مراحل تشكل الدولة السورية (1)

تاريخ النشر: 24.12.2020 | 23:27 دمشق

فاطمة ياسين

غادر جيش محمد علي بلاد الشام عام 1840، إثر معاهدة دولية اشتركت بها الدول الكبرى، أرادت منها كبح جماحه، وضبط طموحاته التوسعية، وإعادة أملاك الدولة العثمانية التي دخلت طور المرض الجغرافي والسياسي فصار سهلا التحكم بأملاكها أكثر مما لو بقيت المنطقة تحت سلطة محمد علي.

عمدت السلطات العثمانية إلى تغيير إداري شمل ولايات السلطنة كلها ومن ضمنها بلاد الشام، أرادت من هذا التنظيم أن تزيد من سيطرتها على الأقاليم التي تملكها، وخاصة بلاد الشام التي وقعت بالفعل تحت احتلال دام حوالي تسع سنوات ولم يخرج إلا بعد تدخل الدول الكبرى.

تأخر إصدار قرار التنظيم الإداري حتى العام 1864، وكان التنفيذ كسولا وبطيئا فامتد عدة سنوات. الهدف الحقيقي من هذا التنظيم هو جعل الحكم مركزيا وتخفيف سلطة الولاة لصالح السلطة المركزية في العاصمة، وكانت السلطات الممنوحة للوالي واسعة فيمكن أن يعقد اتفاقيات ومعاهدات وقد يشن حروبا صغيرة وهذا ما ساعد محمد علي على دخول بلاد الشام بعد أن اتفق مع بشير الشهابي أمير جبل لبنان.

ورث الحكمُ العثماني بعد استرجاع بلاد الشام أسلوبَ الحكم المركزي الذي طبقه بنجاح إبراهيم باشا والي محمد علي على البلاد التي انتزعها من الدولة العثمانية، فقد قسم الإقليم إلى وحدات إدارية صغيرة على مستوى المدن ووضع على كل وحدة حاكما بصلاحيات محدودة ثم ربط الجميع به شخصيا.

أبقى العثمانيون على بعض تسميات التقسيمات الإدارية القديمة ولكنهم حركوا الخطوط التي تفصل حدودها كثيرا أو قليلا، وبقيت كذلك التقسيمات الأدنى كالقضاء والسنجق والمتصرفية والناحية، مع تغيير اعتماد تسمية "الولاية" بدلا من "الإيالة" التي كانت سائدة سابقا، وألحقت بهذا التغيير الإداري نظاما مركزيا للحكم فطغت شخصية السلطان على شخصية الولاة المحليين وأصبح النظام الذي يدير الولاية يكفل للمركز الهيمنة على كل مرافق العمل الحكومي، وبدا الفرق جوهريا في اختصاصات الباشا الذي كان يناط به حكم المتصرفية أو الإيالة في القرن السادس عشر، وبين الوالي الذي وضع في ذات المنصب مع منتصف القرن التاسع عشر، فصارت معظم القضايا تتطلب الذهاب إلى الأستانا لحلها.

ونتيجة لطغيان المركز خيم ظل السلطان عبد الحميد على الولايات ودار اسمه بسرعة أكبر وباحترام ورهبة واسعين، وأصبح اسم عبد الحميد يُتداول كسرٍ عسكري أو نص مقدس، فيروي يوسف الحكيم في كتاب سوريا والعهد العثماني، أن شخصا يدعى عبد الحميد أفندي زريق عين كاتب عدل في اللاذقية بقرار من اللجنة العدلية، فورد التصديق على تعيينه من وزارة العدلية باسم حامد أفندي زريق بدلا من عبد الحميد، فصحح المذكور اسمه بالشكل الذي صدق عليه وعاش بقية حياته تحت اسم حامد بدلا من عبد الحميد! كان هذا النوع من التعاملات واردا حتى لا يساء استعمال اسم السلطان الذي تمضي الأمور كلها به.

ولاية سوريا

ظهر اسم ولاية سوريا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في الحوليات السنوية (سالنامات) التي كانت تصدرها الحكومة العثمانية، وكانت تدون فيها أسماء الموظفين الكبار في الولاية، وتحت اسم ولاية سوريا العثمانية كانت تندرج سناجق ومتصرفيات وأقضية، تمتد من دمشق إلى بيروت، وجنوبا إلى حوران وتتوقف في الشمال عند حماة، فقد كانت حلب ولاية عثمانية منفصلة، وتصدر باسمها سالنامة مختلفة.

تعرضت ولاية سوريا خلال الخمسين سنة الأخيرة من الحكم العثماني إلى تغيرات كثيرة فانتزع منها أقضية ومتصرفيات وأضيف لها وحدات إدارة مختلفة، كانت القرارات الإدارية حينها تخضع لظروف تغيير المتصرفين وحكام الأقضية العثمانية، فقد كانت أحيانا تعزل متصرفا لتضم متصرفيته إلى واحدة مجاورة مما يستدعي تعديلا جغرافيا، أو تزداد أهمية قضاء أو متصرفية فيعزل بشكل مستقل كما حدث لكل من بيروت والقدس، لذلك لم يكن اسم ولاية سوريا يعبر بالفعل عن سوريا المعروفة حاليا، فقد كانت أراضيها موزعة على ثلاث ولايات هي ولاية سوريا وولاية حلب وولاية بيروت، وكانت بعض مدنها الصغيرة وقراها ملحقة بكل من قضائي القدس ودير الزور، وفكرة سوريا الحالية لم تكن فكرة واضحة في أذهان من قام بالتنظيمات الإدارية الأخيرة في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، فكان التقسيم يخضع لتوازنات جغرافية وعسكرية ومالية أيضا.

أما ولاية حلب فقد كانت من أبرز الولايات العثمانية لقربها من مركز العاصمة، وموقعها الذي يعتبر مدخلا لولايات السلطنة الجنوبية، فقد كان النفوذ المركزي عليها أكبر وقد قسمت بموجب التوزيعات الإدارية المذكورة إلى ستة ألوية ثم نقصت قليلا بحسب التطورات السياسية المرافقة، كما تغير وضع دير الزور التي أصبحت لواءً أُلحِق بحلب وفصِل عنها خلال الفترة الأخيرة من حياة الدولة العثمانية، ولكن ولاية حلب استقرت منذ 1884 على ثلاثة ألوية هي حلب وأورفة ومرعش، وفصل عنها لواء مرعش في العام 1910، لتستقر على لواءين حتى انتهاء العهد العثماني ودخول القوات البريطانية والفرنسية وقوات الشريف حسين.

كانت مساحة ولاية حلب شاسعة في بداية التقسيم الإداري وشملت في قسم كبير منها الأراضي التركية، وقد وجدت السلطات العثمانية صعوبات عديدة في إدارتها فكانت في كل مرة تعمد إلى تقليص حجمها أو زيادته قليلا حتى غدت عند خروج العثمانيين تشتمل على حلب الحالية ولواء مرعش.

مقالات مقترحة
حصري: شحنة سلاح إيرانية مفقودة في دير الزور تثير جنون إسرائيل
انكماش الاقتصاد الأردني يزيد الضيق على العمال السوريين 
مسؤول الحرس الثوري في دير الزور يصل العراق للقاء ضباط إيرانيين
"الأجسام المضادة الفائقة".. اكتشاف واعد لمكافحة فيروس "كورونا"
لبنان يقر قانوناً لشراء لقاح "فايزر" لا يحمل الشركة أي مسؤولية
مطار حلب يستقبل أول طائرة من بيروت بعد تعليق العمل بسبب "كورونا"