icon
التغطية الحية

"ميشيل أوسلو".. فنتازيا الحكايات ودهشة تقنيات السرد البصري

2024.01.11 | 13:46 دمشق

غقتعة
+A
حجم الخط
-A

يحبُ البشر سماع القصص، هذه مُسلمة، لكنهم لا يكتفون بتتبع خيوط السرد وأفعال الشخصيات التي بذل أصحاب المنهج السيمولوجي الكثير من أجل تحليلها، بل إنهم يتحرون الجماليات في طريقة الحكي، وحين يتم نقل هذه الحكايات إلى الحيز البصري، تصبح هذه الجماليات مرّكبة، ويغدو إلحاح صُناع الأفلام متركزاً على خلق مشهديات مختلفة، تُدهش المتفرج، وتمنحه آفاقاً جديدة، لم يتوقع أن يشاهدها. وهذا ما سعت إليه كل الأدوات الجرافيكية التي باتت أساسية في عالم صناعة السينما، إنها تعزز من قدرة المبدعين على اللحاق بما اخترعته المخيلة البشرية، وهي تضيف لهذا أفكاراً جديدة تمنحها إياها تطورات العلم والمعرفة والأدوات التقنية عموماً.

على هذه الأرضية، ذاتها، يقرر المخرج الفرنسي صانع أفلام التحريك ميشيل أوسلو، والذي سيبلغ بعد أيام الثمانين من العمر، أن يعود إلى المخزون الجمالي التراثي الذي صنعته الشعوب في الأزمنة الماضية، ويقترح من خلال تجربته الممتدة لأكثر من ربع قرن أن نعود إلى نصوص الحكايات في الشرق والغرب على حد سواء، من أجل أن نخرج بكل ما يمكنه أن يسلي المتلقين، من كل الفئات العمرية، وأن نمتّع أبصارنا بما تصنعه أدواته التحريك من مناظر مستقاة من روح الأمكنة الواقعية، وأن نتماهى مع شخصيات تأتي من منابت لطالما بدت متصارعة فيما بينها، لكنها تظهر هنا في الحكايات ذات مصير مشترك، يتجاوز حروب التاريخ، وربما، أيضاً، ما خلفته من أحقاد مورثة في يومنا هذا!

خكهخ
ميشيل أوسلو

ذهب أوسلو بشكل صريح وواضح إلى هذا المنحى في فيلمه الشهير "أزور وأسمر" (2006) الذي أشتهر كثيراً في العالم العربي، بعد أن طرح منتجوه آنذاك نسخة مدبلجة باللغة العربية، مع أغانٍ لطيفة تتسلل لعقول الكبار والصغار، تم تداولها على نطاق واسع، بعد أن أدهش صاحب التجربة المشاهدين بالقدرات العالية للأدوات الجرافيكية الحاسوبية في إنتاج الجماليات، حينما تقرر الاستثمار في التحريك ذي البعدين، وذلك في وقت كانت شركات الإنتاج السينمائي تتجه كلها صوب التحريك ثلاثي الأبعاد المدمج مع التصوير التقليدي!

فغلا
من آزور وأسمر

لم يُراهن أوسلو على اللوحة الفنية التقليدية، بل إنه ذهب إلى تعزيز العناصر والموتيفات الشرقية في المعمار التقليدي التي تتم محاكاتها عبر الرسم، بألوان فارهة، مبهجة، وبامتلاء مدهش، خالقاً بهذا فضاءً تجري فيه الحكاية، وبما يقارب الطبقات المتراكمة من الخيالات التي صنعتها في عقول المشاهدين الحكايات الفانتازية في ألف ليلة وليلة، وغيرها.

وبالطبع لا يمكن للمشاهد الذي ينتمي لإحدى الضفتين في الشمال أو الجنوب، أن يتجاهل القدرة العجيبة للحكايات المسرودة فيلمياً على بناء العلاقات بين الشخصيات، وبما ودمج الشخصية مع الآخر، في مسار أفعال تنصر الغايات النبيلة، وتبسّط أدوار الخير والشر دون تعقيد!

ىغعتىلا
من آزور وأسمر

وفي فيلمه الحار الراهن "الفرعون، والوحش والأميرة" (2022)، وبعيداً عما أنتجه طيلة السنوات الماضية من أعمال تحريك تلفزيونية، يعود أوسلو إلى منابع الدهشة، إلى سلة الحكايات التي يعشقها، ويمد يده إلى صندوق أسراره ليخرج منه ما يشد الجمهور ويفتنه.

