قراءة أولية في المشهد الانتخابي: صراع على إسطنبول أم على الدستور؟

2024.02.09 | 19:15 دمشق

قراءة أولية في المشهد الانتخابي: صراع على إسطنبول أم على الدستور
+A
حجم الخط
-A

يصعب أن تجد دولة في العالم تجري فيها انتخابات ديمقراطية يكون فيها منصب رئيس البلدية مسيساً أكثر من تركيا، ولهذا أسباب عدة منها حالة الاستقطاب الحاد داخل المجتمع التركي لسبب هوياتي بحت، فالهوية التركية قلقلة رغم مرور مئة عام على تأسيس الجمهورية الحالية والتي قامت بعملية قطيعة كاملة مع تاريخ تركيا القديم والممتد لمئات السنين، وما يعزز فرضية أن الجانب الهوياتي حاضر مع كل استحقاق انتخابي بالإضافة إلى تصريحات الزعماء السياسيين ومن كل الأحزاب هو نسبة المشاركة في الانتخابات حيث تعتبر تركيا من أكثر دول العالم إن لم تكن بالفعل هي الأكثر منذ بداية هذا القرن في نسبة مشاركة الناخبين بمعظم الاستحقاقات الانتخابية.

نهاية آذار المقبل ستجري انتخابات بلدية في كل أرجاء تركية وستعود معها النقاشات الساخنة بين الأحزاب المتنافسة، وبعد أن كان المشهد السياسي في السنوات الأخيرة مقسوماً بين تحالفين؛ واحد حاكم بزعامة حزب العدالة والتنمية وآخر معارض بزعامة حزب الشعب الجمهوري ستجري الانتخابات المقبلة بخريطة تنافسية جديدة كلياً بعد تحطم طاولة المعارضة السداسية والتي عملت في السنوات الأخيرة على وقف مد حكم حزب العدالة ورئيسه رجب طيب أردوغان الذي يمتد منذ 2003 وحتى اليوم. انفراط عقد المعارضة جاء بعد الهزيمة التي تلقاها رئيس حزب الشعب الجمهوري كمال كيلتشدار أوغلو أمام منافسه على منصب الرئاسة رجب طيب أردوغان منتصف العام الماضي، كيلتشدار أوغلو ومعه بقية زعماء أحزاب الطاولة فعلوا كل ما يمكن لهم القيام به لأجل الفوز بمنصب الرئاسة وإقصاء حزب العدالة من زعامة البرلمان لكن الرياح أتت عكس ما يشتهون، وفاز الرئيس أردوغان بصعوبة بعد إجراء جولة انتخابات رئاسية ثانية وفي البرلمان حقق الحزب الحاكم وحلفاؤه أغلبية برلمانية مريحة. الخريطة الانتخابية الحالية تشهد منافسة كبيرة لتعدد المرشحين بعد أن قررت أحزاب المعارضة خوضها منفردة فيما حافظ حزب العدالة وشريكه الأهم حزب الحركة القومية على تحالفهما وقررا الدخول بمرشح واحد.

هناك خلافات متصاعدة داخل أروقة الحزب وبروز صراع بين تيار يقوده إمام أوغلو وبين تيار قديم معظمهم من أنصار الرئيس السابق

رئيس البلدية الحالي أكرم إمام أوغلو يعتبره كثيرون المرشح الأكثر حظاً للفوز مجدداً، لكن الوضع الداخلي لحزب الشعب الجمهوري والخريطة التنافسية الحالية تقول عكس ذلك، لأن العوامل التي ساهمت بصعود نجم أكرم إمام أوغلو معظمها لم تعد موجودة، ويأتي في مقدمتها الدعم الكامل من حزبه حزب الشعب الجمهوري، فحين أتى كيلتشدار أوغلو بالشاب المغمور والذي كان مجرد رئيس بلدية لحي بيلكدوزو الواقع في ضواحي إسطنبول كان حزب الشعب أقوى من اليوم، وكان التماسك كبيرا في صفوف الحزب. أما اليوم فهناك خلافات متصاعدة داخل أروقة الحزب وبروز صراع بين تيار يقوده إمام أوغلو وبين تيار قديم معظمهم من أنصار الرئيس السابق. وعندما فاز برئاسة البلدية قبل خمس سنوات كانت المعارضة تدعمه كمرشح منافس لحزب العدالة أما اليوم فإنه سيدخلها وحيداً من دون أي حزب داعم، حتى الحزب الذي يمثل الكتلة الكردية والذي يعتبر بيضة القبان في انتخابات بلدية إسطنبول يريد تقديم مرشحه المستقل بعد أن قال قياديون فيه إنهم لن يدعموا مرشح حزب الشعب من دون أن يكون هناك تحالف علني مكتوب، أي أن الأمر شبه محسوم وسيخوض حزب الشعب الانتخابات منفرداً.

لكن أكبر عائق أمام فوز أكرم إمام أوغلو برأيي هو أكرم نفسه وذلك لعاملين رئيسين، الأول هو أن أكرم إمام أوغلو سيّس المنصب أكثر من اللازم وبات يرى في نفسه أكبر من رئيس بلدية؛ تارة يريد زعامة حزبه وإقصاء كيلتشدار أوغلو وتارة يرى نفسه رئيساً لتركيا! والعامل الثاني والمهم هنا هو التقصير الكبير والتراجع في الجانب الخدماتي والذي يأتي في صلب مهام رئيس البلدية، أي أن قاطن لإسطنبول سواء كان تركياً أم أجنبياً مقيماً لمس تراجعا كبيرا في معظم خدمات إسطنبول، ولم ينجز أكرم إمام أوغلو معظم المشاريع الكبرى التي وعد بها خلال حملته الانتخابية السابقة، وقبل عامين برز فشله الكبير خلال تساقط الثلوج الكثيف والذي أدى إلى شلل كامل في عموم إسطنبول مما تسبب بأزمة كبيرة اضطر فيها مئات الآلاف للنوم في سياراتهم بعد أن علقوا بالشوارع ليوم كامل تقريباً.

