icon
التغطية الحية

يوسف عبدلكي.. الرمزية السياسية ورسومات السجن والغروتسكية المسرحية

2024.01.18 | 16:09 دمشق

فغى
+A
حجم الخط
-A

بمناسبة معرض الفنان التشكيلي السوري يوسف عبدلكي الذي أقيم في بيروت مؤخراً، أصدرت دار تانيت كتاباً بعنوان (عبدلكي السبعينيات: 1970-1980) تضمن مجموعة أعمال عبدلكي المتنوعة التقنيات في الحفر، الرسم، الحبر، والتصميم الغرافيكي. وتشمل تلك الفترة تنوعاً في الموضوعات ستمتد على كامل مسيرته الفنان الإبداعية، إنطلاقاً من مشروع التخرج في كلية الفنون الجميلة دمشق بعنوان (ثلاثية أيلول: البدء، التنفيذ، الأمل) التي تتناول الفظاعات التي تعرض لها الفلسطينيون في تغريبتهم المتكررة، ومن ثم الأعمال المتعلقة بالقضايا السياسية والاجتماعية في تلك المرحلة، ولوحات التعبير الرمزي السياسي عبر رسومات الحيوانات والأحصنية، وكذلك الأعمال التي رسمها في فترة الاعتقال 1978-1980، وسلسلة الأعمال التي جسد فيها شخصيات السلطة بأسلوبية غروتسكية مبالغة في القبح والرهيب، وصولاً إلى الأعمال التي صممها عبدلكي في تلك الفترة في مجالات المسرح والأدب.

لافغ

غرونيكا المجازر العربية

في العام 1976، قدم عبدلكي مشروعه التخرج الذي شكلت حدثاً في الوسط الفني، وهي عبارة عن ثلاثية جدارية تستلهم (غرونيكا، بيكاسو) بتجسيدها للحظات العنف، الرعب، والموت التي يتعرض لها مجموعة بشرية تمتد على كامل مساحات الجدارية، كأنها سلسلة قصصية عن حكايات النضال والقمع والمواجهة، وتتواجه فيها من جهة الأجساد الإنسانية والأحصنة وأشعة الشمس والطيور، ومن جهة أخرى رجال من العسكر وآلات من المدافع والدبابات والماكينات. يكتب عنها الشاعر السوري بشير البكر:

"مشروع تخرج صار حديث الأوساط السورية لأسباب عديدة، منها أنه عمل اشتغله بقلم الرصاص وحمل إسم ثلاثية أيلول الأسود. ثلاث لوحات هائلة الحجم تحشد تفاصيل مرعبة لما تعرض له الفلسطينيون في تغريباتهم المتكررة. ومن يقف أمام العمل لا يعفي عينه الداخلية من أن تذهب إلى غرونيكا بيكاسو. وقد تكون المباشرة مقصودة سياسياً من قبل الفنان، إبان مجزرة تل الزعتر، إلا أنها لم تضعف العمل المشغول بحرفية عالية تعبّر عن فنان متميز سيكون له شأن".

فا
من ثلاثية أيلول

تظهر أعمال القضايا والإلتزام السياسي مع (ملصق المعرض الفردي الثالث، 1978) الذي يتشكل من قبضة وذراع تختر فضاء اللوحة، وتحمل القبضة كل الرمزية المتعلقة بالنضال، باليسار السياسي، بالقوة الشعبية. يرى (أميل نعمة) أن القبضة تمثل البورتريه الشخصي للفنان عبدلكي: "جرت العادة أن يرسم الفنان صورهم الشخصية، سأسمح لنفسي دون حرج أن أعلن أن لوحة القبضة هي الرسم الشخصي ليوسف عبدلكي بتمام الهيئة والملح". ورغم ندرة أعماله من هذا النوع، إلا أن الرسام عبدلكي رسم أوتوبورتريه يظهر فيه منعكساً داخل مرآة زرقاء وهو في حالة الرسم، يتلقي على المتلقي من خلف انعكاس المرآة، يقول عبدلكي: "لم أرسم نفسي قط في شبابي، المرة الأولى التي رسمت نفسي فيها كانت في باريس في قطعة اسمها مكان للمساء. كانت تلك سنة تخرجي من البوزآر بعد ست سنوات في فرنسا، وبالتالي لحظة اكتشافي للمرة الأولى في حياتي للعزلة وسؤال الهوية في آن واحد".

