icon
التغطية الحية

"نظرية في التأويل" والانقسام بين أشعريّة الغزالي وصوفيّته

2023.06.02 | 22:14 دمشق

الغزالي
تلفزيون سوريا- إسطنبول
+A
حجم الخط
-A

"نظرية في التأويل: قراءة جديدة في مشروع أبي حامد الغزالي" كتاب صدر حديثًا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، من تأليف محمد لشقر. 

يحاول الكتاب الذي جاء في 368 صفحة كشف بعض ملامح تلك الصورة المضطربة التي شكّلت أحد أهمّ الحوافز على تأليفه، في ظل انقسام دارسي أبي حامد الغزالي، مسلمين وغير مسلمين، بين كونه أشعريًّا أو فيلسوفًا أو صوفيًّا أو مقتبسًا من هذه جميعًا، وتحوُّل شخصيته لغزًا زكّته كتاباتٌ كثيرة.

سلكت قراءة تاريخ فكر الغزالي مسارَين متناقضين؛ إذ يشكّل الغزالي في المسار الأول حلقةً مظلمة في تاريخ الفكر الإسلامي، ويقضي بأن يكون المستقبل نقدًا للماضي وأفضل منه، في حين ينظر المسار الثاني إلى فكر الغزالي باحترام وتبجيل وتقديس، عملًا بمقولة "ليس في الإمكان أفضل ممّا كان".

شكّلت الهرمينوطيقا (علم التأويل) منعطفًا في تاريخ الفكر الإنسانيّ والفلسفيّ، فهي قد عُدّت مع بداية القرن العشرين فنًّا لإقصاء الجانب الاعتباطي في التأويل، بعد أن لم تكن قد ظهرت منذ عصر النهضة في صورة مشروع علميّ مستقلّ، بل مادةً مساعدةً لعلوم التأويل. وقد أَوْلَتها القرون الوسطى اهتمامًا كبيرًا، واستخدمها آباء الكنيسة الغربية لتأويل النصوص الدينية وفهمها بعمق، في حين يبدو لنا أن الإشكال الذي أثاره الإمام الغزالي، وهو "الكلام الإلهي في مقابل الفهم الإنساني"، متواضعٌ مقارنةً بإشكالات التأويل الهرمينوطيقية. ولكن ألا يحق لنا أن نتساءل إنْ كان الغزالي أحد الجذور التي استفادت منها الهرمينوطيقا المعاصرة، وعن أصالة قول الغزالي التأويلي داخل الفضاء الثقافيّ الإسلاميّ؟ وهل كان متأثرًا بسابقيه، مؤثّرًا في من جاؤوا بعده؟ وهل كان يمتلك نظرية في التأويل قائمة بذاتها؟ ستكون الإجابة عن هذه التساؤلات رهاننا في هذا الملخص.

لم تنل إشكاليّة التأويل عند الإمام الغزالي ما تقتضيه من البحث سوى في نزر قليل من دراسات باحثين عرب معاصرين، لم يكن قصد بعضها الغزالي في حد ذاته، في حين كان الأمر كذلك في بعضها الآخر، ولكن من دون أن تكون بؤرة الإشكال هي التأويل، وهو ما نبّهَنا إلى أهمية الانكباب على دراسة تأويليات "حجّة الإسلام" بعيدًا عن الأقاويل غير الجازمة، وغير العلمية.

لقد خَصَّص الكتاب لهذا الأمر ثلاثة فصول، لكلّ من نصر حامد أبو زيد وعبد الجليل بن عبد الكريم سالم والباحث البريطاني مارتن ويتنغام، نعتبرها ذات شأن في هذا الكتاب، على الرغم من إبدائنا إزاءها مجموعة ملاحظات حول مسلّمات أعمالهم وخياراتها المنهجيّة والخلاصات التي توصلوا إليها.

يضم الكتاب أقسامًا ثلاثة تشتمل على أحد عشر فصلًا. يتناول القسم الأول منها تفاعل الثقافة العربية الإسلامية خلال القرن الخامس الهجري مع فكر حجة الإسلام عمومًا، وتصوّراته التأويلية خصوصًا، وهو فكرٌ شكّل نقطة التقاء مذاهب وتيارات فكرية مختلفة. وقد توقف القسم عند الثقافة العربية الإسلامية، وعند سمات القول التأويلي الكبرى قبل الغزالي، التي ساهمت لاحقًا في تشكيل نظرية التأويل الغزالية. ويتطابق تاريخ التأويل في الفكر الإسلامي مع تاريخ مكوّنات هذا الفكر: علم الكلام، والفلسفة، والتصوف. وقد تقلّب حجة الإسلام في مسار تكوينه، كما يحكي عن نفسه في المنقذ من الضلال، بين حقول هذه المكونات الثلاثة. واستعرض القسم ثلاثة أضرُب من المؤثرات التي تركت بصمات واضحة في تشكيل نظرية التأويل الغزالية: المؤثّرات الكلامية أوّلًا، بوصف علم الكلام أسبق علوم الملة ظهورًا، والمؤثرات الفلسفية ثانيًا، نظرًا إلى اكتمال الموسوعة الفلسفية العربية الإسلامية مع "شفاء" الشيخ الرئيس قبل أبي حامد بأربعة عقود، والمؤثرات الصوفية ثالثًا، مع استواء صورة التصوف وبلوغها حد الكمال خلال القرن الثالث الهجري.

