كازاخستان والزخم التركي الخليجي في "الجمهوريات الروسية"

تاريخ النشر: 13.01.2022 | 05:05 دمشق

كازاخستان في قلب الصراع الجيوستراتيجي الذي يشهده العالم. الصراع الدولي يتمدد أكثر فأكثر، بانتظار الوصول إلى ملامح ترسم صورة العلاقات الدولية وتوازناتها مستقبلاً. إنه الصراع الكبير في آسيا الوسطى، والذي تتأثر به جهات متعددة، من أبرزها الصين وروسيا. وعليه لا بد من تركيز النظر، بعين على المفاوضات النووية بين إيران والغرب، وبعين أخرى على أحداث وتطورات كازاخستان. هنا لا بد من النظر أيضاً إلى الدور التركي واتساعه أكثر فأكثر وسط طموح في تعزيز الحضور والبروز في آسيا الوسطى. تركيا إحدى أبرز الدول اللاعبة في كازاخستان. ويمكن توصيف المشهد بأنه نوع من التنافس الروسي التركي.

تعتبر أنقرة أن كازاخستان هي جزء من امتدادها في العالم التركي، وهي معركة تمثل مرحلة ثانية من التوسع التركي في تلك المنطقة، بعد الفوز في أذربيجان وحسم المعركة التي أزعجت موسكو إلى حدّ كبير. تعود أنقرة إلى التعبير القديم "العالم التركي" والذي يتجدد استخدامه بالتوازي مع اعتماد مصطلح منظمة الدول التركية. وهو صراع ينطوي على أبعاد سياسية، استراتيجية، اجتماعية وإنتروبولوجية. فلتركيا نفوذ بشري، ثقافي اجتماعي في تلك المنطقة، كذلك بالنسبة إلى روسيا التي تعتبر أن نحو 20 في المئة من الكازاخيين هم من أصل روسي، وهنا لا بد من العودة إلى "عمليات زراعة" الاتحاد السوفييتي للمجتمعات الروسية في أكثر من دولة من الدول التي كانت خاضعة له، وهذه استراتيجية تغيير بشري أو ديمغرافي واضحة اعتمدها ستالين بداية، واستكملها خروتشوف في سياق ما سمّاها طلائع الاستطلاع أو الاستكشاف، وتحديداً في كازاخستان في الخمسينيات وأوائل الستينيات.

ما تشهده كازاخستان متعدد الجوانب، مساحة البلد 2 مليون كيلومتر مربع، وبلد غني بالثروات، لا يمكن توصيف الأزمة فيه بأنها بين الشرق والغرب، فالأمر مختلف عن وضع أوكرانيا، على الرغم من مسارعة بوتين إلى التدخل عسكرياً وإثبات سيطرته. أي معركة في تلك الساحة ستكون مشابهة لما جرى بين أذربيجان وأرمينيا، خاصة أن تركيا تعزز تمددها في آسيا الوسطى، وهذه تظهر المحيط الروسي ككل في حالة اضطراب. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن كازاخستان إحدى كبريات الدول الإسلامية في آسيا الوسطى، وهذا يعطي لتركيا مساحة أكبر في الحركة، في حين يشكل عنصر إحراج لموسكو، التي تخشى من تحركات مماثلة في جمهوريات سوفييتية متعددة ذات غالبية إسلامية. 

لا بد من التذكير بالفترة التي سبقت دخول روسيا إلى سوريا، إذ اتخذ بوتين شعارات متعددة من أبرزها محاربة الإرهاب في سبيل هذا التدخل، وهو وضع الأمر في سياق التهديد للأمن القومي الروسي تحسباً لأي تحركات من قبل جماعات إسلامية في الجمهوريات الروسية

مثل هذه المعارك، تعيد بوتين إلى ضابط متشدد، فيضع "الرئاسة" جانباً، ويعود في ممارساته إلى ما كان الوضع عليه أمام الصراع السوفييتي الأميركي، كما فعل لدى اجتياحه جورجيا، أو كما يفعل حالياً مع أوكرانيا. وليس من قبيل المصادفة أن يأتي التحرك الكبير في كازاخستان في الوقت الذي يحشد فيه بوتين قواته العسكرية بتعاديد كبيرة باتجاه أوكرانيا، ويلوح دوماً بالسعي إلى اجتياحها. في هذا الوقت فتحت عليه النار في كازاخستان، في حين سارع هو إلى التدخل العسكري فيها لإجهاض التحركات والحفاظ على مصالحه الإستراتيجية فيها. 

بلا شك فإن ثمّة تخوفاً روسياً من استخدام الأميركيين لأوراق كثيرة داخل الاتحاد الروسي ومن خلال الجمهوريات الإسلامية. طبعاً لا أحد بإمكانه أن يتجاوز الطرف الآخر، إلا أن الصراع ينطوي على إعادة رسم خرائط النفوذ. الصين ليست بعيدة أيضاً عن تداعيات كازاخستان والتي لها مصالح بعشرات مليارات الدولارات هناك. تؤشر هذه التطورات إلى وجود كثير من الخلافات التركية الروسية المثقلة بأبعاد تاريخية وجيوستراتيجية، على الرغم من تفاوضهم المستمر في أكثر من ملف. هنا تجيد أنقرة استخدام أكثر من ورقة، مع روسيا، والولايات المتحدة الأميركية وغيرهما. ولا يمكن فصل الاختلاف الروسي التركي عن مجريات وتطورات الأوضاع في سوريا بظل الاختلاف على ترسيم مناطق النفوذ. 

وهنا لا بد من التذكير بالفترة التي سبقت دخول روسيا إلى سوريا، إذ اتخذ بوتين شعارات متعددة من أبرزها محاربة الإرهاب في سبيل هذا التدخل، وهو وضع الأمر في سياق التهديد للأمن القومي الروسي تحسباً لأي تحركات من قبل جماعات إسلامية في الجمهوريات الروسية، وكان بوتين قد عزز تدخله في سوريا من خلال تعزيز العلاقة مع دول الخليج، وسعى إلى التفاهم مع المملكة العربية السعودية لعدم إعطاء التدخل طابعاً لحرب دينية. هنا أيضاً سيكون بوتين في حاجة إلى تعزيز علاقاته العربية والخليجية منعاً لأي تطورات قد تشهده الجمهوريات السوفييتية السابقة.