ىغ546
من ثلاثية أيلول

القبضة، الشمس السوداء، الأحصنة والرمزية السياسية

تتطور الرمزية السياسية مع أعمال مثل (شمس سوداء، 1974) حيث الجسد الإنساني يتمدد مرهقاً تحت ثقل شمس سوداء تحيط على كامل أعلى اللوحة وتهيم على الحقول والسنابل، ثم تظهر موضوعة الأحصنة، برمزيتها النضالية، يكتب الشاعر والروائي إبراهيم الجبين:

"ومن أجل أن يكون للأسطورة كائناتها، اختار عبدلكي، ابن الجزيرة السورية، البادية والنهر والسهول الممتدة،  حصانا عربيا برقبة طويلة منحنية، ليكون رمزا للفكرة، وكائنا بديلا عن الكائن، فكان العاشقان حصانين، وكانت الثورة حصانا، وكان الحزن حصانا، يحيط بكل ذلك سوادٌ وعتمة".

تتعدد الأعمال التي تتعلق بالأحصنة ذات التأويل السياسي، أشهرها (حصانان، 1979) التي تصور حصانين مقيدي الأرجل يسقطان على الأرض بحالة مستمرة بعيداً في وحدة مساحات العتمة، وهي من أعمال السجن. أيضاً في التعبير عن الخيانة السياسية في أحداث أيلول عبر عن الفنان عن ذلك بلوحة بعنوان (الوجبة، 1976) التي تصور مجموعة من الأحصنة تلتهم بشراسة حصاناً وحيداً كضحية. الحصان الضحية في حالة السقوط المستمر نفسه يتكرر في لوجة (حصان على أول المساحة السوداء، 1975)، وكذلك حصان مقيد الأرجل في حالة سقطة في لوحة بعنوان (تحية إلى معتقلي الأرض، 1976)، أما الحصان الثائر المقاوم، في حالة نضال فيظهر في لوحة (تحية إلى نيرودا، 1976)، وكذلك حصان ثائر في حالة فاعلية في لوحتي (صراخ في ليل طويل 1+2، 1975) ولوحة (حالة لا، 1975)، أما الأحصنة في حالات وجدانية أخرى، مثل (عشق، 1975) حيث يظهر حصانان في حالة تواصل).

ل56

تأخذ الرمزية أبعاداً أكثر وضوحاً في التعبير عن القضايا السياسية مع دخول الحضور الإنساني إلى أعمال عبدليك. في لوحة (يا طير البرق تأخرت، 1976) ييخترق عصفور جدار الصمت والعتمة والسجم التي يرقد فيها جسداً إنسانياً بحالة من السقوط، من الإنحباس، والتلاسب، إنها أداءات جسدية عن طلب النداء، وتتكرر العلاقة بين الجسد الإنساني المعذب والمعتقل وبين العصفور الأبيض الذي يخترق عالم اللوحة الإنحباسي في لوحة (أما آن لهذا الفجر، 1975). ويحضر الموت كموضوعة سائدة في تلك الفترة من حياة الفنان الإبداعية، فلوجة (الموت قبل الخامسة والعشرين، 1975) تظهر جثة إنسانية ملقاة على أرضية اللوحة باللون البني، تخرج من خلفية من العتم الأسود الذي يكبل فضاء اللوحة. وفي لوحة (الموت جملة، 1975)، يظهر 13 جسداً إنسانياً في حالة بين شدة الألم وسكرات الموت تؤثر عليهم شمس سوداء تقع أعلى اللوحة، لتمارس موتاً جماعياً على كل حضور إنساني في اللوحة. وفي لوحة (أيلول، 1976) نجد 3 أجساد مقيدة القدمين، تبدو وكأنها هيئة تحولية لمعتقل، أو لجثة، واللوحة أيضاً تتعلق بمجزرة تل الزعتر 12 أغسطس 1976.

