icon
التغطية الحية

قـرعٌ على أبواب دمشق | شعر

2023.05.21 | 11:34 دمشق

آخر تحديث: 21.05.2023 | 11:34 دمشق

شام
(لوحة للرسام الإنكليزي تيرويت)
+A
حجم الخط
-A

قـرعٌ على أبواب دمشق

 

ها هنا شجرة ذاهبة في غبش اللون

ورطوبةُ الموتِ

على المنحنى الضيق

للمنعطف

في الجبل الغريب،

الحديقة الرخامية لنُصُبِ الموتى

شواهدها أرتال منتظمة من الجند

صفوفٌ خلف صفوف،

ولا سبيل لأعبر – كما في مقابر الشام-

نحو أزمنة ووجوه وحجرات تسبح في بحر الضوء

عبر حروف نقشتها على الشواهد أيدٍ غابرة .

لا سورَ لهذي المقبرة

ولا بابَ

وليس للباب أقفال من حديدٍ يكسوها الفطرُ الأخضر

ولا حارسَ يتلو آيات الليل

لا آسَ ولا أشجار كينا

لا شرائطَ ملونة يعقدها زائرون على أغصان الأكمات.

لا أحد يرشّ الماء

لا نائحةٌ

ولا طفلَ يوزّع الكعك على الأرواح في البريةّ.

هذا قبر قاتل أمضى حياته

مستترا بثياب ساعاتيّ أبكم

وهذا قبر شاعرٍ يائس

قتلته الطبيعة والولع بالأنهار الغادرة

حفروا قصائده القصيرة على حجر لامع.

هنا يرقد مهاجرٌ أتى من خلف جبال الموج

بهجتُه أنه لم ينتهِ به الحال في لجة أسماك جائعة

أو بمفاصل يبست في غابة مظلمة ولحية يكسوها الصقيع.

قبرٌ تلوذ به بومة من مرمرٍ

تحك ريش رأسها بحافته الهابطة

والكتاب الحجري أبيضُ الصفحات

يتصفّحه الهواء على قبر معلّم أطفال بشاربين أبيضين.

ذاكَ قبرُ راقصة ذهبت في السديم

بثياب مزّقها السكارى

ليلةَ هاجم الثلجُ التلالَ

والأزقةَ المرصوفة بالوحشة والصمت.

هنا قبر سائق عربات تجرها خيول فظة

عاش في زمن القيصر الذي زار دمشق

قرنفلٌ زجاجٌ ينبثق من شاهدة قبر خادمةٍ

والممرات بين الشواهد تفضي إلى ممرات.

لجدّ الصيدلانية ذات النمش البارد

في المبنى القديم وسط المدينة

قبرٌ أسندت إليه صورة حائلة اللون

أطراف من البازلت بعروق النحاس ترفع الشاهدة شبرا عن الأرض

ومن تحتها يندفع الورق الأصفر لخريف المدينة.

لا جثامين تحت الشواهد

ولا أجساد تتحلّل في التراب

العشب الذي أعاد إليّ صوتي راح ينبت على الهواء

الأرض تلفّ جذورها على الفراغ أسفل الأحجار الثقيلة

والريح ترَجم الشواهد بالمطر.

أرواح مقبرة الجبل

لا تبرح مكانها

والغروب يمزجها بألوانه

كما يفعل الفجرُ.

نحّاتٌ ماكر

بائعُ شواهد القبور الأشقرُ

بنى مقبرته نكايةً بالموت

وفيما منجل الطيف الأسود يعصف بالأحياء

يهوي النحّات ذو الرأس الذهبي بإزميله على رخام الفَنَاء.