لا تعويم لبشار... ولكن

تاريخ النشر: 01.04.2021 | 06:33 دمشق

كل الطرق لإعادة تعويم بشار الأسد تقود إلى الفشل. تحول الرجل إلى بضاعة كاسدة. هو العبء الذي ينوء تحته الجميع. لا خلاف على أن مشاهد أو صوراً تشير إلى قبول بعض الدول ببشار الأسد، تدفع إلى اليأس أو الغضب، أو استثارة العاطفة السريعة لدى الكثيرين فيعبرون عن غضبهم بالقول: على ما يبدو أن الأسد باق ويتمدد. لكن العاطفة هنا هي التي تنطق، عاطفة دافعها الأسى والأسف والحنق. في مقابلة، عاطفة جياشة لدى مناصري رئيس النظام السوري يعبرون عن فرحهم في أي لقاء يعقده أو أي إشارة إلى فشل المباحثات الدولية حول إمكانية التوصل إلى حلّ سياسي أو اتفاق على المرحلة الانتقالية في المرحلة المقبل.

تلك العاطفة هي مشكلتنا الكبرى، مشكلة مجتمع مهما تعارضت توجهاته، تضفي العاطفية قدسية مبدئية لا يرضى المرء أن يحيد عنها، أو أن يتماشى مع الظروف والوقائع كي لا يخون نفسه. بينما تكون الدنيا كتلة متحركة من حوله بأحداثها وتطوراتها ومتغيراته، فيما لا يمكن لعاطفته أن تبقيه في مكان. إنها حكاية الحياة والموت، فالموت لا يوجع الموتى، بل يوجع الأحياء، ولأنهم أحياء يبتكرون كل السبل للتماهي مع متطلبات الحياة ومقتضياتها بعد وفاة حبيب أو رفيق أو شخص عزيز. في هذه الحالة، لا يمكن اختزال العاطفة، ولا سحقها أو خنقها ولا الانقلاب عليها، بل يبقى الالتزام بها ثابتاً، وتكون في زاوية عميقة عاملاً محفزاً متكاملاً مع ما يدفع إلى الحياة. متطلبات الحياة التي تحول العاطفة.

مناسبة الكلام هنا ليس بهدف صدم القارئ، لا توهين عزيمته، إنما هي مجال للتفكير المشترك في إمكانية خلق أي صيغة جديدة تتحفز فيها العاطفة مع الوقائع، ويمكن أن يبنى عليها في سبيل تحقيق المزيد من النقاط، أو تحصيل مكاسب من شأنها تغذية العاطفة الأساسية التي يشعر كثر من جموع السوريين الثائرين ومناصريهم في كل العالم بأنها أصبحت متخصصة بالحزن واليأس فقط والتفرج على مصير مفقود. تلك العاطفة على قدسيتها هي التي استخدمت ضد الثورة السورية، إما بهدف إبعادها عن كل ما له علاقة بالسياسة والبرامج السياسية وحصرها في خانة الهتاف والثورة الدائمة على النظام بدون تقديم أي رؤية بديلة. وإما من خلال تجييش عاطفة مضادة لدى مناصرين للنظام من طوائف ومذاهب مختلفة فأقحمت السياسة في صراع مذهبي طائفي ديني أخذ بعداً تقسيمياً وشتت كل ما كان يمكن أن تجمعه تلك الثورة والمعارضة. لذلك لا بد حالياً من التركيز على خلق فرصة جديدة يمكن الاجتماع عليها لتسجيل نقاط وفق مفهوم التراكم. لا بد من ذلك في ظل جملة تحولات ومتغيرات أساسية، وبعد تكريس يقينية سورية حول أن ما تعرض له الشعب السوري والثورة السورية هو أحد أشرس وأخبث المؤامرات في التاريخ الحديث، بمعنى أنه لا القوى التي ادعت دعم المعارضة كانت تريد لها أن تنجح وتفوز، ولا القوى الداعمة لبشار الأسد دعمته لشخصه أو لإنجاحه ولا لمصلحة مؤيديه. دخلت سوريا منذ اليوم الأول مدار لعبة الأمم، وتلك لعبة استخدمت فيها أعنف الأسلحة لكن أهمها كان ارتكاس السوريين لأكبر عملية شرخ داخلي اجتماعيا على أساس مذهبي وطائفي، وهو أمر استغله كل المتآمرين على الثورة السورية وسوريا ككل، وأول من استغله هو بشار الأسد. وقعت الثورة السورية في أخطاء متكررة أهمها عملية النبذ الأهلي والاجتماعي "للآخرين" وهؤلاء الآخرون الذين اعتبروا من صيغة النظام، ومن المتورطين بدماء السوريين، بينما ما يجب فعله حالياً هو مواجهة هؤلاء ليس بالشتم ولا بالتقريع، بل بسياسة اجتماعية وإنسانية ونفسية واضحة المعالم والأهداف، في ظل عدم قدرة النظام الذي جعلهم وقوداً في حروبه على تأمين أدنى مقومات الحياة لهم.

