ماذا لو انتقلت الحرب إلى داخل أرمينيا؟

ماذا لو انتقلت الحرب إلى داخل أرمينيا؟

ماذا لو انتقلت الحرب إلى داخل أرمينيا؟
04 تشرين الأول 2020

ما يدور اليوم على جبهات القتال الأذرية الأرمنية يختلف عن المناوشات والخروقات الكلاسيكية السابقة التي لم تشهد أي تقدم أو إعادة تموضع وانتشار جغرافي حقيقي للطرفين.

لغة التصعيد والحرب والاحتمالات المفتوحة على أكثر من سيناريو هي التي تهيمن على الجبهات العسكرية والسياسية بين باكو ويريفان في هذه الآونة. العمليات العسكرية تدور داخل الأراضي الأذرية المحتلة من قبل الجيش الأرمني منذ 3 عقود.

يقول الرئيس الأذري إلهام علييف "ليست لدينا أهداف عسكرية داخل أراضي أرمينيا". لكن لا ضمانات أنه سيبقى عند كلامه إذا ما خرجت الأمور عن السيطرة واشتعلت كل الجبهات. الهدف المعلن لباكو هو طرد هذه القوات بعدما فشلت القوى الإقليمية والدولية عن قصد أو دون قصد في تطبيق القرارات الأممية المطالبة بانسحاب القوات الأرمنية من أذربيجان وإقليم قره باغ. لكن الهدف غير المعلن قد يكون نقل العمليات العسكرية إلى داخل أرمينيا نفسها خلال الأيام القليلة المقبلة إذا ما تمسكت يريفان بخيار المواجهة العسكرية وأصرت على إبقاء جنودها داخل الأراضي الأذرية. ما الذي ستفعله وتقوله عندها العديد من العواصم التي تتابع هذا الملف عن قرب وتستغله منذ سنوات كأوراق ضغط وابتزاز لحماية المصالح في جنوب القوقاز؟

روسيا الطرف الأكثر تأثراً بما يجري في أحد أهم المناطق الحيوية بالنسبة لها، تحاول البقاء على مسافة واحدة من الدولتين. لكن موسكو المرتبطة باتفاقية دفاع عسكري مشترك مع أرمينيا تعرف أن هناك التزامات ينبغي احترامها إذا خرجت الأمور عن السيطرة وقررت القوات الأذرية استهداف الأراضي الأرمنية

بقدر ما يسعى الجيش الأذري لاسترداد أراضيه المحتلة منذ 26 عاما، بقدر ما هناك مساع وجهود لعواصم عربية وغربية جنبا إلى جنب مع طهران وموسكو تبذل للاصطفاف إلى جانب يريفان

مباشرة للضغط على يريفان. إما أن تتحمل موسكو نتائج بروز سيناريو استهداف القوات الأذرية للعمق الأرمني ردا على التعنت الأرمني وأن تتحمل نتائج اتساع رقعة المواجهات وتحولها إلى أزمة إقليمية أكبر تحاصر روسيا وتضعف نفوذها في القوقاز، وإما أن تتحرك لوقف المعارك والاصغاء إلى ما تقوله وتريده باكو في مطلب سحب قوات الاحتلال الأرمنية من أراضيها.

بقدر ما يسعى الجيش الأذري لاسترداد أراضيه المحتلة منذ 26 عاما، بقدر ما هناك مساع وجهود لعواصم عربية وغربية جنبا إلى جنب مع طهران وموسكو تبذل للاصطفاف إلى جانب يريفان وأداتها في إقليم قره باغ وللدفاع عن الاحتلال وتبريره أو تجاهله عبر محاولة تحويل الأنظار نحو مكان آخر. ما الذي يجمع هذه التركيبة العجيبة للدفاع عن "الحق" الأرمني في مواصلة احتلاله لأرض أذرية؟ الخوف من التنسيق بين أنقرة وباكو ونجاح تركيا في حماية مصالحها ونفوذها في جنوب القوقاز والتحرر من أعباء الالتزام بروسيا في ارتهان الطاقة، والتقارب التركي الألماني في مشاريع نقل الغاز وتحول تركيا إلى لاعب أساسي في خطط التجارة الصينية وخط الحرير التي سيكون للقوقاز الموقع والدور المهم فيها.

ليس صدفة أن نرى فرنسا وروسيا ورامي عبد الرحمن الممول خليجيا يعطون إيران وأرمينيا ما يريدانه في مقولة المرتزقة السوريين الذي تنقلهم تركيا إلى جبهات القتال في إقليم قره باغ وأن لا يكون لهم معرفة بخطوط الإمداد والإسناد الذي تشرف عليه القيادة الإيرانية بالتنسيق مع حزب الله عبر جسر بيروت – دمشق – يريفان لتسهيل نقل المئات من المقاتلين الأرمن ومجموعات حزب العمال ومسد إلى قره باغ؟ هل كانت تل أبيب ستسمح بانتقال "الجهاديين" السوريين إلى جبهات القتال والدفاع عن أذربيجان التي تنسق معها استراتيجيا والتي هي أصلا لا تحتاج إلى هذا النوع من الدعم بسبب الفوارق الكبيرة في القدرات القتالية والعسكرية والبشرية بالمقارنة مع الجيش الأرميني؟  

مشكلة أذربيجان هي أن أرمينيا تحتل أكثر من خمس أراضيها وتتحمل مسؤولية تهجير مليون مواطن من بيوتهم وترفض تنفيذ قرارات الأمم المتحدة الداعية لانسحابها من المناطق التي تحتلها. لكن مشكلة أذربيجان الأكبر هي وجود ثلاثي دولي يتحرك على طريقة "حاميها حراميها" يقدم نفسه باسم "مجموعة مينسك" التي تجمع باريس وواشنطن وموسكو كقوى يفترض أن مهمتها هي دعم الحوار وتسهيله في قره باغ، فتحولت إلى داعم وممول ومشرف على الجيش الأرميني لتسهيل مواصلة احتلاله للأراضي الأذرية. لو قام التكتل الثلاثي بالمطلوب منه منذ سنوات وأنهى النزاع لما كان بحاجة إلى ذرائع المرتزقة الذين دخلوا على خط الأزمة للتغطية على فشله.

ما يقلق ماكرون وترامب وبوتين هو ليس المرتزقة حتما بل علاقاتهم بالدياسبورا الأرمنية التي يحتاجونها داخل بلدانهم وهاجس التمدد التركي في جنوب القوقاز وتسجيل أنقرة لاختراق استراتيجي يقلب معادلاتهم وحساباتهم هناك رأسا على عقب.

الذي أغضبهم ربما أن تتحول الصدفة التي جمعت أنقرة وتل أبيب على أبواب باكو واحتمال تحولها إلى مصالحة وتطبيع تركي إسرائيلي ينهي سنوات الخصومة والقطيعة؟ طهران مثلا تتذرع بالتمدد الإسرائيلي في أذربيجان واحتمال بناء قواعد عسكرية إسرائيلية قريبة من حدودها لكنها تنسى المفاوضات القائمة بين حلفائها في لبنان وإسرائيل عبر الوساطة الأميركية لترسيم الحدود البحرية بين البلدين. خسرت طهران "شيعة" أذربيجان لصالح أنقرة بعدما لعبت ورقتهم بشكل خاطئ ولسنوات طويلة دفعها لدعم يريفان سياسيا وعسكريا دون تردد فهل ستنقذها التظاهرات الأذرية التي نظمها البعض في المدن الإيرانية دعما لإخوتهم في أذربيجان؟

رفعت تركيا وأذربيجان في الأعوام الثلاثة الأخيرة تحديدا من مستوى التنسيق العسكري واللوجستي الذي توج بعقود واتفاقيات غازية جديدة وتفاهمات على إرسال المسيرات التركية والصواريخ المتوسطة المدى الحديثة للجيش الأذري لحسم التفوق العسكري تماما لصالحه. الخيار الأضمن بالنسبة إلى موسكو يتمثل إذا في إقناع أرمينيا بسحب جنودها من الأراضي الأذرية بدلا من استمرار حالة اللا حرب واللا سلم والإبقاء على الوضع القائم الذي يعرض علاقتها بأنقرة وتل أبيب وألمانيا للخطر. إلا إذا كان الكرملين سيتبنى الخيار الأصعب وهو الدخول العسكري المباشر على خط النزاع لردع الطرفين.

مقالات مقترحة
"حماية المستهلك" تحدد أسعاراً جديدة للخبز وللطحين
ناقلة نفط إيرانية ثالثة تتجه إلى سوريا و"أدريان داريا 1" تغادر
تفكيك "أقفاص الدور" أمام أفران ابن العميد بدمشق (صور)
337 إصابة جديدة بكورونا شمال غربي سوريا معظمها في إدلب
إصابات ووفيات جديدة بكورونا في مناطق سيطرة النظام
ألمانيا.. إغلاق المنشآت الترفيهية لـ احتواء موجة كورونا الثانية