خُصص القسم الثاني من الكتاب لرصد أحاديث حجّة الإسلام في التأويل، وقد توزعت بين أحاديث عن قيم ومقولات تأويلية صريحة حينًا، وهي قيم ومقولات اعتبرها القسم عناصر أساسية ومبادئ عامة لنظرية التأويل الغزالية، وبين الإضمار في أحاديث أخرى حينًا آخر (يتطرق القسم الثالث من الكتاب إلى ذلك)، وفقًا لتقسيم رباعي الأركان تناول مفهوم التأويل، وقد نقّب عن مواضع ورود الفعل "آل" ومشتقّاته بغية تحديد دلالاته، ثمّ الكشف عن الضوابط المؤطّرة للعملية التأويلية بحسب تصوّر حجّة الإسلام، ثم العروج إلى حيثيات علاقة الألفاظ بالمعاني لدى الغزالي، يلي ذلك ضبط مسوّغات الانتقال من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازية كما تصوّرها الإمام، عبر تتبّع عملية تقعيده المسألة، والتطرق أخيرًا إلى مسألة الظاهر والباطن وما تثيره من إشكالات على مستوى تلقّي النصّ الديني وفهمه، من خلال التوقف عند انتقاد حجّة الإسلام للباطنية، وعند جدل الظاهر والباطن الذي ساهمت فيه كلّ الفِرق الإسلامية على اختلاف مذاهبها.

أما القسم الثالث من الكتاب، فيهتم بالكشف عن الامتدادات والتقاطعات "المضمرة عرضًا" في نظرية الغزالي التأويلية في مسائل أربع، هي: "الإلهي والإنساني"، و"سبل التحصيل ومعوِّقاته"، و"تراتبية الخلق"، و"علاقة المعقول بالمنقول". وقد تناول القسم نظرة أبي حامد ومنظوره في مسألة الذات والصفات والأفعال الإلهية، ثم تطرّق إلى التحصيل، مبيّنًا سُبله ومناهجه وحُجُبَه ومعوِّقاته. وفي إثر رصد دلالات قول أبي حامد بمبدأ تراتبية الخلق، حاول هذا القسم الوقوف عند حيثيات علاقة المعقول بالمنقول، عبر رصد حدود العقل والنقل في حكم الإمام أوّلًا، ثمّ كشْف موقفه من مسألة وجوب الإمامة عقلًا ونقلًا ثانيًا. وأكد القسم أن القاسم المشترك بين الكلام السالف الذكر هو إظهار الهمّ التأويلي عند الإمام، الذي جاءت أحاديثه حول مسائل "الإضمار" الأربع المشار إليها من قبلُ، عاجَّةً بتصوّرات تأويلية ترتبط ضمنيًّا بقيم ومقولات تأويلية حاول الفصل الكشف عنها، في حين كان الهدف الأساس هو إلقاء الضوء على طبيعة مقاربات الغزالي لتلك القضايا والمسائل التي قد تبدو، أول وهلة، على هامش الإشكالية الذي التزم الكتاب برفعها. ولكن في أثناء التمعّن والتمحيص، تظهر ذات فائدة كبرى في سياق البحث.

لا يمكن ادعاء القول الفصل في فكر أبي حامد التأويلي، أو أنها تضع كلّ شيء موضعَه، بل إن الكتاب عمل على بلورة ما يُعين على فهم فكر الغزالي، من دون المفاضلة والانتصار لمذهب دون آخر، مع البعد عن الأحكام المعياريّة، فلا عجب إذًا ألّا نجد في خلاصاته الأحكام القدحية أو الممجِّدة، على غرار حال أغلب الدراسات المتعلقة بحجّة الإسلام.

إنّ هذا الكتاب لا تستغني عنه المكتبة العربية، فهو لَبِنَة فكرية مهمة في صرح الفكر العربي والإسلامي، وإن ادعى صاحبها تواضعها، توضع إلى جانب مثيلاتها في المستقبل القريب، ليساهم الجهد المشترك للمفكرين العرب والمسلمين في "ردم فجوة" لا تزال قائمة، وبلورة الفكر الفلسفي الإسلامي وعرضه للعالم "نقطة مضيئة" في التاريخ الفلسفي العام.