icon
التغطية الحية

مقاربة مركبة عُرضت في بروكسل.. أطروحة "كلنا إرادة" لتنظيم الوجود السوري في لبنان

2024.05.29 | 06:22 دمشق

آخر تحديث: 29.05.2024 | 06:22 دمشق

23454
لبنان ـ بتول يزبك
+A
حجم الخط
-A

استدعى وزير الخارجيّة والمغتربين في حكومة تصريف الأعمال اللّبنانيّة، عبد الله بو حبيب، في 20 أيار الجاري، ممثل المفوضيّة السّاميّة لشؤون اللاجئين في لبنان، إيفو فريسون، لإبلاغه بموقف الوزارة الرسميّ بشأن الكتاب الذي سبق أن أرسله فريسون إلى وزير الداخليّة والبلديات، بسام المولوي. أما "التبليغ" المنضويّ على تأكيدٍ بأن "لبنان دولة عبور لا لجوء" والذي كان أقرب للتأنيب والتهديد منه إلى الرسالة الرسميّة، فقد جاء كردّة فعلٍ عاطفيّة، مدفوعة بالتحريض السياسي والحزبي، المُستنكر لفحوى كتاب فريسون، والذي عبّر فيه الأخير عن قلقه من الإجراءات الصارمة الممارسة ضدّ اللاجئين، مطالباً الداخلية، بالتدخل ووقف هذه الانتهاكات للقوانين الدولية واللبنانية والشرع الحقوقية في آنٍ معاً.

وفيما لا يُمكن قراءة السّجال الحالي بين المفوضية والسلطات اللبنانية بمعزل عن المسار الذي سلكه ملف اللاجئين السوريين، على الصعيدين السياسي والأمني، بعد عامٍ ونيف على انطلاق حملات الإعادة القسرية للاجئين والمشتملة على مروحة واسعة من التدابير الحكومية والإدارية والبلدية والأمنية، والتي لم تتوقف يوماً واحداً منذ وقتها. وشُبهت حقوقياً، بفظاعات زمن الاحتلال المُقنّع بالوصاية السورية على لبنان (في وقتٍ وللمفارقة لا يزال اليمين المسيحيّ يستذكرها عند كل محطة)، حدّ التماثل السوريالي، لناحية النزعة الانتقامية والغلواء المُعتلمة لهذه السلطات الشغوفة في مفاقمة محنة اللاجئ تحت حجة "تنظيم الوجود السوري" عوضاً عن مداراة البراغماتية والعملية في وضع حلول للقضية الشائكة.

اقتراح الحلول

وبالنظر إلى هذا التعثر في صياغة سياسات لائقة، وتحديدا قبيل الجلسة البرلمانية لمؤتمر بروكسيل الثامن، المزمع عقدها، الأسبوع المقبل، بادرت منظمة "كلنا إرادة" اللبنانية –  والتي تضم في صفوفها عددا من الخبراء والاستشاريين في مختلف المجالات ورجال الأعمال، وتدعي أنها منظمة ملتزمة بالإصلاح السياسي في لبنان و"كشف النقاب عن القضايا الشائكة، واقتراح الحلول والعمل من أجل تنفيذها بشكل مستدام" – بدراسة ملف اللجوء السوري في لبنان، باحثة بالأرقام ومتطرقة للسياق السياسي السوري (نظام الأسد) والعربي والدولي، وأخرجت لاحقا ورقة توصيات تضمنت مقاربة للحلول المقترحة، مع الأخذ بعين الاعتبار معوقات العودة، ومداخل رئيسية لإدارة "الأزمة"؛ وستنقلها إلى مؤتمر بروكسل، كخطة مستقلة عن الخطة الحكومية.

والورقة السياسية التي حملت عنوان: "اللجوء السوري في لبنان: المداخل الرئيسية لإدارة الأزمة وضمان العودة"، اعتبرته المنظمة بحثا بعد "انسداد الأفق السياسي للحل بعد أكثر من 13 عاما على الحرب في سوريا"، يتماشى والمصحلة الوطنية، لكنه بالمقابل لا يتجاهل التزامات لبنان الحقوقية الدولية، ولا ينطوي على حل سحري بل هو مقاربة عملية.

