ماذا يعني اكتشاف تركيا لمصادر محلية للطاقة؟

تاريخ النشر: 20.08.2020 | 18:23 دمشق

آخر تحديث: 20.08.2020 | 19:29 دمشق

إسطنبول _ فراس فحام

أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في التاسع عشر من شهر آب الجاري أنه سيزف بعد أيام بشرى للشعب التركي "تزن حجم أحلام الأمة"، وأن تركيا ستدخل مرحلة جديدة بعد الإعلان عن البشرى.

وكالة "بلومبيرغ" نقلت عن مصادر تركية تأكيدات بأنه تم اكتشاف مصادر كبيرة للطاقة في منطقة البحر الأسود، ورجحت الوكالة أن يكون المكتشف هو حقولاً للغاز الطبيعي.

وتحدثت مصادر تركية شبه رسمية عن اكتشاف حقلين للغاز من النوعية الجيدة، الأول قرب منطقة "تونا1" والثاني قبالة سواحل "قي كوي" في منطقة "كيركلار إيلي" على البحر الأسود.

اكتشاف تركيا لمصادر الطاقة (النفط والغاز) سيكون له انعكاسات مهمة ومباشرة على صعيد الاقتصاد الوطني، وسيترك أثراً ملحوظاً على السياسات الخارجية التركية والقرارات السيادية.

 

تعديل الميزان التجاري

تبلغ الاحتياجات التركية من النفط سنوياً قرابة 42 مليون طن، لا تنتج منها تركيا محلياً سوى 2.5 مليون طن يتم استخراج غالبها من حقل في ولاية "باتمان"، في حين تحتاج السوق المحلية التركية ما يقارب 50 مليار متر مكعب سنويا.

ويصل الإنفاق السنوي التركي على استيراد النفط والغاز إلى 45 مليار دولار سنوياً، الأمر الذي ينعكس سلباً على الميزان التجاري ويجعله خاسراً بمقدار يتراوح بين 3 و 6 مليارات دولار سنويا.

العثور على مصادر الطاقة بما يضمنه من سد نسبة من احتياجات السوق المحلية التركية التي تشهد ازدهاراً للصناعات، سيكون من شأنه تقليل الإنفاق على الاستيراد، وبالتالي التقليل من إخراج عملة الدولار الأميركي من التداول داخل أسواق المال التركية، وهذا سينعكس إيجابياً على قيمة العملة المحلية وعلى الميزان التجاري عموماً، على اعتبار أن زيادة الوفرة من عملة الدولار سيوازن بين العرض والطلب على هذه العملية ويؤدي للمزيد من الاستقرار في أسعارها.

 توفر الطاقة بالنسبة لأي بلد صناعي قضية مهمة، لأن من شأن ذلك أن يزيد من سرعة عجلة التصنيع، وبالتالي رفع نسبة الصادرات إلى البلدان الأخرى والحصول على مزيد من العملات الأجنبية التي ستعزز الاقتصاد عموماً، في ظل تراجع نسبة الواردات بما فيها احتياجات الصناعة للنفط والغاز.

 

استقلالية القرار التركي

 قضية اعتماد تركيا على المصادر الخارجية لتأمين الطاقة (الغاز – النفط) ظهرت نتائجها السلبية بشكل واضح بعد عملية إسقاط الطائرة الحربية الروسية قرب الحدود التركية مع سوريا آواخر عام 2015، والقطيعة التي وقعت بين البلدين على خلفية الحادثة، حيث تضررت تركيا بشكل كبير نتيجة اعتمادها على روسيا في توفير 50 المئة من احتياجات السوق المحلية من الطاقة.

منذ ذلك الحين اتجهت تركيا لتنويع مصادر الطاقة وتخفيف الاعتماد على جهة واحدة، وقد استطاعت مع حلول عام 2019 أن تخفض استجرار الطاقة من روسيا ليصل إلى 35 في المئة من إجمالي الحاجة الكلية، حيث اتجهت أنقرة لأذربيجان خاصة في توفير الاحتياجات من الغاز الطبيعي.

وتعتمد تركيا في تأمين احتياجاتها من الغاز على خطين أساسيين، الأول هو خط "تاناب" القادم من أذربيجان باتجاه أوروبا مروراً بالأراضي التركية، والثاني هو خط السيل التركي القادم من روسيا الذي تحصل تركيا بموجبه على أسعار غاز مخفضة من روسيا كمقابل تمريره إلى أوروبا عبر الأراضي التركية.

إن اكتشاف مصادر طاقة محلية في تركيا سيخفض حاجة تركيا للدول الأخرى وخاصة روسيا، الأمر الذي سيمنح أنقرة استقلالية أكبر في السياسات الخارجية، إذ إن روسيا تعتمد بشكل واضح على التحكم في مصادر الطاقة الواصلة إلى كل من أوروبا وتركيا من أجل التأثير في سياسات الطرفين.

ستساهم المصادر المحلية المكتشفة في دعم إستراتيجية أنقرة القائمة على التحول إلى دولة محورية في توزيع الطاقة لبلدان العالم وخاصة دول الاتحاد الأوروبي، وهي إستراتيجية يعمل عليها الحزب الحاكم منذ عام 2010، والمحصلة أن التأثير التركي على الصعيد العالمي سيزداد.

أهمية الاكتفاء الذاتي في مجال الطاقة وانعكاسه على الاستقلالية في السياسيات هو ما يفسر تحركات تركيا في منطقة شرق المتوسط الغني بالثروات، والتحالف الذي عقدته تركيا مع حكومة الوفاق الوطني الليبية، وتوجه صانع القرار التركي إلى عقد شراكات مع المؤسسة الوطنية الليبية للنفط، بالإضافة إلى تحركات تركيا في شمال إفريقيا والاتفاقيات التي عقدتها أنقرة مع بلدان إفريقية مثل النيجر.

خلاصة القول: عثور تركيا على مصادر الطاقة ( النفط – الغاز) سيكون له آثار إيجابية في سياق دعم الاقتصاد الوطني وزيادة ثقة المستثمرين في السوق التركية، بالإضافة إلى مزيد من ازدهار الصناعة وحركة التصدير، ويشكل خطوة جديدة في إطار الرؤية التركية القائمة على التحول إلى دولة مركزية في مجال توزيع الطاقة على الدول الأخرى، لكن هذا كله يواجه تحديدات حقيقية أولها عدم وضوح حجم الموارد النفطية والغازية على الأراضي التركية، بالإضافة لمواجهة أنقرة تحديا كبيرا في تحركاتها بمنطقة شرق المتوسط، ويتمثل في معارضة كل من فرنسا وإسرائيل واليونان ومصر وقبرص الرومية لتلك التحركات.