ليس انتصاراً لمشروع.... إنه تدمير للبلد

ليس انتصاراً لمشروع.... إنه تدمير للبلد

الصورة
10 كانون الثاني 2019

يتهافت العائدون لحضن بشار الأسد اليوم تهافت الذباب، وكأنهم يتلهفون ليحققوا له مقولته التي أطلقها بعد قطع العلاقات مع نظامه، وتعليق عضوية سوريا في جامعة الدول العربية، التي ادعى فيها أنهم سيعودون متقاطرين، بعد أن وصفهم بأشباه الرجال، وها هي أشباه الدول تعود تحت يافطة بائسة مفادها الحضور العربي والحد من النفوذين الإيراني والتركي في سوريا، ولكنّ الحقيقة التي يصعب حجبها أن لدى تلك الأنظمة الاستبدادية من التقاطعات والمصالح، ما يجعلها ترضى باستمرار نظام الأسد الاستبدادي، فضلاً عن غاية أخرى هي الوقوف بوجه تركيا ودورها.

لا شك في أن التدخل الروسي أحدث تغيراً كبيراً لصالح النظام، حيث تمكّن إلى جانب الميليشيات الإيرانية من توجيه ضربات موجعة لقوات المعارضة العسكرية بشتى تلويناتها، فاستطاع استعادة حلب في نهاية عام 2016، فكان ذلك مقدمة نحو كسر باقي المناطق بعد حصارها، وخاصة الغوطة الشرقية، ومن ثم درعا مؤخراً، ساعده في ذلك تبعية الفصائل الإقليمية والدولية، وقد سبّب ذلك عمليات اقتتال داخلي راح ضحيتها المئات من المقاتلين، كما سبب إحباطاً كبيراً في الوسط الشعبي المعارض.

دمّر التدخل الروسي المدن والبلدات والقرى، حيث لم تخلُ منطقة ثائرة على النظام من آثار صواريخ وطيران روسيا، فكانت سوريا

ألحق التدخل الروسي والإيراني البلد كاملاً تحت هيمنتهما، فلم يعد للنظام من قرار مستقل، حتى قرار المشاركة بأية مفاوضات تخص سوريا، وصار مفهوم السيادة التي يدعيها النظام كالغربال

ميداناً لتجريب أسلحتهم واختبار قدراتها التدميرية، وهو ما صرح به المسؤولون الروس علناً وما يزالون، فالجزء الشرقي من حلب، والغوطة الشرقية ودرعا وقبل ذلك حمص، ما يزال شاهداً على مدى وحشية الروس، ناهيك عن التعامل الطائفي للميليشيات الإيرانية مع السكان المتبقين هناك، ومدى الظلم الذي يلحقونه بهم، أما التعذيب الذي يتعرض لهم المعتقلون في سجون النظام والميليشيات، فلا شبيه له حتى في أفلام الرعب.

ومن ناحية أخرى، ألحق التدخل الروسي والإيراني البلد كاملاً تحت هيمنتهما، فلم يعد للنظام من قرار مستقل، حتى قرار المشاركة بأية مفاوضات تخص سوريا، وصار مفهوم السيادة التي يدعيها النظام كالغربال، وما حادث زيارة بوتين لقاعدة حميميم عام 2018 وتعامل العسكريين الروس مع الأسد إلا مثال بسيط عن نظرتهم إليه، كما فرض الروس والإيرانيون اتفاقات طويلة الأمد في المجال العسكري والاقتصادي، ومن ذلك قاعدتا حميميم الجوية، وطرطوس البحرية، واستثمارات الغاز والفوسفات، ناهيك عن احتكار الشركات لمشاريع إعادة الإعمار.

هذا هو الانتصار الأسدي الذي تقصده وفود المباركين: بلاد مدمرة ومستباحة، وشعب مهجر ونازح، ومئات آلاف المعتقلين والمختفين قسراً، وملايين المنازل المدمرة، ومئات آلاف الأيتام والأرامل والمعاقين والأميين. هو ذا الانتصار الذي تبني عليه أشباه الدول خططها بالعودة إلى نظام دمشق واحتضانه!

لم يقتصر الأمر على الدول، بل تعدّاه ليصل إلى بعض المثقفين والمحللين القابعين تحت راياتها، ناهيك عن المحللين والباحثين "الموضوعيين"، الذين يعتاشون على موائدها، فالسيد المحاميد، وهو شخصية كانت محسوبة على المعارضة، وشغل لفترة نائب رئيس هيئة التفاوض، يصرح بأن قرار مقاطعة سوريا كان بالأساس خاطئًا، ومن الضروري عودة سوريا إلى الحضن العربي، ورفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على الشعب السوري، لكون هذه العقوبات زادت من معاناة الشعب السوري، سواء من هم داخل الوطن أو المغترب السوري، كما لا ينسى أن يبارك خطوة إمارات بن زايد بإعادة فتح السفارة في دمشق على أنها خطوة في الاتجاه الصحيح، وسوف تتبعها دول عربية أخرى، وأن عودة سوريا إلى جامعة الدول العربية يساعد في الحل السياسي، وإبعاد الهيمنة الإقليمية لتركيا وإيران، وذلك في انقلاب واضح وصريح على ما كان يدعيه بتمثيله لمطالب السوريين التي لم يتحقق منها شيء.

