لا يمكن لروسيا المساهمة في عالم متعدد الأقطاب

تاريخ النشر: 04.12.2022 | 05:03 دمشق

في العام 2018، وخلال القمة "الترمبوبوتينية" بين دونلاد ترامب، الرئيس الأميركي السابق، وفلادمير بوتين رئيس روسيا، في هيلسينكي، العاصمة الفنلندية، اعترف ترامب ببوتين بأنه منافس وندٌ عالمي! مؤكداً على النفوذ الروسي الكبير عالمياً، وتبرئة الاستخبارات الروسية من تهمة التلاعب بالانتخابات الأميركية. في حين اليوم يؤكد البيت الأبيض أن لا نية للرئيس الأميركي جو بايدن بلقاء بوتين ما لم يظهر الأخير نيته بإنهاء الحرب في أوكرانيا. فهل ثمة تبدل في الموقف من مكانة روسيا على خريطة القوة والنفوذ العالمي؟ وهل بإمكان روسيا فعلياً أن تساهم في بناء عالم متعدد الأقطاب؟

اتسم العالم في علاقاته الدولية في العقد المنصرم باتساع تداخلاته الحادة جيوبوليتيكياً: العولمة وفي قمتها المنفردة أميركياً في مقابل بروز الأوراسية وعلى مقدمتها روسيا، التنافس الصيني الأميركي تقنياً واقتصادياً، التهديد الروسي لأوروبا، وما بينهما أوكرانيا عسكرياً وتركيا سياسياً ومن خلفهما حلف الناتو... محاور متعددة يبدو أن القاسم المشترك بينها هو: سؤال الهيمنة العالمية، وإن لم يكن بكليته المنفردة، فالبحث عن موقع متقدم على خريطتها. فيما تتداخل المصالح الدولية، بحيث يصعب فك تشابكاتها وتزيد من حدة المخاوف في إمكانية تطور مواجهاتها من مواقع جزئية كما في سوريا أو أوكرانيا، إلى مواجهات شاملة دولياً.

محاولات روسيا بدءاً من العام 2014 في القرم، ومن ثم في سوريا عام 2015، لفرض معادلات جديدة على خريطة سيطرة القوة العالمية لليوم، لا تصطدم فقط بجدار حلف الناتو وقدرته على ترويضها ضمن إطار لعبة العولمة الدولية. بل بالطريقة الروسية المنفرة دولياً والمتسمة بالغطرسة والاستعداء للشعوب، والمعتمدة على ذراعي: الحرب المبنية على القوة العسكرية الكلاسيكية في التمدد وفرض الهيمنة وشروط التفاوض على الأرض على أثرها، والتهديد باستخدام السلاح النووي كعامل حاسم في المواجهات العسكرية، والذي تلوح به منذ بدء غزوها لأوكرانيا. في المقابل تظهر جميع المؤشرات الدولية في أن روسيا غير قادرة لليوم على فرض تفوق، أو نموذج مختلف عن سياسات العولمة الأميركية، خاصة في مجالي التقنية والسياسة الدولية.

تبرز المؤشرات التقنية بخلفيتها الاقتصادية مدى تنامي قوة أميركيا، وتليها الصين في ذلك، بينما روسيا متراجعة للمرتبة دون العاشرة عالمياً وفق مؤشرات النمو العالمي

ففيما كان انتصار روسيا عسكرياً برياً وكلاسيكياً في الحرب على الألمان، واستخدام القنبلة النووية الأميركية ومن خلفها دول الحلفاء، هي العوامل الرئيسة في حسم الحرب العالمية الثانية باتجاه عالم ثنائي القطبية، كانت السياسة الدولية تتشكل على محورين: اشتراكي ورأسمالي. قادر كل حلف على فرض امتداده العالمي، وتتشكل على أساسيه التحالفات القطبية الثنائية متباينة الطرق والتوجه، وتستطيع فرض شروطها العالمية كل طرف على الآخر، خاصة في مسائل النفوذ والهيمنة والتمدد في المحيط الحيوي، مع التزام الخطوط الحمر بينهما. فيما اليوم، وبعد انهيار الثنائية العالمية تلك، بات التطور التقني والمساهمة في تحديد مسارات السياسة الدولية العاملين الأكثر حسماً في تشكيل لوحة العالم في العصر الحديث. حيث تبرز المؤشرات التقنية بخلفيتها الاقتصادية مدى تنامي قوة أميركيا، وتليها الصين في ذلك، بينما روسيا متراجعة للمرتبة دون العاشرة عالمياً وفق مؤشرات النمو العالمي. والسؤال الذي يراود الجميع هل تمتلك روسيا طريقة في السياسة الدولية مختلفة عن سياسات العولمة الأميركية المتربعة على قمتها منذ ما يزيد عن أربعة عقود؟