وعقدت "كلنا إرادة" مائدة مستديرة في بروكسل بتمثيل على أعلى المستويات في الأمم المتحدة  والاتحاد الأوروبي للدعوة إلى تغيير نهج المجتمع الدولي تجاه أزمة اللاجئين السوريين في لبنان، وأوصلت في الجوار 3 رسائل بحسب ما نشرته المنظمة على حسابها في تويتر:

  • لم يعد لبنان بلدا يستضيف اللاجئين. فهو بلد يشهد تغيرا اجتماعيا وديموغرافيا بعيد المدى يثير مخاوف عميقة بين اللبنانيين، حتى أولئك الأكثر تعاطفا مع محنة الشعب السوري.
  • ليس كل المواطنين السوريين الموجودين في لبنان لاجئين. وينبغي دعم لبنان في إعادة تقييم وإعادة تصنيف وضعهم. كما ينبغي دعم الحكومة لتنظيم سوق العمل وضبط حدوده
  • يجب على المجتمع الدولي أن يتبنى مواقف أكثر دقة تسمح وتدعم أيضا العودة الطوعية إلى سوريا. لقد تغير الوضع الأمني في سوريا ويحتاج إلى إعادة تقييم.

مسألة اللاجئين السوريين بالأرقام وتنظيم إقامة اللاجئين

بحسب المنظمة فإن ما يتراوح بين المليون ونصف والمليوني لاجئ سوري يقطنون في لبنان، وهم يشكلون ما يناهز 25 بالمئة من السكان، وقالت إن أحدث الدراسات، أشارت إلى أن نسبة السوريين قد تتخطى بحلول العام 2038، 40 بالمئة من سكان لبنان. ويعيش نحو 90 بالمئة منهم تحت مستوى خط الفقر المدقع، و83 بالمئة منهم لا يملكون إقامة، وحتى عام 2023، كان فقط 33 بالمئة منهم يحصلون على مساعدات نقدية من الأمم المتحدة.  

وعلقت المنظمة في ورقتها البحثية، بالقول إن الدولة اللبنانية "انسحبت من مسؤوليتها في تنظيم هذا الوجود وإدارته متحججة بشبح التوطين، بقرارها عام 2011 بوقف تسجيل اللاجئين، وتحويله للمفوضية، متخلية عن تكوين قاعدة بيانات عن ديموغرافيا اللجوء، ومن ثم بقرارها عام 2015 بالطلب من المفوضية وقف تسجيل اللاجئين". ومن حينها نظرت إليهم كجماعات مضطهدة وهاربة، أو مهاجرين غير محميين في مواجهة تعقيدات نظام الكفالة. وفي العام 2014، عبّرت عن موقفها الرافض لدمج اللاجئين وبناء المخيمات في ورقة رسمية، وهو ما انعكس بعدم تنظيم الوجود السوري، وتركه متفلتا وخلق العديد من الإشكاليات. أما في العام 2020، فأكدت السلطات على ضرورة العودة الآمنة في ورقة صادرة رسمية لا تزال مجرد حبر على ورق.

وهنا اقترحت المنظمة، ضمن لائحة التوصيات، سبع مقاربات لحلول محتملة، كالتالي:

  • استكمال قاعدة البيانات المتعلقة باللاجئين السوريين وتصنيفهم segmentation: بالاستناد إلى قاعدة البيانات التي حصل عليها لبنان من مفوضية اللاجئين، ما يسمح بالتمييز بين الفئات المختلفة للسوريين الموجودين في لبنان (صفة طالب لجوء، مهاجر اقتصادي، متزوج من لبنانية، السوريون الذين يقومون بالذهاب والعودة بشكل مستمر إلى سوريا)، ووضع الخطط المعالجة الأزمة وتنظيم العودة على هذا الأساس
  • المباشرة بعمليات التسجيل بمستوياتها الثلاثة: (إقامات - زيجات – ولادات) بما يشمل تسهيل تسجيل الزيجات والولادات على الرغم من فقدان السوريين لأوراقهم الثبوتية، وذلك تفاديا للخطر الذي قد ينتج عن حالات مكتومي القيد، خصوصا أن نسبة تسجيل ولادات النازحين لم تتجاوز 36 بالمئة في أواخر العام 2022. تجدر الإشارة إلى أنه يمكن إتمام عمليات التسجيل في فترة زمنية ما بين 12 و18 شهرا في حال تم تأمين الموارد المالية والبشرية اللازمة
  • مراقبة حركة المعابر الحدودية: الشرعية بهدف إسقاط صفة اللجوء عن المواطنين السوريين الذين يتنقلون بين البلدين بشكل متكرر، كما ضبط الحدود والمعابر غير الشرعية وتوفير الدعم السياسي واللوجستي والتقني للأجهزة الأمنية لتحقيق ذلك
  • تنظيم سوق العمل والحرص على القوانين المرعية الإجراء: بحيث إن المقيمين لهدف اقتصادي يعاملون بمساواة مع باقي العمال الأجانب في لبنان ويحصلون على إجازات عمل رسمية
  • تكثيف الجهود للحفاظ على الاستقرار الأمني: منع كل الإجراءات القمعية غير الإنسانية والتصدي لكل أشكال العقاب الجماعي بحق اللاجئين
  • اعتماد هيكلية حكومية ثابتة لإدارة الملف
  • إنشاء لجنة نيابية فرعية: لمراقبة أداء الحكومة وتقديم الاقتراحات والتوصيات الممكنة

