متى نحكم بسلامة العلاقات أو سمّيتها؟

2023.07.11 | 06:26 دمشق

متى نحكم بسلامة العلاقات أو سميتها؟
+A
حجم الخط
-A

ينشأ أحدنا صغيراً وعيونه متعلقةٌ بأمه وأبيه ومن حوله، وكلما اتسعت أحداقه ازدادت علاقاته، ومع الأيام تصغر تلك الدوائر القريبة وتتسع البعيدة، فلا يبقى للوالدين-وهم أقرب الأقربين-إلا جزءٌ صغيرٌ في قلبه بعد عمر الثلاثين، إلا أن قلةً من الناس من يدرك السير على حبل العلاقات كي يتوازن وإن تأرجح فلا يسقط.

وإن مهارة الحفاظ على التوازن في العلاقات تحتاج إلى دُرْبة وحنكة، ولا يخضع الأمر للمصلحة وحسب، بل لا بد أن يمتد إلى أكثر من ذلك، فلا يمكن لصديق أو عزيز أو حتى قريب، أن يسدّ كل الاحتياجات، فلكل إنسان ميزةٌ وبصمة خاصة لا بد أن يدركها ويحافظ عليها.

إذن سرّ اللعبة يكمن في القدرة على الإمساك بجميع الخيوط مرة واحدة، تحكي السيدة (س، ق) قصتها وهي مطلقة منذ سنتين، وتقول:

كنت أعتبر صديقتي بيت سري، وأبثها كل أسراري بل أكثر من ذلك، أدخلتها بيتي وعرّفتها بكل تفاصيل حياتي، لم أظن يوماً بأن ما بيننا يمكن أن ينتهي يوماً، حتى انقطعت أخبارها عني فجأة، وغيرت رقمها في الوقت نفسه، لم أنتبه للأمر بداية، حتى أتاني ذلك الهاتف الذي زلزلني من فاعل خير (زوجك تزوج عليك) وبعد البحث علمت أنها صديقتي.

هذه الحادثة وسواها كثير مما يردنا في مكاتبنا الاستشارية، يجعلنا في حالة توجس دائم، وحذر لا ينتهي من أي تطرف في أي علاقة، بل ويضع كل العلاقات تحت المجهر، لئلا يسقط أحدٌ في فخ العلاقات السامة.

ربما كان بعضهم محقاً في تجنّب كثير من الناس، خشية الأذية أو مخافة تكرار الخيبة، أو حتى خجلاً أو حرصاً، لا أرى في ذلك عيباً، إلا أن ذلك لا يصلح إلا بحال الحفاظ على القدر الذي يسمح للمرء باستمرار التعايش الاجتماعي

يقف السيد (ع/ ل) كثيراً في أثناء سرده لقصته الصعبة، فيقول:

لم أكن لأشكّ به إطلاقاً، فقد كان مهتماً بي دوماً ويرشدني إلى طرق جديدة في الاستثمار، لكني كنت دوماً في حالة غضب وتوتر كلما التقيته، استمرت علاقتنا كشريكين في العمل قرابة سنتين، حتى قرأت عن العلاقات السامة وأوصاف تلك الشخصيات، وبدأت أبحث عن سبب ضيقي في التعامل مع شريكي، وبالفعل وجدته يلومني في كل مرة أحادثه فيها، وينسب كل خسارة لجهلي أو قصوري في التعامل مع التجار، بل ويتعالى عليَّ في حديثه، على الرغم من أني كنت متأكداً مما يحدث، ولكني كنت أبرر له ذلك دوماً لأنه رجل جامعي وأنا ابن السوق فقط، لقد نجح في هزّ ثقتي بنفسي واستمر في الإنقاص من قدري، والتقليل من شأني أينما كنت، وأنا سعيد جداً الآن بعد فضّ الشراكة وإبراز شخصيتي الحقيقية في العمل.

ربما كان بعضهم محقاً في تجنّب كثير من الناس، خشية الأذية أو مخافة تكرار الخيبة، أو حتى خجلاً أو حرصاً، لا أرى في ذلك عيباً، إلا أن ذلك لا يصلح إلا بحال الحفاظ على القدر الذي يسمح للمرء باستمرار التعايش الاجتماعي، والخوض ببعض التجارب التي تعلمه أول مبادئ الانخراط الإنساني المطلوب.

والسؤال: ما الأدوات اللازمة للخوض في العلاقات بشكل متوازن، من دون التعرض للخيانة أو الغدر أو الاستصغار أو المهانة؟

للجواب عن هذا السؤال علينا أولاً أن ندرك ذواتنا ككائنات اجتماعية، ومدى حاجتنا الفعلية للآخرين، فإننا إن تعمّقنا في جذور العلاقات، فسنجد أن بعضها يصل إلى المراحل الأولى من الطفولة، فربما نشأ الطفل منا مهمَلاً، بعيداً عن ثدي أمه ورحمة أبيه، أو أنه عانى من التفرقة بينه وبين إخوته، أو أنه -بحكم أنه الكبير-قد تحمّل مسؤوليات أكبر من عمره، فغدا رجلاً أو امرأة وهو بعمر صغير، أو...

الأسباب كثيرة ولكن لا بد من معرفة الدافع الحقيقي من وراء حاجتنا الحقيقية لوجود كل شخص بحياتنا، بعبارة أخرى (ما الذي سيكونه هذا الشخص بالنسبة لي؟ وما الذي سيضيفه وجوده لي؟ وما الذي سأمنحه إياه؟)

إن الجواب عن هذا السؤال العريض الفادح الفاضح سيضبط العلاقات ويغربلها، ويمنحنا كثيراً من الحرية في أن نختار أن يكون بقربنا، ولا ننسى أن بعضاً من تلك العلاقات هو حاصلٌ لا محالة، بحكم القرابة أو زمالة العمل، فلا حلَّ إلا في تأطير أي علاقة مزعجة، وتحجيم تأثيرها على شخصياتنا قدر الإمكان، فلا نسرف في التواصل والتماهي في الآخر ولا نغلق الأبواب فنقطع من يجب وصله.

فأول ضابط للعلاقات السليمة: معرفة القدر المناسب للآخر، ووضعه في المكان الأصلح لنا وله، فلا إفراط ولا تفريط.

وأما الضابط الثاني لتجنب الأذية وكفّها، فهو الحذر من الاسترسال في فتح صندوق الأسرار الشخصية، فمن تجده اليوم صاحبك، ربما يصير عدوك يوماً ما لسبب ما، فاحذر أن تناوله السكين لغدرك.

ثالثاً: العبْ لعبة البينج بونج مع الجميع، فلا يمكن لأي علاقة أن تستمر أو تنجح إن اقتصرت على التفاعل من طرف واحد، فلا تتوقع من أحد أن يعطيك دوماً ما تريد من دون أن تقوم أنت بمبادلته الأخذ بالعطاء.

رابعاً: تنقطع كثير من العلاقات بسبب كثرة الشكوى واللوم والعتاب، فإن أردت الحفاظ على علاقتك بشخص ما فتجنب لومه في كل مجلس، وحاول أن تكون مصدر فرح له، وإن اضطررت للشكوى فقللّ منها قدر المستطاع، فالنفس تنشرح لمن يسرّ القلب ويبهجه.

خامساً: تجنب الفضول الذي يقحمك في زوايا حرجة، فلا تسأل عن شيء لا يخصك، ولا تُطْلق نظرك في عورات الآخرين، ولا تتبع أخطاءهم، فلا أحد يرغب في علاقة مع شخص بهذه الصفات.

سادساً: أتقن رسم الحدود وشدد الحراسة عليها، فلا تسمح لأحد أن يتجرأ عليك، وتعلم قول (لا) في الوقت والزمن المناسبين، فليس من المنطقي أن يكون جوابك دوما (نعم) فلا بد أن يكون لك حرية الموافقة أو لا على أي اقتراح أو عرض.

سابعاً: لا تكن مملاً، فالناس لا ترغب في مجالسة من يسرف في الحديث عن نفسه وإنجازاته وبطولاته، خفف من هذه الغطرسة، وحاول أن تُشْعر من أمامك بأنه شخص مهم بالنسبة لك، امدحه على ما تراه خيراً فيه، وتجنب النقد اللاذع أو التنقيص من شأنه، بل احرص أن ترسم الابتسامة على وجهه دوماً، من خلال حسن استقبالك له وجميل عشرتك، وتلطّفك بالكلام معه.

لا تظهر ضعفك، بل حاول أن تكون واثقاً بنفسك قوياً، فإن لم تستطع فتقمّص هذا الدور حتى تُتْقنه، فالقوي دوماً مقبول محبوب

ثامناً: ليس شرطاً لتنشيط أي علاقة قديمة أن يتغير الشخص ويصبح نسخة منك، ربما تختلفون في كثير من الخصال، هذا سيضيف لك آفاقاً جديدة من الخبرات فلا تبخل على نفسك وعلى غيرك بتقبّله، اقبله كما هو ولا تحرص على تغييره فأنت لست النسخة الأفضل.

تاسعاً: تغافل، هذا السرّ الذي يحصّن علاقاتك، ابدأ بأسرتك وأهلك وزملائك وجيرانك، درّب نفسك على ذلك، قال الإمام أحمد: تسعة أعشار حسن الخلق في التغافل.

عاشراً: لا تظهر ضعفك، بل حاول أن تكون واثقاً بنفسك قوياً، فإن لم تستطع فتقمّص هذا الدور حتى تُتْقنه، فالقوي دوماً مقبول محبوب، فلا تكشف كل الأستار للناس، دع لنفسك ركناً معتماً تخبّئ فيه عيوبك، ولكن لا تتبجح وتسرف باستظهار القوة فتنقلب اللعبة عليك.

في الحقيقة لا أحد منا كامل، علينا أن نعترف بذلك، ولكن في الوقت نفسه علينا أن نحذر من جذب أشخاصٍ سامّين لحياتنا، أو أن نقع في فخ أي علاقة خاسرة، فإن تكرر الأمر مراراً ولم نجد لذلك سبباً، فغالباً الأمر يعود في جذوره للطفولة الأولى، أو بسبب شروخ نفسية عميقة أحدثتها صدمة ما، فلا بد من استشارة مختص لتجنب مزيدٍ من الخسائر، ولتكون لك الحياة التي تستحقها.