لكنه في هذا الفيلم يقرر أن يضع نفسه كحكواتي في صلب التكنيك السردي، فيصنع شخصية تسرد الحكايات للجمهور في بداية الفيلم، وتظهر كلما انتهت حكاية لتنتقل إلى أخرى، لكنها تبني حكاياتها من خلال رغبات الجمهور، الذي يرغب بأعلى درجات تصعيد الخيال!

فغر
بوستر "الفرعون والوحش والأميرة"

وبدلاً من الإحالة إلى الفضاء الغرائبي المجرد، الخارج عن الزمان والمكان، تشير راوية القصص إلى أنها ستحكي لمتابعيها الذين لا تظهر ملامحهم، بل يظهرون كظلال مبهمة الملامح، بضع حكايات بدلاً من واحدة، فمن يروون حكاية واحدة يصابون بالملل! ولهذا تختار واحدة جرت في مصر القديمة، وحكاية من القرون الوسطى جرت وقائعها في منطقة أوفرني في وسط فرنسا، وأخرى جرت أحداثها في العالم الإسلامي وفي فضاء يمتد من المغرب وحتى الدولة العثمانية، وهي تطلب من المستمعين/ المشاهدين بعد كل حكاية أن يخلدوا للصمت، وذلك من أجل أن يتردد صداها في دواخلهم!

يمكن الالتفات قبل أي شيء آخر، إلى أن أوسلو يعتمد في اشتغاله البصري ضمن فضاء التحريك، على إعادة إنتاج العناصر البصرية في بيئة كل حكاية من حكاياته، وهو يبذل في سبيل الإقناع البصري والإمتاع السردي جهداً كبيراً، لجهة المطابقة بين الواقع وبين النتاج البصري، ويضيف إلى هذا تعزيزاً جمالياً عبر الألوان، وتكريس الملامح المحلية للشخصيات والكائنات الأخرى، وتفاصيل الأمكنة، وفق ما تم رسمه حيث ظهرت!

وفي هذا المسار يتعرف المُشاهد على المناظر المنقولة من رسوم المقابر الفرعونية بطريقة مختلفة، حيث تدب فيها الحياة! وإذا جرب أحد المشاهدين أن يرى الفيلم عبر إحدى الشاشات الواسعة فإن التماهي مع القصة يصبح ممتعاً بشكل مدهش.

ويتكرر اشتغال أوسلو على العناصر المحلية في القصة الفرنسية، ولاسيما حين يعمل على استخدام تقنية "السيلويت" (فن الصورة الظليَّة) في تحريك مشاهد الحكاية، حيث تختفي ملامح الشخصيات الشريرة وراء السواد، وينتهي حال الشخصيات التي تنصر الخير إلى تكوينات بيضاء تناقض الأخرى، فيفسح الفضاء البصري الذي ينتمي عوالم القرون الوسطى عن ألق جذاب، يجعل الاقتراب من الأمثولة بوصفها غاية كل سرد، حالة إمتاعية لا يمل منها الجمهور.

ى7نه
السلويت في الحكاية الفرنسية

وعبر ذات التكنيك تظهرُ عوالم الثقافات التي تجمعها الجغرافيا الممتدة من المغرب في شمال إفريقيا، وحتى إسطنبول التركية، في الحكاية الثالثة، التي تقول الراوية إنها ستسردها للجمهور وفق أسلوب القرن الثامن عشر في الشرق، حيث تلبس الشخصيات البذلات العثمانية الجميلة، لكنها في واقع الأمر تلجأ إلى أدوات أصحاب المهنة أي حكواتية الشرق، حينما يعودون إلى عوالم الحكايات الغرائبية، ليقودوا الجمهور إلى فضاءات خيالية آسرة.

لا يحبُ الكلام، ويفضل ميشيل أوسلو أن تتحدث أفلامه عنه، لكنه في هذه التجربة، وبحسب تقديمه للفيلم يقول: أعتقد أنني حكواتي، شخص يحب رواية الحكايات، وخاصة تلك التي تمس الناس، والمتنوعة - إذا كان لديك واحدة فقط، فأنت لست حكواتياً. وأحب أن أخرج من قبعتي أو خزانة كنزتي حكايات ذات ألوان متغيرة تزود الدماغ برياضة معينة هي: تغيير كل شيء مع كل عالم جديد".

ى8هنى
الحكاية الفرعونية