كيف سلب نظام الأسد ما بقي من مدخرات السوريين؟

تاريخ النشر: 23.09.2019 | 11:09 دمشق

دمشق - فواز لبابيدي - تلفزيون سوريا

لعنة الدولار تضرب الأسواق السورية وتصيبها بشلل شبه تام، وما حدث في أيلول الحالي من تأرجح لسعر صرف الدولار لم يكن إلا ضربة قصمت ظهر ذوي الدخل المحدود والذي اجتمع عليهم الثالوث المرعب (التجار والأسعار والدولار).

أيلول الأسود، أسدل ظلاله الاقتصادية الثقيلة فسلب ما بقي في جيوب السوريين، فأرجوحة الدولار أثارت الرعب وامتصت المدخرات، وخرج الخائفون من لعبة الدولار بخسائر جمة دون أن يدركوا حقيقة الأحداث.

ماذا حدث؟

المراقب للأسواق يجد أن سعر صرف الدولار بدأ بالارتفاع الكبير بداية شهر أيلول، حيث مضت عشرة أيام وبلغ الدولار حدود الـ 700  ليرة، وترافق ذلك الارتفاع بصمت مطبق من حكومة النظام، ولكن الدهشة حدثت عندما اجتمعت اللجنة الاقتصادية في الحكومة وانخفض الدولار على إثر هذا الاجتماع بنحو 40 ليرة دفعة واحدة.. بالرغم من أن ما ذكرته اللجنة عن سعر الصرف أثناء اجتماعها لم يتعدى السطر الواحد أي بضع كلمات فقط.. ما أثار حيرة المتابعين واستهجان المحللين وحتى البرلمانيين.

الدهشة حدثت عندما اجتمعت اللجنة الاقتصادية في الحكومة وانخفض الدولار على إثر هذا الاجتماع بنحو 40 ليرة دفعة واحدة

بعد 10 من أيلول بدأ سعر صرف الدولار بالتهاوي أمام الليرة السورية حتى كسر في 12 من أيلول حاجز الـ600 ليرة انخفاضاً.. فماذا حدث؟! وكيف لعملة بلد ما أن تنخفض وترتفع خلال أيام قليلة على هذا النحو من مجرد تصريح هزيل فقط.

وفق ما تم ذكره فإن عدة عوامل اجتمعت (في آن واحد!) ودفعت بالليرة السورية للهبوط الكبير.. أهمها صرف ثمن القمح للفلاحين بالليرة السورية بمبلغ وصل إلى 240 مليار ليرة، وهذه الأموال تم تحويلها إلى دولار من قبل ضامني الحقول!.. إلا أن من ذكر هذا العامل لم يعلم أنه في كل عام تصرف حكومة النظام ثمن القمح بالليرة السورية.. ولم يكن له أي تأثير على سعر الصرف، إذاً العامل هذا ليس بجديد وغير منطقي في تأثيره على سعر الصرف.

العامل الثاني، هو المشتقات النفطية وفاتورة استيرادها التي تزداد مع اقتراب الشتاء، طبعا هذا العامل أيضا ليس بجديد وحصته من القطع الأجنبي لن تحدث تأثيرا في سوق القطع كون العقود النفطية لا تتم بين ليلة وضحاها بل تحتاج إلى أشهر وتحويل مبالغها أيضا يحتاج إلى أشهر، إذاً هذا العامل أيضاً ليس موضوعياً بشكل كافٍ.

العامل الثالث، الذي تم ذكره هو ما قامت به لبنان مؤخرا من رفع أسعار الفائدة على القطع الأجنبي بنحو 8% وذلك لجذب الودائع إلى مصارفها بعد تخفيض تصنيفها الائتماني ولسد العجز الكبير الذي يعانيه اقتصادها، وهذا العامل كان قد نجح سابقا، ولكن في ظل معاناة الكثيرين من المستثمرين السوريين في لبنان من سحب ودائعهم بالقطع الأجنبي حاليا، فإن النتائج المرجوة من هذا العامل في تأثيرها على سعر صرف الليرة ضئيلة جدا.

العامل الرابع، هو المضاربة كما ذكر وهنا لا بد من القول إنه في ظل الأوضاع الحالية فمن المستحيل أن نقول إن هناك مضاربة على الليرة السورية إلا إذا كانت خارجية أما داخليا فهذا ضرب من الخيال.. فكل شيء مراقب وتحت إشراف وتوجيه.

العامل الخامس، المواقع والتطبيقات وصفحات الفيسبوك التي هوَّلت من احتمالية انهيار الليرة السورية.. وخاصة موقع سيريا ستكوس الذي أوقف نشاطه لفترة بعد تأرجح أسعار الصرف رغم أنه في تركيا وليس في سوريا، أي أنه غير مطلع بشكل كافٍ على العرض والطلب كون الدولار مثل أي سلعة تتأثر بالعرض والطلب.

كل ما ذكر أعلاه ليست عوامل مؤثرة في صميم الليرة السورية رغم أنها عوامل مساعدة في إحداث خلل بسعر صرفها.. فسعر صرف عملة أي بلد تقوم على المقومات الاقتصادية لهذا البلد من (نفط وصناعة وتجارة وزراعة وتصدير واستيراد وغيرها من العوامل).. فهل يعقل اقتصادياً أن تلعب التطبيقات وصفحات الفيسبوك والمضاربين الداخليين باقتصاد بلد كامل وبعملته بكل هذه السهولة.. بالتأكيد لا يمكن.. إذاً ما حدث هو مخطط ومدبر وبأدوات داخلية وخارجية في آن معا .فماذا حدث؟

أحد التجار المطلع على حيثيات الأمور، بيَّن في تصريح خاص لموقع تلفزيون سوريا، "أن أي تأرجح بسعر الصرف يكون بإشراف بعض العاملين في السلك الحكومي وليس بغائب عنهم وربما يكون برضاهم التام"! وهذا ما أكده أحد القانونيين في تصريح خاص أيضا، والذي بيّن أنها مضاربة من حكومة الأسد لجني الأرباح!.