لا76
من ثلاثية أيلول

أبرز لوحات الفنان التي لعبت دوراً في الأحداث السياسية كانت لوحتي (خمسة ذهبوا، 1975)، و(دمشق سبت الدم، 1976) وكلا اللوحتان تتعلقان بحادثة في سنة 1975، حيث حكم نظام الحكم في سوريا على خمسة يساريين من مؤسسي المنظمة الشيوعيّة العربيّة بالإعدام، وبرزت لوحة الفنان عبدلكي في التأريخ للحدث. في اللوحة نشاهد أجساد خمسة رجال مصلوبة بأوتاد خشبية طويلة تمتد على كامل مساحة عمق الرسم، تخترق أجساد القتلى الخمسة لتتداخل مع أشلائها. ، وتظهر في أسفل الرسم مجموعة إنسانية في حالة حزن ونواح على الفقدان والألم. أما في لوحة (خمسة ذهبوا) نجد أجساد خمسة رجال متراصة كأنها الطريدة المتداخل الأطرف، بينما توجه إليها سهام الغدر من كل حدب وصوب.

"هل يمكن يا حبيبتي أن يقتلني العرب إذا عرفوا في يوم من الأيام أنني لا أحب إلا الشعر والموسيقى، ولا تأتأمل إلا القمر والغيوم الهاربة في كل اتجاه. أو أنني كلما استمعت إلى السمفونية التاسعة لبيتهوفن أخرج حافياً إلى الطرقات وأعانق المارة ودموع الفرح تفيض من عيني. أو أنني كلما قرأت المركب السكران لرامبو، أندفع لألقي بكل ما في جيوبي من نقود وأوراق ثبوتية من النافذة. نعم، فكل شيء ممكن ومحتمل ومتوقع من المحيط إلى الخليج، بل منذ رأيتهم يغدقون الرصاص بلا حساب بين عيني غزال متوسط أدركت أنهم لا يتورعون عن أي شيء". (سأخون وطني- محمد الماغوط)

مسرحيات التآمر الغروتيسكية

تبدأ سلسلة مجموعة تجسيد شخصيات السلطة أو ربما حكام الأنظمة العربية مع لوحة (الرقص على جثث الشهداء، 1975) التي يحتمل أنها ترتبط أيضاً بحادثة مجزرة مخيم تل الزعتر، حيث تصور اللوحة شخصيتين ترتدي كل منهما بدلة جاكيت دون بنطال، وتتصارعان بحالة من الملاكمة فوق جثث مزروعة على كامل أرضية اللوحة، واحدة منها تقبض بعد موتها على سارية رفع عليها علم فلسطين. وهي تماثل في مفهومها عن مكاسب السلطة وتضحيات الشعوب لوحة (السادة لحظة الإنتصار، 1976) والتي تضوؤ مجموعة من الشخصيات الإنسانية بهيئات غروتسكية مبالغة في ضخامتها، وفي تكويرة رؤوسها التي تظهر في حالة نشوة من السكر، وتلبس لهيئة الشر، تجلس هذه الهيئة من السادة أعلى اللوحة كأنها تحضر حفلة مصارعة رومانية، بينما تتساقط أجساد الأحصنة فوق بعضها البعض وتتداخل مع الجثث الإنسانية على حلبة الميدان. إنه أسلوب يقارب الأسلوب الذي تناول فيه الفنان حادثة اغتيال الزعيم السياسي الشيوعي اللبناني البارز فرج الله الحلو، بلوحة بعنوان (فرج الله الحلو، 1977)، وفيها لا نرى من جثة الضحية إلا قدماها الغارقتان في المياه، بينما تركز اللوحة على القاتل الرمزي، على الجلاد، في هيئة إنسانية بإيحاءات خبيثة في حالة من الضحك والنشوة فوق الجثة التي ترمز على الاغتيال السياسي.

"لا أذكرُ ما الشـَّهرُ، لا أذكر حتى ما اليـوم ، والساعة لا أعرف كـم. فهنا، في جوف الزنزانـــة، خلفَ الشمس، يجري توقيتُ الغستابـــو. سألوني من زمن ٍ مااسـْمـُك: تيلمـانْ أو شــهدي أو فوتشيـك، أو قولوا الحلــو، ماشئتـم قولـوا أيَّ اسْــم". (قصيدة نجيب سرور في رثاء الشهيد فرج الله الحلو)
45رلا45
لوحة لعبدلكي