لماذا مناسبة هذا الكلام، والذي سيبدو في واقعيته قاسياً، لأن الأيام الماضية شهدت اهتماماً أميركياً بمنطق "فتح نوافذ" في سوريا. هذه النوافذ تقوم على قاعدة التعاطي الواقعي مع الوقائع على الأرض، بهدف نقل المواد الغذائية والمساعدات وغيرها من الاحتياجات إلى المناطق المتعارضة عبر معابر خاضعة لسيطرة جهات متعددة، بمعنى أوضح نقل مساعدات من مناطق المعارضة إلى مناطق النظام أو العكس، وهذا يحصل على كل الجغرافيا السورية. عندما تلجأ الدول إلى عقد اتفاقيات من هذا القبيل، فهذا يعني أن الحلول ستكون طويلة ومؤجلة، وتؤكد أن النظام غير قابل لإعادة التعويم. إنما الفترة التي سيطول انتظارها ليحين موعد رحيله ستكون خاضعة لمثل هذا الستاتيكو.

وهذه تجربة خبرها اللبنانيون بشكل كامل في ثمانينيات القرن الفائت، منذ ما بعد الاجتياح الإسرائيلي لبيروت والانسحاب منها، وحرب الجبل والتي أخذت طابعاً طائفياً بين الدروز والمسيحيين، أو انتفاضة 6 شباط والتي أخذت طابعاً طائفياً بين المسلمين والمسيحيين، أو حربي التحريري والإلغاء واللتين أخذتا بعداً لبنانياً مع جهة خارجية، أو بعداً مسيحياً، بناء على كل هذه التداخلات، وفيما لم يتمكن أي طرف من حسم الصراع على حساب الآخر، تدخلت مجموعة قوى خارجية، بهدف تثبيت الستاتيكو القائم، ومن يعرف لبنان يعرف كيف رسمت خطوط التماس، وتم استخدامها كمعابر بين المناطق المتعارضة، ومن خلال هذه المعابر نقلت رواتب الموظفين، والخبز والمواد الطبية وغيرها.

 أن يتم الوصول إلى عقد اتفاقات مماثلة لذلك في سوريا، يعني أن الأزمة ستكون طويلة في ظل غياب أي قدرة على إنتاج الحل، وبالتالي لا يمكن للأسد أن يكون جزءاً من الحلّ أيضاً في المرحلة المقبلة، بينما الأهم هو استفادة المعارضة في هذا الظرف وطوال هذه المدة من الوضع القائم لإنتاج تصورها السياسي، وخطابها الاجتماعي القادر على تسجيل اختراقات كبيرة في صفوف الموالين الذين لم يتمكن النظام من توفير مقومات الحماية والعيش لهم. أن يهتم وزير الخارجية الأميركية أنطوني بلينكن بهذه النوافذ والممرات الغذائية، يؤكد معلومات أخرى في المقابل أن الجيش الأميركي هو الذي يتسلم كل ملفات منطقة الشرق الأوسط، والجنرال ماكينزي هو الذي يدير العملية وليس وزارة الخارجية، هذا الأمر يفاجئ الإيرانيين الذين لم يعتادوا على مثل هذه التصرفات، خصوصاً أن الجيش لا يتصرف وفق الروتين الإداري والسياسي. وهذا التحول سيكون له انعكاسات متعددة على الأحداث في المنطقة مستقبلاً.

والأهم هو أن الأميركيين غير موافقين على إعادة تعويم بشار الأسد، وهم ثابتون على ثوابتهم برفض الأسد، وبرفض أي مفاوضات إسرائيلية مع النظام السوري. هذا الموقف والذي يعبر عنه الجيش الأميركي وقيادة الأركان، ولا يمكن للفريق السياسي أن يسير ضده، خصوصاً أن الديمقراطيين هم أصحاب قانون قيصر، يعني أنه لا مجال في إعادة تعويم بشار الأسد، كذلك المسار الروسي لا يحظى بأي رضى أميركي، ما سيظهر جدية الاختلاف في مقاربة الملف بين الأميركيين والروس بشكل مختلف جذرياً عن ما كان عليه أيام دونالد ترامب.