في مقارنة بين نموذجي السياسة الروسية والأميركية تظهر نقاط الاتفاق في الغزو العسكري وفرض شروط هيمنتها. فبينما استخدمت أميركيا القوة العسكرية المباشرة في غزواتها في كل من أفغانستان والعراق والبلقان وغيرها، استخدمت روسيا الأسلوب العسكري ذاته في سوريا وأوكرانيا. ولكن اتضح الاختلاف بينهما في عدة نقاط أهمها:

  • الحسم السريع للمعارك العسكرية والسياسية أميركياً، بينما لم تتمكن روسيا لليوم من حسم معاركها، حتى في موقعة شبه خالية من قوى الند كسوريا، دامت معاركها فيها لما يزيد عن 7 سنوات ولم تستطع حسم نتائجها السياسية بعد، رغم تحقيق انتصارات عسكرية فيها. فكيف هي في أوكرانيا التي تمتلك كل مقومات الرد العسكري والتأثير السياسي؟
  • لم تقم أميركيا في غزواتها إلا بتجريد تحالف دولي خلفها، بينما تغامر روسيا في حروبها تلك منفردة، معتمدة على دول إقليمية واتفاقات مرحلية قابلة للتغير في تمددها، كما في اتفاقاتها الجزئية مع تركيا، ومحاولة فرض سياسة الأمر الواقع.
  • العامل الأكثر وضوحاً في السياسة الدولية، أن جميع الحروب الأميركية كانت بتفويض من مجلس الأمن الدولي، بينما حروب روسيا أتت بتقويض من مجلس الدوما الروسي، ولم تحضَ بموافقة دولية، بل برفض دولي واسع. وهذا المؤشر ذو معنى كاشف في السياسة الدولية. إذ كانت الحروب الأميركية عنوانا لفرض سياسات دولية على العالم بمرجعية شرعيته الدولية القائمة منظرة لسواد الديموقراطية العالمية، الأمر الذي جعلها تنفرد في القمة العالمية. فيما تظهر روسيا اليوم بالدولة المارقة والخارجة عن القانون الدولي، رغم تمسكها بقراراته، ومحاولتها الدخول في أتونه، وفرض سياساتها من خلاله، وتكاد تكون نتائجها جزئية محضة لا ترقى لمستوى المحور المنفرد، عدا عن إعلانها الجيوبوليتيكي بمعاداة الديمقراطية الأميركية.

روسيا لليوم ورغم اتسام سياساتها بالحيوية الجيوبوليتيكة المرنة ذات المرجعية المعادية لهيمنة العولمة، وادعائها بناء عالم متعدد الأقطاب، إلا أنها تمارس الطرق العسكرية الكلاسيكية ذاتها في توسعها، مع إنكار فاضح لحقوق الشعوب في حق تقرير مصيرها. وتتفق مع أميركا في شروط الحرب، فقد قُتل مليونا عراقي في الغزو الأميركي للعراق، وقتل زهاء مليون سوري وشرد نصف شعبها بالطريقة الروسية، واليوم الأرقام في تزايد في أوكرانيا. ما يجعل الادعاء الروسي بتشكيل قطب عالمي جديد لا يخرج عن كونه حلقة في مسلسل الهيمنة العالمية، ضمن الأطر المعادية للتاريخ وحقوق الإنسان وسيادة الدول ذاتها. ما يجعل المعادلة العالمية تسير وفق آليات من السياسات المتوازية والدوائر الجيوبوليتيكة المتقاطعة، وعودة النفوذ والتنافس العالمي بين نديين يستحوذان على القوة العالمية هما، دون أن يتشكل قطب عالمي مختلف فكرياً وأخلاقياً وكونياً.

روسيا اتخذت السلوك الأميركي ذاته مع إشارات واضحة على عدم قدرتها على أن تضاهيها في السياسة الدولية والتقدم التقني والاقتصادي

كان من الممكن لروسيا أن تشكل نواة حلف دولي يضع الحد على التمدد العولمي الأميركي، خاصة في أوروبا ودول الشرق، التي عانت من ويلات حروبها، وذلك في حال بنت تحالفاتها معها بطرق سياسية ومعاهدات اقتصادية تستهدف التنمية والاستقرار والسلام، يقرب تلك الدول من مقاربة ومقارنة واضحة بين سياسات الهيمنة الأميركية والتفاعل الأخرى، والأهم تظهر هشاشة ادعاء الديموقراطية العالمية أميركياً. لكن روسيا اتخذت السلوك الأميركي ذاته مع إشارات واضحة على عدم قدرتها على أن تضاهيها في السياسة الدولية والتقدم التقني والاقتصادي. والعامل الحاسم الذي اعتمدته هو عودة عصر القوة والبلطجة الدولية، التي لا تؤهلها سوى للدوران في فلك العولمة ليس إلا؛ وشروط بايدن التفاوضية على بوتين واضحة في هذا السياق.

روسيا لليوم تهدد السلام العالمي برمته، وقد تكون عامل هدم له وللنظام العالمي دون أن تتمكن من الإسهام في بناء بديل عنه بقدر ممارسة الشر الدولي والسياسات القاتلة.

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار