أبو محمد الجولاني يتفقد أحوال المسيحيين وعينه على انقسامات البيت الداخلي للهيئة

أبو محمد الجولاني يتفقد أحوال المسيحيين وعينه على انقسامات البيت الداخلي للهيئة

أبو محمد الجولاني في لقاء مع مسيحيي إدلب - (أمجاد الإعلامية)
أبو محمد الجولاني في لقاء مع مسيحيي إدلب - (أمجاد الإعلامية)

تاريخ النشر: 26.07.2022 | 06:32 دمشق

تلفزيون سوريا - خالد الخطيب

أثارت زيارة زعيم "هيئة تحرير الشام" أبي محمد الجولاني لقرى المسيحيين في منطقة جسر الشغور جنوب غربي إدلب جدلاً واسعاً في الأوساط الجهادية المناهضة للهيئة، والتي رأت في الزيارة تحدياً صريحاً للتيار المتشدد الذي بدأت تتعالى أصواته داخل تحرير الشام وبات يهدد بيتها الداخلي.

ويبدو أن الزيارة أيضاً تمثل تحدياً للمنشقين السابقين وفلول التنظيمات الجهادية التي فككتها الهيئة والذين تفاجؤوا بالظهور الكثيف للجولاني خلال الأسابيع القليلة الماضية، والذي ابتدأه بزيارة جبل السماق الذي يقطنه الدروز شمال غربي إدلب، واختتمه بزيارة قرى المسيحيين في ريف منطقة جسر الشغور جنوب غربي إدلب، محاولاً الاستثمار في ملف الأقليات والطوائف ليثبت ما يسميه الجهاديون "اعتداله المزيف" الذي من المفترض أن ينال من خلاله على رضا المجتمع الدولي، وأن يثبت أركان سلطانه في إدلب باعتبارها نواة لمشروعه "الكيان السني" الذي تحدث عنه مؤخراً.

واتهم الجهاديون المناهضون لتحرير الشام الجولاني بالتسبب بوقوع المجزرة المروعة التي شهدها ريف منطقة جسر الشغور بريف إدلب الجنوبي الغربي، وقال المنشق السابق عن تحرير الشام أبو يحيى الشامي في تلغرام "بعد الزيارة التسويقية لمتزعم هيئة تحرير الشام، أبي محمد الجولاني، ولقائه بالنصارى في بلدات الجديدة والقنية واليعقوبية، يأتي القصف الروسي ليستهدف المنطقة، وليتضح الواضح لمن جهله، بأن محاولة التسويق لن تأتي برضا الغرب، ولا رضا روسيا"، ويضيف الشامي "لا نريد منه أن يزور أحداً فهو غير مرحب به في كل المحرر لأنه لم يترك بيتاً ولا قريةً إلا وترك في قلوبهم ندبة، بل نريد أن نرى أرتاله التي  أرسلها إلى عفرين ليكمل أحلامه وأطماعه أن توجه إلى ميادين المعارك للثأر للأطفال والمستضعفين".

الجولاني "القائد"

رافق الظهور المتكرر لزعيم تحرير الشام أبي محمد الجولاني حملة إعلامية مكثفة للإعلامين الرديف والرسمي، وتغير مع حملة الترويج الجديدة للقب "الجولاني" من قائد هيئة تحرير الشام، إلى "القائد" من دون أي لاحقة تحدد سقف زعامته، وهو ما اعتبره الجهاديون تطوراً لافتاً يواكب بالضرورة أحلام "القائد" ومشاريعه السلطوية والاقتصادية والتنموية والتي تطرق للحديث عنها مطولاً في أثناء لقاءاته بمسؤولي حكومة الإنقاذ ومجلس العشائر وإدارات المناطق والوجهاء خلال جولاته في عيد الأضحى.

قال الباحث في الجماعات الإسلامية عباس شريفة لموقع "تلفزيون سوريا" إن "أبا محمد الجولاني حاول خلال ظهوره الأخير والذي بدا مكثفاً على غير المعتاد أن يظهر كرئيس دولة، كسلطان يقف على حاجة رعيته من مختلف المكونات الاجتماعية، ويلتقي بعامتهم وخاصتهم ويرعى شؤونهم، وهذا جزء من المهام الملقاة على عاتقه باعتباره الحاكم العام".

الاستثمار في الأقليات والطوائف

يرى عباس شريفة أن "زيارة الجولاني إلى قرى المسيحيين في ريف منطقة جسر الشغور جنوب غربي إدلب تشبه إلى حد بعيد زيارته السابقة إلى منطقة الدروز في جبل السماق شمال شرقي إدلب من حيث أهداف الزيارة، والرسائل التي أراد إيصالها للخارج أولاً، أنه لا خطر على الأقليات والطوائف من وجود تحرير الشام كسلطة في شمال غربي سوريا، وللداخل ثانياً، أنه بات الزعيم الأوحد وفي يده كامل مفاصل السلطة".

