كلمة سر إعلان الثورة العربية الكبرى

تاريخ النشر: 13.02.2021 | 00:02 دمشق

حافظ الشريف حسين على علاقته مع الأتراك الاتحاديين حتى أدرك أنهم لن يوافقوا على منحه مملكة مهما قدم لهم من مساعدة في الحرب، فقد كان يأمل أن يحظى بمباركة عثمانية على استقلاله في الحجاز، وابنه فيصل في دمشق يحضر نفسه  لمغادرتها إلى الأستانا، وجمال باشا، الذي عيِّن حاكما على سوريا وبلاد الشام، يقوم بإعدام القافلة الأولى من القوميين العرب في أغسطس 1915، ولكن الجواب السلبي الذي تلقاه الشريف على رسالته إلى وزير الحربية (أو ناظر الحربية) أنور باشا بإعطائه الحجاز، والإهانة التي تلقاها ابنه فيصل من أنور باشا ذاته في زيارته الأخيرة للأستانا، جعلا الشريف حسين يحسم أمره ويقرر بلا رجعة أن يراسل البريطانيين الذين كانوا على الجانب الآخر من البحر الأحمر ينتظرون خطوته التالية.

كان الأمير فيصل قد التقى بمجموعة من أعضاء الجمعيات العربية التي أسست بعد استيلاء الاتحاديين على السلطة في الدولة العثمانية، وبعض الضباط العرب من ذوي المراكز الرفيعة في الجيش العثماني في دمشق، وأصبح الشريف حسين يعتبر بأن لديه رأس جسر عسكري في مدينة رئيسية من مدن الدولة العثمانية وهي دمشق. عند تلك اللحظة أملى الشريف حسين رسالته الأولى على ابنه عبد الله لتصل بعد ذلك إلى السير هنري مكماهون، ممثل بريطانيا في مصر، ولتبدأ في الخامس عشر من تموز 1915 سلسلة من عشر رسائل تبادلها الشريف حسين مع مكماهون في واحدة من أشهر المراسلات السياسية التي تبادلها طرفان سياسيان في القرن العشرين، فعلى إثرها حسم الشريف حسين، ومن خلفه جمهور غفير من عرب الجزيرة العربية والشام، أمرهم بالوقوف ضد الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى.

اعتبر الشريف حسين أن هذه المراسلات ضمانة له لتوحيد المنطقة تحت تاج واحد برآسته، فقفز مع أبنائه فوق التحفظات التي بذرها مكماهون له في رسالته الثانية

كان قرار الشريف حسين جريئا في ذلك الوقت الحرج من تاريخ الحرب الكونية، فتركيا متحالفة مع ألمانيا التي تتحرك قواتها داخل بلجيكا وفرنسا، ووجدت موطأ قدم لها في بولونيا على الحدود الروسية، وكانت قواتها تخطو بثبات وقوة، ولكن فشل حملة جمال باشا على قناة السويس والهجوم على مصر، ربما حفز الشريف حسين وأعطاه زخما إضافيا لحسم التوجه إلى بريطانيا لينال منها التاج الذي يحلم به. كان مكماهون كريما وحذرا في إجاباته على رسائل الشريف حسين فقد اعترف له بمملكة يكون على رأسها، ولأولاده من بعده، ولكنه تحفظ على مناطق بلاد الشام الساحلية حيث ذكر بأن لفرنسا مصالح في هذه المناطق يجب الحفاظ عليها، ولكنه لم يتوانَ عن تلبية احتياجات الشريف حسين من المال والسلاح وبعض المؤن الغذائية.. أُرخت آخر الرسائل التي كتبها مكماهون للشريف بتاريخ العاشر من آذار عام 1916، واعتبر الشريف حسين أن هذه المراسلات ضمانة له لتوحيد المنطقة تحت تاج واحد برآسته، فقفز مع أبنائه فوق التحفظات التي بذرها مكماهون له في رسالته الثانية، حيث ذكر له فيها بوضوح المصالح الفرنسية، ولم يجادله الشريف كثيرا على هذه النقطة، التي استند إليها البريطانيون فيما بعد عندما سلموا كل سوريا (الحالية) بما فيها المناطق الساحلية إلى جانب المناطق الداخلية، أو ما كان يعرف بولايتي حلب ودمشق، إلى الجيش الفرنسي.

كان آخر لقاء تم بين فيصل وجمال باشا في دمشق في أوائل شهر أيار عام 1916، وقد تخمرت لدى فيصل حينها فكرة التمرد على العثمانيين وتم الاتفاق بين الشريف حسين والبريطانيين، عبر مراسلات حسين ومكماهون، ولم يبق إلا أن يتملص فيصل من قبضة جمال باشا الذي كان ينصب المشانق في ساحة البرج وساحة المرجة للقافلة الثانية من القوميين العرب، الذين تمت إدانتهم بجرم الاتصال بالعدو، وتشكيل جمعيات لمقاومة الدولة.

أمر فيصل صديقه نسيب البكري بالعودة ليتولى التنسيق في دمشق واتفق معه على كلمة سر وهي: أرسل الفرس الشقراء!

طلب فيصل من جمال باشا الإذن بالذهاب إلى المدينة ليكون هناك وأخوه علي على رأس المتطوعين العرب الذاهبين إلى القتال إلى جانب الأتراك في الحملة الثانية على القناة، اقتنع جمال باشا بسهولة بخديعة فيصل وأبدى سروره بهذه البادرة وسمح له بالذهاب، بعد أن أرسل معه وفدا تركياً ليضمن ذهابه إلى المدينة. اصطحب فيصل معه صديقه نسيب البكري، وكانت أواصر الصداقة قد انعقدت بين الرجلين بعد أن أمضى فيصل في ضيافة آل البكري في القابون زمنا واجتمع مع أعضاء الجمعيات والقادة العسكريين في منزله.

خرج فيصل بنجاح من دمشق وأصبح بمأمن من قبضة جمال باشا وذهب إلى أخيه في المدينة حيث فخري باشا القائد التركي الذي يجب خداعه هو الآخر ليهرب الشقيقان إلى معقلهما في مكة. أمر فيصل صديقه نسيب البكري بالعودة ليتولى التنسيق في دمشق واتفق معه على كلمة سر وهي: أرسل الفرس الشقراء!. سيبعثها فيصل إليه ليعلمه بخبر قيام الثورة، واستطاع علي أن يقنع فخري باشا بأن عليه أن يذهب إلى أبيه في مكة بعد أن أمره بذلك وتظاهر فيصل بالخروج لوداعه، ولكن الشقيقين تمكنا من الهروب وأرسلا معا رسالة إلى فخري باشا يقولان فيها لقد ذهبنا إلى مكة ولم يعد باستطاعتنا البقاء معكم! كانت هذه الرسالة آخر حديث ودي يجري بين عائلة الشريف والأتراك لأن الحوار تحول بعدها إلى السلاح، وبعد سبعة أيام من مغادرتهما المدينة، هاجما، على رأس قوة مؤلفة من ستة آلاف مقاتل من القبائل، سكة حديد المدينة لمدة يومين متتالين، فخرج فخري باشا لملاقاتهما ودارت بينهما معركة دامت من الصباح حتى وقت الظهيرة، وانسحبت بعدها مجموعة فيصل، لتسجل أول معركة لما عرف بالثورة العربية الكبرى، حيث كان فيصل قد أمن إرسال رسوله إلى نسيب البكري ليقول له: أرسل الفرس الشقراء.