تحولات غروتسكية تعيشها شخصيات الساة والمنتصرون والخونة، فتتحول كلها إلى كائنات متماثلة الهيئة التي تجمع بين الكائن الخرافي والهيئة الإنسانية. تظهر شخصيتان من هذا النوع والوصف، على جانب يسار اللوحة، تهمس إحداهما في إذن الأخرى في حالة تآمرية، في لوحة ترمز إلى الخيانة السياسية والوطنية بعنوان (ضدنا ضد الوطن، 1977)، وترتدي الشخصية الرئيسية بدلة رسمية وكرافة وتحمل بين يديها ساطوراً كبيراً وتتدلى من خلفها أقدام جثة مشنوقة في لوحة (موطني موطني، 1977). وتكرر لوحة (احتفال، 1977) المضمون والتعبير ذاته في لوحات (فرج الله الحلو، السادة الانتصار) التي تجسد مجموعة من الرجال الغروتسكي الهيئات في حانة يشربون الأنخاب في إشارة إلى نشوة التآمر والنصر، إنه احتفال السادة المتآمرون، البرجوازيون في فيلم (سحر البرجوازية الخفي، لويس بونويل). وتروي لوحة (قائمة بأسماء المطلوبين، 1979) بطريقة كاريكاتورية الأمثولة ذاتها، فالمجرم الشرير هو من يعلق صور المطلوبين من الشعب والنساء والأطفال والشيوخ على الحائط.

يتضمن الكتاب أيضاً مجموعة من الأعمال التي رسمها عبدلكي في فترة اعتقاله في سنوات السبعينيات، رسم (يا ظلام السجن خيم، 1975) يظهر معتقل مكبل اليدين من زاوية خلفية، وتظهر أيضاً موضوعة الاعتقال في لوحات متعددة منها (احتضار 1 + 2، 1974-1975) التي تمثل قبضات ضخمة القدرة ولكنها مقيدة، وكذلك يعبر عن موضوعة الاعتقال رمزياً برسومات الأحصنة المقيدة الحوافر، في حالة سقوط مستمر على الأرض، في حالة اختناق وهيجان، كما في لوحتي (أحصنة، 1975-1979).

رغ7عت
دمشق/ سبت الدم

استلهام متبادل بين الفن التشكيلي من جهة وبين المسرح والآداب من جهة أخرى تحضر في أعمال الفنان في تلك المرحلة الإبداعية. فالمعرض الفردي الأول الذي قدمه الفنان العام 1972 كانت التصاميم البصرية، الأزياء، والديكور لمسرحية (البخيل، موليير، للمخرج أسامة الروماني)، وكذلك استلهم الفنان في العام 1975، مسرحيات الإيرلندي (صاموئيل بيكيت) في لوحة بعنوان (لا شيء يحدث، لا أحد يجيء)، يصور فيها مفهوم الانتظار العبثي، ويسقطه على حال الإنسان والعالم العربي، حيث تصور اللوحة طفلاً عارياً فاتح الذراعين بحالة الصلب ومن فوقه ليس إلا الشمس السوداء التي ترمز في أعمال الفنان إلى القمع أو الظلم أو الفساد السائد. وأعاد الفنان عبدلكي في العام 1978 التصميم السينوغرافي والبصري المسرحي وكذلك الديكور لمسرحية (قصة حديقة الحيوان، إدوارد ألبي، إخراج وليد قوتلي)، يكتب الناقد (أسامة غنم) في توصيف التجربة المسرحية: "لم يصنع عبدلكي في تصميمه لذلك الديكور الحديقة العامة التي تحدث عنها ألبي. حيث أنه اعتبرها أغنية إدانة للمجتمعات الإستهلاكية الصناعية، فصنع نباتات وأشجار ومنتجات استهلاكية مقل علب الدخان والأدوية ومواد التنظيف". وفي إطار تجسيد الشخصيات الشريرة، تقدم إحدى اللوحات شخصية (إياغو) من مسرحية (عطيل، شكسبير) وهي المصنف بين شخصيات الشر والتآمر والخيانة في تاريخ المسرح، تصوره اللوحة في حالة إزدراء للمتلقي، ينظر مواربة جالساً القرفصاء، ذلك في أعلى اللوحة، أما في القسم السفلي منها فتتوالد هيئات إياغو بتناسخية ليتكاثر إلى أكثر من إياغو، وذلك ما هو واضح من عنوان اللوحة (إياغو، إثنين ثلاثة أربعة، 1975).

رقفغا