وشبه المنشق عن تحرير الشام أبو يحيى الشامي، الجولاني بالديك الذي يحاول تسويق لحمه للغرب، وإظهار نفسه بمظهر الحامي للأقليات والطوائف التي تعيش داخل مناطق سيطرته. وقال الشامي في تلغرام، إن أبا محمد الجولاني حاول إغراء دروز جبل السماق بعبارة "لا إكراه في الدين"، وكذلك فعل مع المسيحيين في ريف منطقة جسر الشغور الذين أطلق عليهم وصف "أتباع الدين المسيحي" في إعلامه الرسمي والرديف، وهذا السعي في سبيل الحفاظ على صفة القائد المُفدى للديك.

ويرى فريق من الجهاديين المناهضين لتحرير الشام أن "الجولاني" قدّم خلال لقائه بالدروز إقراراً ببقائهم على "دينهم وضلالهم"، ولقاؤه بالنصارى في جسر الشغور هو بمثابة الصك بمشروعية ممارساتهم وطقوسهم على كل الأصعدة، متسائلين عن الخطوة القادمة ومدى قابلية "الجولاني" للتواصل وفتح قنوات مع قوى معادية للثورة والسوريين، وراح فريق من الجهاديين إلى أبعد من ذلك مؤكدين استعداد "الجولاني" لفتح قنوات اتصال مع إيران لتسهيل عودة أهالي بلدتي كفريا والفوعة، وربما يدفعه "تملقه وانبطاحه" وفق الجهاديين ليبحث عن أثر لليهود في إدلب ليتصل بهم وليعيد إليهم ممتلكاتهم ويبدي استعداده لاستقبالهم إن تطلب الأمر، طالما ستسهم هذه الخطوة في حصوله على قبول الغرب ورضاه.

أشاعت انتقادات الجهاديين لتحركات "الجولاني" الأخيرة، ومحاولاته الاستثمار في ملف الأقليات والطوائف حالة من الاستياء العام في أوساط الموالين للهيئة، والذين دافعوا بشراسة عن مسيرة الانفتاح والتغيير للقائد الجولاني، قال ناصر الدين أحد قيادات تحرير الشام في تلغرام "يلومون ويشوشون على تحرير الشام سياستها الشرعية الرشيدة مع الدول والكيانات والطوائف، السياسة التي تعطي للقوة مكانها المحدد في زمانها المحدد، ويراعي وقت الضعف في زمانه المحدد وفي مكانه المحدد". يضيف "يريدون من تحرير الشام أن تعادي العالم كله وأن تحارب الدول المتاخمة لحدودها على الجهات الأربعة وأحدهم يقطع الكلمات الإسلامية يخشى على حسابه من التبليغ".

أبو محمد الجولاني

مشروع الانفتاح والكيان السني

ويرى الباحث في الشأن السوري محمد السكري أن "الجولاني" يخشى أن تؤثر تصريحاته فيما يتعلق بإقامة كيان سني على مشروع الانفتاح الذي بدأه من خلال تصدير الطابع المدني على العسكري، لاسيما بعد غياب هذا النوع من الخطاب لعدة أعوام، لذا تكمن أهمية الزيارة في كونها تزامنت مع تلك التصريحات في محاولة لإعادة تصويب المقصود من خلال التأكيد على أن دولة الكيان السني التي تطمح لها تحرير الشام والتي لا تقوم على الطائفية، في إشارة لحرصهم على تمثيل المكونات السورية الأخرى وإرسال رسائل تطمين لهم. 

يضيف السكري خلال حديثه لموقع "تلفزيون سوريا" أن "الجولاني في حراكه الأخير يؤكد على شكل سوريا المستقبلي الذي يصر فيه على حكم السنة دون التعرض للطوائف الأخرى وفي هذا محاولة لإنتاج مشروع جديد يقوم على الاستقطاب للحواضن السنية، وهنا يبرز التخبط في الهوية بين ضرورات الانفتاح على المشروع الوطني الذي يمكن أن يلقى قبولًا غربيًا، وبين ترسبات ما قامت عليه جبهة النصرة أي مشروع ما دون الدولة الذي يقوم على إقامة دولة مضادة للطائفة أي ثيوقراطية المرفوض غربيًا، مما يشي بسعي الجولاني لإنتاج نموذج مركب على أمل أن يلقى قبولًا غربيًا ويعيد له الحواضن".