معوقات العودة ومقاربة الحلول

ورأت الورقة أن معوقات العودة، تتدرج على مستويين:

  1. الأول وهو من جهة النظام السوري، إذ اعتبرت أن نظام الأسد، يرفض عودة اللاجئين خوفا من التفريط بالنتائج العسكرية والميدانية التي حققها في مناطق النفوذ السني كنتيجة لإعادة اللاجئين ذات الغالبية السنية.كما ويؤدي خوف اللاجئين من ردة فعل النظام حيالهم إلى عدم عودتهم إما لأن عددا كبيرا منهم تهرب من الخدمة العسكرية الإلزامية أو بسبب مواقفهم المعارضة للنظام. فيما يزيد الواقع الاجتماعي والاقتصادي في سوريا من صعوبة العودة الطوعية للاجئين، خصوصا أن معظم المناطق التي هربوا منها إما دمرت بالكامل أو استحوذ عليها نازحون داخليون آخرون، أو صودرت عقاراتهم وأراضيهم من قبل النظام السوري بموجب قوانين الاستملاك التي أصدرها.
  2. أما من جهة المجتمع الدولي فإنه مصر على حل سياسي للصراع في سوريا كشرط لتقديم الدعم المالي لإطلاق عملية إعادة الإعمار، مما يضعف فعالية تدخلاته لحل الأزمة. فحتى اليوم، وفي إطار برنامج التعافي المبكر Early Recovery Programs، اقتصر تدخل المجتمع الدولي على مشاريع إعادة التأهيل في المناطق السورية المأهولة بالسكان حصرا. وإزاء هذا الواقع، تبرز عدم قدرة المجتمع الدولي على تقديم أي حل بديل للاجئين عدا عن توفير المساعدات لهم في لبنان واعتماد سياسة تكريس الأمر الواقع.

أما في مقاربة الحلول، فوجدت المنظمة أنها تقع أيضا بالتعامل مع ثلاث جهات، للوصول إلى خلاصة مرضية، بداية مع النظام السوري، والتعاطي معه وفق نهج منظم، على عكس السائد حاليا، أي بعدم تجاهل مسؤوليته حيال هروب السوريين، وانتزاع التزامات منه وإنهاء الوجود العسكري للقوى السياسية اللبنانية الحليفة للنظام السوري وعلى رأسها حزب الله، في مناطق واسعة من سوريا لا سيما الحدودية. الضغط على النظام السوري من أجل انتزاع التزامات جدية تضمن إزالة كل العوائق أمام العودة، لا سيما عبر حل إشكالية التهرب من الخدمة العسكرية، ووقف التعامل من الزاوية الأمنية، وضمان استعادة اللاجئين للأراضي التي هجروا منها أو تمت مصادرتها في غياب مالكيها.

ثانيا، وفي العلاقة مع الدول العربية، ضرورة الوصول إلى اتفاق يضمن عودة اللاجئين بدعم عربي مالي وسياسي، بتكثيف التحرك الدبلوماسي تجاه الدول العربية، العمل على انضمام لبنان إلى الأطر العربية المنبثقة عن لقاء عمان التشاوري، والحصول على التزام الدول العربية بالمساهمة في جهود إعادة الإعمار، وتطوير التعاون السياسي والتقني ومأسسته مع الأردن.

وثالثا التركيز على الحاجة إلى تدخل أكثر فاعلية من المجتمع الدولي.

مقاربة مركبة

وإن كانت الورقة البحثية المتضمنة على توصيات، قد ناقشت بعملية وبحيادية ملف اللاجئين السوريين من زاوية لبنانية بحتة وعبّر المنظمون على انفتاحهم لتوصيات لبنانية وسورية – معارضة، فإنها حملت تناقضات في صلبها، بداية باعترافها أن الأسد لا يريد عودة اللاجئين، لكنها لاحقا اعتبرت أن فتح قنوات تواصل منظم بين حلفائه الذين يتحملون المسؤولية أيضا هي جزء من الحلول العملية.