 أما السيد عمار وقاف، فليس غريباً عنه، وهو سليل النظام وممن استفادوا من فساده وسياساته الطائفية التمييزية، لكنه ربما يبدو أكثر التزاماً وتماشياً مع موقفه منذ بداية الثورة، التي لم يعتبرها إلا جزءاً من اختلاف بين آراء السوريين حول قضايا اجتماعية، ومؤامرة لضرب الدولة السورية، أن يعلن مؤخراً أن المعركة كانت بين مشروعين، أحدهما انتصر..  والآخر انهزم، هكذا هو الأمر ببساطة، وعليكم أن تقروا بذلك.

أما المحلل السياسي والأستاذ الجامعي، فواز جرجس، الذي تكلم كثيراً على شاشات التلفزة، عن حق السوريين بنيل حريتهم والخلاص من الاستبداد الذي حكمهم طويلاً، وعدّ مراهنة النظام على الخيار العسكري أمراً كارثياً، يكتب تحت عنوان "دمشق وعودة العرب" قائلاً: "هل أدرك العرب دور دمشق المحوري في الاستقرار في الشرق الأوسط وأن الخطيئة الكبرى كانت في عزلها، بدلاً من احتوائها هذا الفراغ الذي تركه العرب وملأهُ الإيراني والتركي، أم أن المصلحة العليا بدأت تتطلب ذلك وخصوصاً مع توسع ظاهرة الإرهاب....."!

أما شاعر الحرية، سعدي يوسف، والمناضل الشيوعي، الذي ارتمى وحزبه مع الفصائل الطائفية في العراق، والذي عانى استبدادَ نظامه وفرّ ذات يوم إلى دمشق، فموقفه من الربيع العربي وثوراته معروف، بأن ثمة يداً أميركية وراءها، لكن أن يكتب مؤخراً أشياء لا يُمكن أن يُقال عنها إلا أنها تخاريف: أعلنت المصادر الرسمية في الجزائر العاصمة، أن هناك حشوداً في جنوبي الصحراء الجزائرية، مكونة من سوريين كانوا في حلب، تريد التسلل إلى الجزائر. وبعد صمود سوريا العروبة، وجيشها، الجيشِ العربي السوري، وهزيمة المرتزقة، ومن بينهم مرتزقة فرنسا، يرسل الجنرال برهان غليون فلوله من حلب إلى الجزائر عبر المحميّات الفرنسية جنوبي الصحراء.

بالتأكيد، استطاع التدخل الروسي ومعه الميليشيات الإيرانية وجيش النظام (وليس الجيش السوري) إحداث

من يبرر كل هذه الوحشية، ويبشر بإعادة تأهيل مرتكبيها بدلاً من السعي إلى تحويلهم لمحاكم تقتص منهم كونهم مجرمي حرب، ومرتكبي جرائم ضد الإنسانية، ليس إلا فاقداً لجزء من آدميته أو كلها.

تدمير لا نظير له في البلاد، وبالتأكيد أن مواقف الدول تتغير طبقاً لمصالحها، لكن أن ينبري من كان يدّعي التحليل السياسي الموضوعي، والمعارضة وعشاق الحرية، إلى مرحلة تبرير كل هذه البشاعة التي ارتكبها الغزاة والطغاة، فهو ليس تحليلاً خاطئاً، أو سوء تقدير أو موقفا تجاه قضية ما، إنه خيانة لأبسط مبادئ الإنسانية، وهو حق الحياة، فمن يبرر كل هذه الوحشية، ويبشر بإعادة تأهيل مرتكبيها بدلاً من السعي إلى تحويلهم لمحاكم تقتص منهم كونهم مجرمي حرب، ومرتكبي جرائم ضد الإنسانية، ليس إلا فاقداً لجزء من آدميته أو كلها.

نعم، يمكنكم تدمير المباني وسرقتها وقتل المزيد من البشر أو اعتقالهم، ولكن لا يمكن أن تُقنعوا السوريين بأن ينسوا الجرائم التي ارتكبها الغزاة، وقبلهم الطغاة، بحقهم، كما لا يمكنكم أن تسرقوا أحلامهم، فهي محقة وأخلاقية، وستظل أرواحهم وأنفاسهم تلعنكم، ما دمتم أحياء.  

شارك برأيك