هل ما بعد ماريوبول سيكون غير ما قبلها؟

تاريخ النشر: 02.04.2022 | 06:18 دمشق

عندما أطلق بعض المراقبين والصحفيين مقولة "ما بعد حلب سيكون غير ما قبلها"، لم يكن أحد يتوقع، ولم يخطر على بال أحد أن يكون سقوط حلب الشرقية بيد قوات النظام والميليشيات الشيعية الداعمة له لحظة حاسمةً ومفصليَّة في تاريخ سوريا المعاصر.

لقد كان للدعم الجويِّ غير المحدود الذي قدَّمه سلاح الجوِّ الروسيِّ أثرٌ فعَّالٌ في دعم الميليشيات الطائفيَّة وقوات النظام التي تقاتل إلى جانبها على الأرض.

كان قصف الطيران الروسيِّ وحشيًّا بربريًّا دمَّر تدميرًا شبه كاملٍ الجزء الشرقيَّ من المدينة وقتل وشرَّد الآلاف من سكانها، وأجبر المقاتلين المدافعين عنها على التخلِّي عن مواقعهم والانسحاب منها.

وما أقرب الأمس من اليوم، فنحن الآن نرى مدينة "ماريوبول" الأوكرانية التي تحاصرها القوات الروسية، وتقصفها ليلًا ونهارًا بالطريقة الوحشية نفسها التي حاصرت فيها حلب وقصفتها.

لقد غيّر سقوط حلب الوضع الميداني والعسكري ومجرى أحداث الثورة السورية تغييرًا جذريًّا، فبعد سقوط الجزء الشرقي من المدينة الذي كان خاضعا لقوات المعارضة المسلحة لنحو أربع سنوات ونيف من "شهر تموز يوليو عام 2012 حتى أواخر عام 2016" استكملت الميليشيات التي سيطرت على أحياء حلب الشرقية ما مهد له قصف الطيران الروسي، عندما أصغت إلى نصائح المستشارين من القوات الروسية، التي تقضي بضرورة استكمال المهمة، وتنفيذ ما اشتهرت به قوات النظام من بطولات فيما بات يُعرف باسم "عمليات التعفيش الاستراتيجيَّة". لقد كانت نصائح الخبراء الروس لقوَّات التعفيش – وهم الحريصون الذين لا يحتاجون إلى توصية– تهدف إلى المزيد من الإمعان في قهر الناس، وإذلالهم، باستخدام أحطّ أشكال السلوك الهمجي القروسطي، الذي اشتهرت به ميليشيات النظام، بل تمكنت من تطويره وإضفاء اللمسات الخاصَّة عليه، وأهم ما تميَّزت به هذه اللمسات ضرورة انعدام أيِّ إمكانيَّة للتعفيش والنهب بعد إنجازهم مهمتهم، وذلك بالعمل على ألا يتركوا شيئا يمكن الاستفادة منه لاحقا.

ما يجري الآن في المدينة الأوكرانية الواقعة على بحر آزوف يوضح أن المسافة بين عاصمة الشمال السوري وبين ماريوبول ليست قريبة وحسب بل تكاد تكون معدومة

حصار الجزء الشرقي من حلب ومن ثم مهاجمته بشكل وحشي وتدميره بالكامل وفق ما تقتضيه أساليب الحرب الروسية، كان الهدف منه حسب ما صرح به رأس النظام آنذاك "بشار الأسد" هو فصل حلب عن تركيا، هذا الهدف الذي شكل نقطة مركزية في حصار حلب وبالتالي تركيعها والسيطرة عليها، دفعنا للمقارنة والربط ما بين حلب و"ماريوبول" رغم بُعد المسافة بين المدينتين، فما يجري الآن في المدينة الأوكرانية الواقعة على بحر آزوف يوضح أن المسافة بين عاصمة الشمال السوري وبين ماريوبول ليست قريبة وحسب بل تكاد تكون معدومة، من حيث وحشية الحصار وأساليب التدمير البربرية ومن حيث الهدف الاستراتيجي لربط  ماريوبل بشبه جزيرة القرم التي احتلتها روسيا عام / 2014/ بإقليم مونباس الانفصالي، في خطوة تسير باتجاه تنفيذ مخطط تقسيم أوكرانيا، وحرمانها من أحد أهم موانئها على بحر آزوف الميناء الذي تصدر منه أهم منتجاتها من القمح والصلب، وبالتالي خنقها اقتصاديا، وتشير بعض المعطيات المتوفرة في هذا الإطار إلى أنه فيما لو نجحت القوات الروسية بالسيطرة على ماريوبول فإنَّها ستكمل طريقها للسيطرة على مدينة "أوديسا" الواقعة على البحر الأسود لتستكمل وفق هذه المعطيات إغلاق جميع منافذ أوكرانيا البحرية التي تقع شمال البحر الأسود، وتحكم الخناق البحري على أوكرانيا.

وبما أن الفاعل هو ذاته فإن مجريات حصار حلب وماريوبول توضح انعدام المسافة أيضا بين المدينتين السورية والأوكرانية وبين العاصمة الشيشانية غروزني، التي صمت العالم كلُّه عن جريمة تدميرها وعن الهولوكست الذي نفَّذه بوتين فيها، واكتفى حينذاك بالشجب والتنديد والإدانة، ووقف عاجزا أمام المحرقة التي اقترفها قيصر الكرملين والفظائع التي ارتكبتها القوات الروسية أواخر عقد التسعينيات من القرن الماضي مما مهد له الطريق لاحقا إلى أن يفعل ما فعله مع جورجيا، وإلى احتلاله شبه جزيرة القرم عام /2014/ وإلى تدخله السافر في كازاخستان.

إنَّ القوات الروسيَّة تنفذ أوامر قيصرها، وتستلهم فلسفته ورؤيته القائمة على استعادة أمجاد روسيا القيصيريَّة الأورثوذكسية وعظمتها، بدعم ومباركة من رأس كنيستها بطريرك موسكو وسائر روسيا "كيريل" الذي وصف حرب روسيا على سوريا بأنَّها "حرب مقدسة".

عودة اسم مدينة حلب إلى قاموس التداول الإعلامي والسياسي أنعش آمال السوريين بأن يصحوَ أخيرا ضمير العالم، ويقتص من بوتين جزار غروزني وحلب وماريوبول

هذه المقدمات جميعًا شجعت طاغية الكرملين "فلاديمير بوتين" على استباحة بلد أوروبي مستقل عضو بالأمم المتحدة تحت ذرائع سخيفة وأوهام تُدَّعى أنَّها تاريخية ودينية، لكنَّها شعبويَّة زائفة يعرف زيفها من لديه أبسط المعلومات التاريخيَّة عن كرونولوجيا الأحداث الكبرى في الألف سنة الأخيرة في تاريخ المنطقة.

كل هذا الضجيج الإعلامي حول مأساة ماريوبول ومقارنتها بمأساة حلب حسب ما أعلنه أكثر من سياسي ومراقب، وعودة اسم مدينة حلب إلى قاموس التداول الإعلامي والسياسي أنعش آمال السوريين بأن يصحوَ أخيرا ضمير العالم، ويقتص من بوتين جزار غروزني وحلب وماريوبول، إلا أنَّهم يخشون في الوقت نفسه أن تلقى هذه المدينة المنكوبة المصير ذاته الذي لقيته حلب وتدخل في قائمة حروب بوتين المقدسة، وأن تضيع نضالات الأوكرانيين، وتتبخر فاعليَّة صمودهم الأسطوري في كواليس المؤامرات الدولية والإقليمية، ويتحولوا إلى لاجئين في بلاد غصت باللاجئين السوريين الذين دفعوا ثمن جبن العالم "المتمدن" ونفاقه.

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار