدوات الحرب كما في رواية الطيب صالح "موسم الهجرة إلى الشمال"

ولا تزال الصبغة الحربية واضحةً أيضًا في احتفالاتنا إلى يومنا هذا. ففي الأرياف السورية، غالبًا ما يرافق الأعراسَ إطلاقٌ للأعيرة النارية، والأعراس في صعيد مصر تتخللها أيضًا طقوسُ التحطيب، أي مبارزات بالشُّومة (العصا)، بينما في اليمن يتلاعب المحتفلون بالخناجر والجَنْبِيَّات أيضًا على أنغام الموسيقى. وفي ريف الساحل السوري كانت المصارعة الرومانية إلى زمن قريب جزءًا من احتفالات الأعراس، حيث يتقدم متبارز من أهل العريس ومتبارز من أهل العروس، ويرتدي كلٌّ منهما رداءً من الخيش يشبه لباس المصارعة الرومانية، فيتصارعان على أحد البيادر أمام الجمهور. والعار كل العار لأهل العريس إذا غُلِب مُصارِعُهم.

والعنف الجسدي سمة أخرى من سمات أعراسنا. ففي الأرياف الفلسطينية، كان العريس يُجْلَدُ ظهرُه يوم الدُخْلة، وفي الأعراس الحلبية يوخَز العريسُ كذلك بالمَسَلاَّت إلى أن يُدمى أحيانًا. والهدف من إنـزال الألم بالعريس هو إحماؤه وتهيئته نفسيًّا لممارسة العنف الجنسي على عروسه، وتحصينه من السقوط في امتحان الرجولة الأول، ما يعني أن أهل العريس يخشون العارَ إن ضَعُف ابنهم أو خارت عزيمته وأخفق في أداء المهمة المنوطة به. وفي مناطق عسير من المملكة العربية السعودية كان الرجال إلى وقت ليس ببعيد لا يُخْتَنون إلا يوم عُرسهم، وأمام الملأ، ولا سيما أمام الخطيبة. وطقوس الخِتان هنا تُنفَّذ بمنتهى القسوة والعنف، حيث يلُفُّ الخَـتّان القُلْفَة على عُود، ثم يسلخ الجلدَ إلى السُّرَّة من غير تخدير. فإن بكى المختون من الألم، لحق العار به وبأهله وبعشيرته الأقربين، ورفضته العروس لأنه ناقص الرجولة. وإن كظم ألمه، فهو الفحلُ الذي تُرجى فحولته في الغُرُفات، ما يوجب على العروس أن تُداويه بيديها، وبذلك تعلن قبولها به بعلًا وفحلًا لها (كما يروي أحمد أبو دهمان في روايته "الحِزام").

***

وتراثنا الأدبي المعاصر يعجُّ أيضًا بتلازم موضوعتي الجنس والحرب، حيث يصبح الجنس أداةً من أدوات الحرب كما رأينا في رواية الطيب صالح "موسم الهجرة إلى الشمال"، حيث يحاول بطلُ الرواية أن ينتقم من المستعمرين الإنجليز من طريق الجنس، بل يدّعي أنه سيحرر إفريقيا منهم بعضوه الذكري! وقد اتضح لنا من قبل أن هناك تلازمًا بين الجنس والحرب في ثقافتنا الشعبية، كما في كثير من الثقافات الأخرى. فلو أخذنا، على سبيل المثال لا الحصر، عادة التعشير في الأعراس الشعبية السعودية، فإن أول ما يلفت انتباهنا هو ازدواجية الدلالة في مُسمّى هذه العادة. فالتعشير يعني أصلًا تلقيح أنثى الحيوان من قبل الذكَر، أما في الأعراس فيعني إطلاق النار في الأرض بدلًا من الهواء. وبهذا المعنى الثاني يحاكي المُعَشِّر بسيميائية رمزية لا عملية التعشير الأصلية السائدة في عالم الحيوان فحسب، بل عملية تعشير أخرى وشيكة في عالم الإنسان أيضًا (كما يتضح من الصورة أدناه).