انقسامات البيت الداخلي

يركز الجهاديون المناهضون لتحرير الشام والمنشقون السابقون على تحركات أبي محمد الجولاني الأخيرة في جبل السماق وقرى المسيحيين لتغذية الانقسامات في صفوف تحرير الشام والتي بدأت تتصاعد بشكل لافت منذ بداية العام 2022، ويسلط الجهاديون الضوء على المتغيرات التي طرأت على مختلف القطاعات بالشكل الذي يخدم الكيان المزعوم للجولاني ويتوافق مع تحركاته الأخيرة.

ويركز الجهاديون أيضاً على المتغيرات التي طرأت على الحياة العامة وغياب الرقابة وتعطيل عمل الحسبة الذي نتج عنه كما يصف الجهاديون "انحلال أخلاقي متصاعد"، وبالفعل بدأت الشخصيات المتشددة داخل تحرير الشام ترفع صوتها وتنتقد، قال أبو الحارث الزبداني وهو أحد الشخصيات البارزة في تحرير الشام " بأم عيني رأيت فتاة تلبس بنطالاً جينزاً وتركب على موتور خلف شاب، واضعة شيئاً يسيرا على رأسها ليس أكثر في إدلب المدينة، وقد يكون أخوها أو زوجها، لا يهم، ولكن إلى أين، وإلى أين سيصل الحال".

وينكر الجهاديون التحولات المتسارعة في قطاع التعليم مثلاً، وذلك من ناحية استنساخ مناهج النظام السوري، وتدريس مواد يعتبرها الجهاديون "شركية" كالفلسفة، وتشابه معدلات النجاح والرسوب مع المعدلات لدى النظام، وطرد الشخصيات المتشددة التي تنتقد بشدة هذه التحولات.

ومن بين الشخصيات التي تم إقصاؤها، الزبير الغزي، الجهادي الفلسطيني صاحب مشروع مدارس الوحي الشريف التي منعت مؤخراً من استحداث مراحل تعليمية ما بعد المرحلة الابتدائية، أي يتوجب على تلاميذ مدارس الوحي الالتحاق بالثانويات الشرعية في حال أرادوا إكمال دراستهم، وهذا ما أزعج فعلياً التيار المتشدد والذي لا يوافق على المناهج التي تدرس في الثانويات الشرعية.

تغييرات جذرية

وأجرت تحرير الشام تغييرات جذرية في بيتها الداخلي مؤخراً، حيث تم العمل على إبعاد شخصيات تقليدية متشددة تعارض التحولات البراغماتية وشخصيات أخرى تعتبر من جيل المؤسسين يثار حولها الجدل وفي سجلها الكثير من الانتهاكات، واعتقلت تحرير الشام بداية شهر تموز/يوليو القاضي أبا القاسم الشامي بعدما دهمت منزله في إدلب، وتمت مصادرة سيارته الخاصة وسلاحه وأجهزة الاتصالات الخاصة به وبعائلته.

ويعتبر الشامي من أهم قضاة تحرير الشام وينتمي لجيل المؤسسين، ولم يعد الشرعي العسكري السابق في تحرير الشام، الجهادي المصري أبو الفتح الفرغلي يظهر كما السابق، وأعفي من منصبه مع بداية العام 2022 ليحل مكانه الجهادي السوري مظهر الويس الذي بات الأكثر ظهوراً بين القادة المقربين من "الجولاني" وأصبح الويس ينوب عنه في رعاية الكثير من المناسبات العسكرية والمدنية التي تقام في إدلب. 

قال المنشق السابق عن تحرير الشام السلفي المصري طلحة المسير على تلغرام "اعتقال تحرير الشام لأبي القاسم الشامي أحد أهم القضاة طوال السنين الماضية، وكذلك قبل أيام طُرِدَ أبو الفتح الفرغلي من عضوية المجلس الشرعي، يؤكد المؤكد وهو أن خلافنا مع الطاغية أبي محمد الجولاني ليس خلافا فكريا ولا منهجيا، وإنما هو خلاف مع عصابة تشبعت بالأساليب البعثية التي تربت عليها في أيام جاهليتها وأيام داعشيتها".

قالت مصادر جهادية متطابقة لموقع "تلفزيون سوريا" إنّ "حملة التغيرات وإعادة ترتيب البيت الداخلي لتحرير الشام جاءت بعدما تم الكشف عن محاولة انقلاب، أو على الأقل هذه هي التهمة الموجهة للشخصيات المستهدفة وتهم أخرى متعلقة بالتعاطف مع المنشقين السابقين وفلول التنظيمات والتنسيق معهم، ومن بين الشخصيات المبعدة وأخرى سيتم تجميد أنشطتها، أبو الحارث المصري والقاضي أبو محمد البدراوي، وأبو بكر مهين، وأبو مسلم الشامي، وأبو الحارث شرعي لواء عثمان وآخرون".

زيارة وفد من الانقاذ لتشكيل عسكري يتبع لتحرير الشام

 

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار