icon
التغطية الحية

في مديح الكذب

2024.02.02 | 23:09 دمشق

لبب
+A
حجم الخط
-A

في البداية، كان من الصعب على إنسان الكهوف أن يُميّز بين أحلامه التي يراها أثناء نومه وبين ما يجري في حياته الحقيقية -وهذا ما يمكن أن يحدث حتى الآن مع بعض الأطفال في سنواتهم الأولى. ولكن مع مرور الوقت اكتشف الإنسان الحدّ الفاصل بين العالمين، عالم الحقيقة وعالم الخيال، وأدرك بالتالي طبيعة المُتخيّل، فصار بمقدوره أن يتصور بشكل واع ومقصود أشياء لم تحدث في الحقيقة، وبذلك نشأ الكذب أولاً، والذي كان اللبنة الأساسية للخيال الفني.

في أحد التصورات القديمة عن الآلهة، ورد أنها تحقق إرادتها عبر أحلامها فقط، فما تحلم به الآلهة يصبح حقيقة في اليوم التالي، وقد تبنتْ هذا التصور معظمُ الديانات القديمة وأخرجته بصيغ مختلفة، ولذلك أعتقد البشري أن الأحلام هي واحدة من أهم الهبات التي منحتها له الآلهة، وكان أن تولدت من هذا الاعتقاد علاقة متينة تجمع بين الغيب والأحلام، وتمنح من أدعوا أنهم من الصالحين الأوائل الحق في الرؤى التي تكشف الغيب، كما تمنح الأصلح منهم القدرة على فك رموز هذه الرؤى وتفسيرها بعبارات واضحة ومحددة تفضح المستقبل بجلاء، وهذا ما يفسر إيمان الكثيرين وحتى الآن بتفسير الأحلام، بالطبع المقصود هو تفسير ابن سيرين لا تفسير فرويد.

نحن نصدق أحلامنا أحياناً، نلبس لبوس النبوءة، نرويها للآخرين بتفاصيلها التي تخضع للتأويل كي نبرهن لمن يستمع أننا نحفظ درب الآلهة ونسير عليه، وهنا يأتي دور الكذب

***

مر الكذب في تطوره بمراحل عدة، وكذلك كان له غايات عدة، وقد كان من ضروراته الخوف من وسم الضعف في مجتمعات بدائية أقرب إلى الحيوانية تفتقد إلى الأخلاق والقوانين، فإحدى وسائل الدفاع كانت ادعاء القوة كسور مفترض يحمي من الانتهاك، كما أن الافتراق الأبدي عن الحلم بجمالياته، دفع الإنسان إلى محاولة الاقتران به ثانية عبر ادعائه، عبر تبنيه وروايته على أنه حقيقة، ومع محاولات تدارك الضعف عبر تقليد الآلهة في أحلامها، وأيضاً الغيرة من قوة وحكمة الآلهة المطلقة، وكذلك الشعور المتعاظم بالفناء، كان تطور الكذب، حيث بدأ يبتعد قليلاً عن الخيالي الصرف، حتى أخذ شكل الحكايات الأولى التي احتاجت مع الزمن إلى منطقها الفني والأخلاقي الخاص، كما احتاجت أيضاً إلى كبح جموح الخيال قليلاً ليصل الإنسان إلى حكاياته الخاصة الأولى التي تدور حوله فقط، حول البشري الخاضع لقوانين الطبيعة والعاري من القدرات الخارقة التي تمتلكها الآلهة، هذه الحكايات التي حاولت أن تنفك عن حكايات رواها سابقاً، حكايات مفعمة بالخيال، وتدور بكاملها حول الآلهة ، فجاءت كخطوة ابتدائية حكايا الأبطال الخارقين الأولى التي بدأت مع أنصاف الآلهة " أطلس، أورفيوس، هرقل..."، واستمرت حتى الآن عبر شخصيات الأبطال الخارقيين الروائية والسينمائية" سوبرمان، سبايدر مان، بات مان..." والتي بكل الأحوال يحبها الأطفال أكثر مما يحبها البالغين لاقترابها من الأحلام البدائية.

إذن نحن نصدق أحلامنا أحياناً، نلبس لبوس النبوءة، نرويها للآخرين بتفاصيلها التي تخضع للتأويل كي نبرهن لمن يستمع أننا نحفظ درب الآلهة ونسير عليه، وأيضاً كي نحصل على شهادات البراءة المرجوة، فالرؤيا لا تُتاح للسيئين! وهنا يأتي دور الكذب، نقول ما لم يحدث، لكي نحصل على أشياء لا يمكننا الحصول عليها فيما لو اكتفينا بالواقع.

***

نشر موقع تلفزيون سوريا في الـ16 من شباط 2021 مقالة مهمة للكاتب السوري مالك داغستاني عنوانها " ألعاب الذاكرة" جاء فيها:

"واحدة من الهوايات القسرية، ولكن المفضلة بالنسبة للسجناء المحرومين من واقع مُعاش هي الخوض في الذكريات وروايتها... رواية الذكريات بهدف الاستعراض، يحتّم على الراوي حذف بعض مكونات هذه الذكرى أو الزيادة عليها، لتكون أجمل أو أكثر قيمةً ومدعاةً للفخر، لتكتسب جدارتها بالروي، عند الانتهاء من هذه المهمة الممتعة، تُعاد هذه الذكرى إلى موقع حفظها في الدماغ، دون إزالة الزوائد التي علقت بها، أو إعادة ما تم حذفه منها، تعاد إلى موقعها باعتبارها الحقيقة، دون الأخذ بعين الاعتبار أن حقيقة جديدة قد حلَّت مكان الحقيقة الأصلية".

 نوع آخر من الكذب يتحدث عنه مالك داغستاني في مقالته الشيقة، تفرضه حاجتنا إلى أن نكون محبوبين وجديرين بالحياة في المساحات التي تغيب عنها الحياة، هذه المساحات التي لا يمكن لشيء أن يمثلها كما يفعل السجن، وكذلك  تفرضها حاجة الفن إلى استيفاء عناصره الضرورية ليصبح فناً، فما يفعله السجناء هنا، هو تماماً ما يفعله الراوي الخبير، يتحدث عن الحقيقة بمنظوره الفني الخاص، بهدف الانتقال بها إلى مستوى آخر يجعل منها حكايةً جديرة بالروي، وحاملة لآمال وطموحات لم تقدم لها الحياة الواقعية البيئة المناسبة لتكون كما أردناها، ولعل مساحة التأمل التي من المفترض أن يمنحها السجن، الثبات والسكون والهدوء والوقت الفائض، عوامل مهمة لتنقيح الحكايات بالصورة الملائمة، كما أن التماس المباشر مع الجمهور المفترض، ميزة إضافية تُخرج الحكاية في حلتها الأكيدة التي يرغبها الآخر.

الخيال إذن هو الرابط الأصيل بين الفن والكذب، وبالتأكيد الفنان على عكس الكاذب لا يحاول أن يدعي أن فنه حدث حقيقي، ولكنه يسخر كل الإمكانيات التي يمتلكها ليمرر كذبته بصورة أقرب إلى الحقيقة، ومع مرور الزمن تصبح أقوال المبدعين بمثابة الحقائق الثابتة التي نستشهد بها كي نثبت صحة نظرياتنا أو ادعاءاتنا، وبذلك يصبح الكذب أحياناً، أكثر صدقاً من الواقع، وهذا ما عبر عنه الفنان العالمي "بيكاسو" حين قال:

"نعرف جميعاً أن الفن ليس الحقيقة، إنه كذبة تجعلنا ندرك الحقيقة".