حزب العدالة بدوره ما زال يشعر بالمرارة حتى اليوم من جراء خسارته إسطنبول قبل خمس سنوات، ويريد استعادتها لأجل تأكيد زعامته داخلياً بعد الفوز المريح في الانتخابات التي جرب منتصف العام الماضي، وبعيداً عن أسباب خسارة الانتخابات الماضية والتي يطول شرحها، قرر حزب العدالة الدخول في هذا السباق بمرشح شاب 48 سنة غير مسيس وبعيد حتى عن الاستقطابات الحزبية داخل أروقة حزبه.

اختيار مراد كوروم والذي عمل سابقاً في أكبر وأهم شركة إنشاءات في تركيا تملكها الدولة وحقق من خلال إدارته لشركة أملاك كونوت التابعة لإدارة الإسكان الجماعي (توكي) نجاحات كبيرة أهلته لتولي منصب وزير البيئة والتخطيط العمراني بين عامي 2018 و2023، اختياره جاء بناء على مشروع كبير يخطط له حزب العدالة لإسطنبول يتمثل في مشروع التحول الحضري الكبير لأجل الاستعداد لزلزال كبير محتمل أن يضرب إسطنبول في السنوات المقبلة، لذا اختير مراد كوروم الحاصل على رسالة ماجستير بمجال التحول الحضري من جامعة أوكان للعلوم والتكنلوجيا. وبعد ترشحه رسمياً للمنصب كانت كل تصريحات كوروم تتركز على الجانب الخدمي والذي يمس جوانب حياتية يومية لساكني المدينة المترامية الأطراف وبعيدة عن أي تركيز على جوانب سياسية وبالطبع مشروع التحول الحضري يأتي في مقدمة وعوده للناخب الإسطنبولي.

تجري الآن في أروقة البرلمان التركي مبارزة تمهيدية بين الأحزاب التركية لمعركة كبرى مقبلة تتمثل في تغيير الدستور الحالي، هذا الدستور الذي طالما وصفه الرئيس التركي بأنه دستور انقلابي والذي وضعه الجيش بعد انقلاب 1980

يبدو أن حزب العدالة استفاد جيداً من درس الخسارة القاسي وقرر العودة بمرشح يحمل رؤية ومشاريع تستطيع إقناع الناخب المتأرجح والذي يمكن اعتبارهم كتلة وازنة في المدن الكبرى وخصوصا إسطنبول، لأنه في مدينة مثل إسطنبول نجد وبكثرة ناخب يختار للبرلمان والرئاسة مرشحين من الحزب الذي ينتمي إليه لكنه في انتخابات البلدية يختار مرشحاً من حزب آخر، وربما سيكون المرشح الذي يستطيع إقناع هذه الكتلة المتأرجحة هو عمدة إسطنبول المقبل. وإذا نظرنا للكتلة الصلبة لكل حزب منفردا نجد أن حظوظ مرشح حزب العدالة أكبر من منافسه مرشح حزب الشعب؛ في الانتخابات البرلمانية الأخيرة العام الماضي حصل حزب العدالة وحده على 36.1 ٪ من مجموع أصوات ناخبي إسطنبول فيما حصل حزب الشعب على 28.3٪.

وبعيداً عمّن هو عمدة إسطنبول القادم تجري الآن في أروقة البرلمان التركي مبارزة تمهيدية بين الأحزاب التركية لمعركة كبرى قادمة تتمثل في تغيير الدستور الحالي، هذا الدستور الذي طالما وصفه الرئيس التركي بأنه دستور انقلابي والذي وضعه الجيش بعد انقلاب 1980، في حين تحذر المعارضة من المساس بقيم الجمهورية العلمانية التي وضعها مصطفى كمال أتاتورك وتتخوف من أن حزب العدالة يريد تغيير الدستور ليناسب رؤيته المحافظة للدولة. بدأت فصول هذه المبارزة في شهر تشرين الثاني من العام الماضي حين حدثت مواجهة غير مسبوقة في تاريخ الجمهورية بين المحكمة الدستورية العليا والمحكمة الإدارية العليا بعد أن رفضت المحكمة الإدارية قرار الدستورية بما يتعلق بقضية النائب جان أطلاي المسجون منذ 2022 بعد إدانته بمحاولة المساعدة في قلب نظام الحكم. التحالف الحاكم داعم للمحكمة الإدارية فيما المعارضة تدعم المحكمة الدستورية. صراع تطور كثيراً ووصل لدرجة أن المحكمة الإدارية العليا بعد أن رفضت قرار الدستورية العليا بأنها قدمت شكوى غير مسبوقة أيضا لمحاكمة أعضاء الدستورية العليا.

من اليوم وحتى يوم 31 آذار القادم موعد الانتخابات البلدية ستتصاعد سخونة التصريحات بين قادة الأحزاب المتنافسة وسيرتفع معها منسوب الاستقطاب داخل المجتمع التركي ورغم أن الجميع سيتحدث عن السباق الانتخابي للبلديات لكن أنظارهم متجهة نحو الدستور ومعركة تغييره المتوقع أن تبدأ مع بداية الصيف القادم، والذي سيكون بطبيعة الحال ساخناً جداً نظرا لحساسية وأهمية ما يعنيه تغيير الدستور في بلد مثل تركيا.