التاجر استدل على تأكيده بسكوت النظام 10 أيام كاملة على سعر الصرف وجعله يرتفع إلى نحو 700 ليرة للدولار دون أن يتحرك ساكنا، وحينما اجتمعت اللجنة الاقتصادية انخفض 40 ليرة دفعة واحدة.. إلا أن خطة البعض في حكومة النظام لم تكتمل على النحو الذي أرادوه، حيث قام أحد رجال الأعمال المعروفين بضخ الدولار في الأسواق ليهوي سعره دون الـ600 ليرة، ما دفع بعض المواقع الإعلامية المحلية في سوريا، لشن هجوم على رجل الأعمال الذي قام بهذا الأمر..! لأنه قام بضرب خطط بعض رجالات الحكومة في إظهار أنفسهم بأنهم يعملون لصالح المواطن، ما يعني تثبيت أنفسهم في مراكزهم لمرحلة جديدة.

أي تأرجح بسعر الصرف يكون بإشراف بعض العاملين في السلك الحكومي وليس بغائب عنهم وربما يكون برضاهم التام

وتابع مصدر قانوني لموقع تلفزيون سوريا (طلب عدم الكشف عن اسمه) أن أشخاصاً في حكومة النظام استطاعوا جني مليارات الليرات من عوائد فرق سعر الصرف بين الدولار والليرة خلال فترة قصيرة ! فمن اشترى بسعر عالٍ باع بسعر رخيص وخسر نحو 100 ليرة في الدولار الواحد..مشيراً إلى أن ما يطلق عليه مضاربة هذا أمر غير محتمل، لأنه لا يستطيع أي شخص أو شركة أن يتلاعب بسعر الصرف دون أن يقبض عليه في نفس الوقت.

الغريب ما ساقه التاجر من أن أشخاصاً في الحكومة كان لهم اتفاق مسبق مع المضاربين الداخليين وعبر موقع سيريا ستكوس وعبر شبكة من وسائل التواصل الاجتماعي للترويج بأسعار معينة للدولار ومن ثم التلاعب به لإثارة الذعر أكثر ودفع المواطنين لبيع مدخراتهم وتحويلها إلى دولار.

التجار يتدخلون

مصادر خاصة أكدت لموقع تلفزيون سوريا أن حملة كبيرة قادتها غرفة تجارة دمشق، لدعم الليرة السورية حاليا، منها إنشاء صندوق تدخلي خاص في الغرفة لتخفيض سعر الدولار، والإيعاز لأصحاب الفعاليات التجارية والصناعية المتوسطة والصغيرة لإيداع مبالغ من القطع الأجنبي في المصارف الرسمية، والمساعدة في إعادة ضخ الدولار لدى المتعاملين بالقطع الأجنبي بخطة مُمنهجة نحو اتجاه هبوطي لسعر الدولار وبشكل يومي، والتزمت غرفة تجارة دمشق بالإعلان اليومي لسعر الدولار في السوق الموازية تعكس عبره حقيقة قوى العرض والطلب لإلغاء أية مواقع وهمية مع الالتزام التام بتسعير المواد الأساسية المستوردة والممولة بسعر الصرف الرسمي لضمان عدم ارتفاع الأسعار في السوق المحلية.

وأكدت غرفة تجارة دمشق أن تنفيذ الخطة يعتبر واجباً وطنياً واقتصادياً من أصحاب الفعاليات الاقتصادية ومن الغرف التجارية والصناعية للوقوف إلى جانب العملة الوطنية وتخفيض سعر صرف القطع الأجنبي أمام الليرة.

سرقة المدخرات

التجار أعلنوا تدخلهم وهذا دليل على ضعف اتخاذ القرارات الاقتصادية لحكومة الأسد في هذا الجانب بل وعلى التخبط، كما يبرهن على ضعف قدرة الفريق الاقتصادي في الحكومة على إدارة أزمة القطع الأجنبي، وهذا ما أكده نائب حاكم مصرف سوريا المركزي مؤخرا بقوله "هناك أزمة في القطع الأجنبي ( يلي ما بينبع بيخلص)"، ويأتي ذلك بعد تصريح حاكم المصرف بأن المركزي لن يتدخل ولو بدولار واحد في السوق وأنهم يحاولون التقريب بين سعر الصرف الرسمي مع السوداء بجرّ الأخير إليه.

المواطنون وبعد الخسائر الفادحة التي تعرضوا لها، رغم تكرار هذا السيناريو عدة مرات خلال السنوات الماضية، فإنهم لم يتعلموا الدرس بعد، وهم ينتظرون عودة الدولار إلى وضعه الطبيعي وهو 500 ليرة في ظل الظروف الاقتصادية الحالية لكي تعود الأسعار إلى ما كانت عليه رغم ارتفاعها، وهم ينتظرون أيضاً نتائج حملة التجار لدعم الليرة وينتظرون التحرك الحكومي دون أي مواربة أو غايات أخرى، ونحن نقول لهؤلاء المواطنين: انتظروا إنا منتظرون.. فقد تمَّت سرقة ما بقي معكم من مدَّخرات بلعبة قذرة تسمَّى أرجوحة الدولار.