BBC تنشر تسريبات صوتية لزين العابدين بن علي تكشف آخر لحظات حكمه لتونس

تاريخ النشر: 14.01.2022 | 13:30 دمشق

آخر تحديث: 14.01.2022 | 13:36 دمشق

 تلفزيون سوريا ـ متابعات

نشرت شبكة "بي بي سي" البريطانية، اليوم الجمعة، تسجيلات تعود لمكالمات هاتفية أجراها الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي في أثناء مغادرته البلاد بعد اندلاع أحداث ثورة تونس عام 2011.

وتكشف التسجيلات التي نشرتها الشبكة اللحظات الأخيرة قبل انهيار سلطة "بن علي"، وانتهاء حكمه الفردي الذي استمر نحو 23 عاماً، وما أعقب ذلك من ثورات عربية تنادي بالديمقراطية في المنطقة.

تسجيلات مؤكدة

وأشارت الشبكة إلى أنه تم تحليل التسجيلات من قبل خبراء صوت لم يعثروا على أي دليل على حدوث أي تلاعب أو عبث فيها.

توفي بن علي في المنفى عام 2019، لكن الشبكة أطلعت أيضاً عدداً من الأشخاص الذين يعرفون الأفراد المعنيين على محتواها، مؤكدين أن الأصوات الواردة فيها حقيقية، مما يدعم صحة التسجيلات. لكن بعض أولئك الأفراد المعنيين بالتسجيلات بشكل مباشر (أي المشاركين فيها) شككوا بشدة في مصداقيتها.

وإذا كانت التسجيلات حقيقية، فإنها تعطي نظرة ثاقبة ومدهشة للتغيير الذي طرأ في مزاج بن علي في آخر 48 ساعة من حكمه، عندما بدأ يتيقن شيئاً فشيئاً التأثير الحقيقي للاحتجاجات التي كانت تهز دولته البوليسية المخيفة، بحسب الشبكة.

والتسجيل الأول هو عبارة عن مكالمة مع أحد المقربين من الرئيس التونسي، يُعتقد أنه طارق بن عمار، من الإعلاميين الأثرياء والمشهورين في البلاد.

وكان بن علي قد ألقى، في وقت سابق من ذلك اليوم، خطاباً متلفزاً في محاولة لإخماد زخم المظاهرات الجماهيرية المندلعة آنذاك.

وكانت تلك المظاهرات قد اندلعت قبل أسابيع عدة على نطاق واسع بسبب السخط الشعبي على تردي ظروف المعيشة وعلى عقود من الحكم الاستبدادي والفساد، وذلك بعد أن أضرم بائع متجول شاب، اسمه محمد البوعزيزي، النار في نفسه عندما منعه مسؤولون من بيع سلعه في بلدة سيدي بوزيد.

وبحلول 13 كانون الثاني، كانت الاحتجاجات والعنف الذي تصدت به السلطات لها، قد أودت بحياة نحو 100 شخص في العاصمة التونسية.

مكالمة تقييم الخطاب

الرئيس التونسي كان يبدو مطمئناً عندما كان بن عمار يثني عليه. إذ يقول بن عمار في التسجيل: "كنت رائعاً، هذا هو بن علي الذي كنا ننتظره!"، أما بن علي، فقد انتقد نفسه، قائلاً إن خطابه كان يفتقر إلى الطلاقة.

من جهته طمأنه بن عمار قائلاً: "لا على الإطلاق... إنها عودة تاريخية. أنت رجل الشعب. أنت تتحدث لغتهم".

ويضحك بن علي بما يبدو أنه شيء من الارتياح، لكن من الواضح أن الخطاب الذي ألقاه للجمهور التونسي لم يكن كافياً.

وفي اليوم التالي، اشتدت الاحتجاجات، وكان المتظاهرون على وشك احتلال مقر وزارة الداخلية.

عند ذاك، اتخذت الترتيبات الضرورية لنقل أسرة بن علي جوا إلى خارج البلاد حفاظاً على سلامتهم، وفعلاً توجهت الأسرة إلى السعودية، وقد تم إقناع بن علي بمرافقتهم كما يقول.

سجلت المقاطع التالية عندما كان بن علي يستقل الطائرة. يمكن سماعه وهو يجري سلسلة من المكالمات المحمومة مع ثلاثة أشخاص - يُعتقد أنهم وزير دفاعه، وقائد الجيش، وأحد المقربين منه واسمه كمال لطيف.

بن علي يتفحص الموقف بعد هروبه

يبدأ بن علي بسؤال شخص (يعتقد أنه كان وزير الدفاع رضا قريرة) حول الموقف السائد على الأرض في تونس، إذ أخبره الأخير بأن رئيساً مؤقتاً يتولى زمام الأمور في البلاد، طلب بن علي من قريرة تكرار هذه المعلومة ثلاث مرات، قبل أن يرد بأنه سيعود إلى تونس "في غضون ساعات قليلة".

بعد ذلك، اتصل بن علي برجل الأعمال كمال لطيف. قال بن علي للطيف إن وزير الدفاع طمأنه بأن الأحداث تحت السيطرة.

ولكن لطيف صحح هذا الافتراض بكل صراحة، إذ قال: "لا، لا، لا، الوضع يتغير بسرعة والجيش لا يكفي".

قاطعه بن علي وسأله: "هل تنصحني بالعودة الآن أم لا؟" وكان عليه أن يكرر السؤال ثلاث مرات قبل أن يجيب لطيف بشكل مفهوم "الأمور ليست جيدة".

"لا ضمانات على سلامة الرئيس"

ثم اتصل بن علي بقائد الجيش التونسي الجنرال رشيد عمار، ولكن يبدو أن عمار لا يتعرف إلى صوته، مما حدا ببن علي أن يقول له: "أنا الرئيس"، وهنا طمأنه عمار بأن "كل شيء على ما يرام".

ومرة أخرى، طرح بن علي على عمار السؤال نفسه الذي طرحه على لطيف - هل يجب أن يعود إلى تونس الآن؟ يخبره قائد الجيش أنه من الأفضل له "الانتظار بعض الوقت". وقال عمار لبن علي: "عندما نرى أنه يمكنك العودة، سنخبرك، سيدي الرئيس".

واتصل بن علي بوزير دفاعه مرة أخرى، وسأله مرة أخرى عما إذا كان يجب أن يعود إلى تونس، ولكن قريرة كان أكثر صراحة هذه المرة، إذ قال لبن علي إنه "لا يمكنه ضمان سلامته" إذا فعل ذلك.

وبعد منتصف الليل بقليل، هبطت طائرة الرئيس بن علي في مدينة جدة السعودية، وهناك أمر الرئيس التونسي الطيار بالاستعداد لرحلة العودة، نقل بعدئذ وأفراد أسرته إلى قصر ضيافة الملك فيصل في جدة. ولكن الطيار عصى الأمر؛ إذ ترك بن علي وعاد أدراجه إلى تونس.

 

2776bef9-8f25-41ad-a2dd-e3eea2dcafb8.jpg

شماعة الإسلاميين

وفي صباح اليوم التالي اتصل بن علي بوزير دفاعه مرة أخرى، وفي تلك المكالمة، اعترف له قريرة بأن الحكومة فقدت السيطرة على ما يحدث في الشوارع، وأخبره أن ثمة أقاويل عن حدوث انقلاب، ولكن بن علي رفض ذلك معتبراً أن هذه الأقاويل من عمل "الإسلاميين" بحسب تعبيره.

وتطرق بن علي مرة أخرى إلى موضوع عودته، ولكن قريرة بدا صريحاً مع رئيسه، إذ قال له: "يسود في الشارع غضب لا أستطيع وصفه"، وأضاف موضحاً "أقول لكم ذلك لكي لا تقولوا إني ضللتكم، ولكن القرار لكم".

ويحاول بن علي الدفاع عن سمعته بالقول: "ماذا فعلت للشارع أو (للجمهور)؟ لقد خدمته". ولكن قريرة قال له: "أنا أطلعكم على الموقف، وهذا ليس تفسيراً".

وفي غضون ساعات، شكلت حكومة جديدة في تونس احتفظ فيها العديد من الوزراء السابقين بمناصبهم، بمن فيهم قريرة. أما بن علي، فلم تكتب له العودة إلى تونس ألبتة، إذ بقي مقيماً في السعودية حتى وفاته عام 2019.

وفي عام 2011، في أثناء إقامته في منفاه بالسعودية، حُكم على بن علي بالسجن مدى الحياة غيابياً بعد أن اتهم بالمسؤولية عن سقوط قتلى من المتظاهرين في أثناء الثورة.