ولا أعتقد أن من أطلقوا هذه التسمية الدالّة وتداولوها كانوا غافلين عن دلالة الكلمة الأصلية. وعليه، لا يمكن أن ننظر إلى ممارسة التعشير هذه على أنها نوعٌ من اللهو الاجتماعي البريء فحسب. فكون هذه الممارسة أصبحت تراثًا اجتماعيًّا سائدًا لا يمنع من إخضاعها للمنظور النقدي. ولا أعتقد أننا نجانب الصواب لو أخضعنا هذا الطقس، ذا التسمية الغريبة الدالّة، للمنظور الفرويدي لعلّه يكشف لنا بعض خفايا الوعي الجمعي الكامنة فيه. ففي التعشير يلف المُعَشِّر شِماغَه أو غُتْرته حول رأسه على غير المعتاد بحيث لا تعيق رؤيته أو حركته، ويُشَمِّر ثوبه ويلفه حول خصره، ثم يتلقف بندقيته بيديه، فيرفعها في الهواء وفوهتها نحو الأعلى، ثم مع قفزة عالية في الهواء يُصَوِّب فوهة بندقيته نحو الأرض، ثم يُفرِغ، وهو لا يزال في الهواء ومتباعدَ الساقين، بارود بندقيته في باطن الأرض وسط تصفيق الحاضرين وتهليلهم. هكذا يقذف المُعشِّر الفحلُ حِمَم باروده الملتهبة في رحم الأرض. وبهذا تكون الثقافة قد أباحت للمُعَشِّر الفحل أن يُمَثِّل في الهواء الطلق، على رؤوس الأشهاد من الذكور ولمتعتهم الحصرية، ما سيفعله العريس المُعَشِّر مع عروسه في غرفة النوم.

ومما شرَّعته ثقافتنا الشعبية أيضًا إطلاق الأعيرة النارية من قبل أهل العريس حين يفتض فحلُهم بكارةَ عروسه، وكأن إطلاق النار هذا بمثابة البيان رقم واحد الذي يعلن فيه أهلُ العريس تسلمهم فعليًّا زمام الأمور وأنهم ربحوا الجولة الأولى من الحرب. وتواطؤ أهل العروس مع أهل العريس في قبولهم لهذا الإعلان شبه الحربي يُمَرَّر عبر منظومة الشرف التي ترعى كلًا من الطرفين: فطرفٌ يعلن إراقة دم العُذْرة من قبل فحلهم المُجتبى، وطرفٌ يشعر بالفخر لأن دم العُذْرة لم يُهْرَق خارج مؤسسة الزواج. ولذلك هذا هو الدم الوحيد الذي لا دِيَة له في أعراف العرب، كما يقول دِعْبَل الخُزاعي:

دِماؤهم ليس لها طالِبٌ   مَطلولَةٌ مِثْلَ دمِ العُذْرة

يقول مَثَلٌ إنجليزي سائر، "من لا يَسَعُه أن يسخر من نفسه تركَ المَهمة لغيره." تُرى، لو خطر لأحدٍ من أسلافنا أن يخالف العُرْف شِبْهَ المقدس الذي يقضي بأن تُسْتَهَلَّ كلُّ قصيدةٍ في الجاهلية بمقدمةٍ طَلَلية، هل كان لماجنٍ سِكِّيرٍ من العصر العباسي كأبي نواس أن يُسفِّه هذا العرف بل أن يَكْفُر بالعروبة، حاملةِ العُرف وحاميتِه، حين يقول:

عاجَ الشقِيُّ على دارٍ يُسائِلُها   وعُجْتُ أسألُ عن خَـمّارة البَلَدِ
قالوا ذكَرْتَ ديارَ الحيّ من أسَدٍ؟   لا دَرَّ دَرُّك قل لي: مَن بنو أسَدِ؟

ومَنْ تميمٌ وقيسٌ وإخوتهم؟   ليس الأعاريبُ عند الله من أحَدِ