في ذكرى رحيله الثامن.. "أبو فرات" ثائر الكلمة والبندقية

تاريخ النشر: 15.12.2020 | 06:52 دمشق

إسطنبول - فراس محمد

"أنا حزين جداً، لأن هذا العتاد عتادنا، وهذه الدبابات دباباتنا، والذين يموتون إخوتنا، وكل هذا بسبب تمسك الأسد السفاح بالكرسي".

كانت هذه آخر الكلمات التي قالها العقيد يوسف الجادر (أبو فرات) للإعلام خلال تلاوة بيان سيطرة فصائل المعارضة على مدرسة المشاة في محافظة حلب، قبل أن يفجع السوريين بنبأ مقتله بعد ساعات قليلة من هذا التصريح.

وفي الذكرى الثامنة لرحيله ما زال الثوار السوريون يستذكرون كلمات أبي فرات التي أسقطت بعفويتها وصدقها كل محاولات النظام لتشويه صورة الثوار من خلال وصفهم بالطائفيين والمتطرفين والعملاء لأجندات خارجية.

نشأة أبي فرات

ولد يوسف ابن أحمد الجادر "أبو فرات" في مدينة جرابلس عام 1970، وهو الابن الأصغر بين أشقائه الذكور "علي ومسلم ومحمد"، كما أن لديه أربعَ شقيقات هن "تايهة وخيرية ومنيرة ويسرى وخولة".

درس أبو فرات المرحلة الابتدائية في مدرسة صادق هنداوي بمدينة جرابلس، وأكمل تعليمه الإعدادي والثانوي في ثانوية أحمد سليم الملا في جرابلس حيث حاز على الشهادة الثانوية الفرع العلمي عام 1988.

والتحق أبو فرات في عام 1989 بمعهد إعداد المعلمين في مدينة منبج، ونجح في السنة الأولى، لكنه ترك المعهد والتحق بالكلية الحربية في مدينة حمص أواخر العام 1990.

وفي عام 1993 تخرج أبو فرات من الكلية الحربية قسم "المدرعات" برتبة ملازم.

وعن حياة أبي فرات قبل التحاقه بالكلية الحربية يقول شقيه الفنان التشكيلي محمد الجادر، إنه كان طفلاً مرحاً ويحب اللعب بأمور لها علاقة بالمعارك والحروب، وذلك من خلال تقليده لشخصيات القادة العظماء من أمثال صلاح الدين الأيوبي وخالد بن الوليد.

ويضف محمد الجادر أن أبا فرات خلال المرحلة الثانوية التحق بفرقة نحاسية للموسيقا، حيث كان يعزف على الترونبيت، كما التحق أبو فرات خلال تلك الفترة بالمسرح الذي شكل في نادي شبيبة جرابلس حيث شارك بعدد من المسرحيات التي عرضت في مدينة جرابلس ومسرح صالة الكواكبي في مدينة حلب.

وبعد حصوله على الشهادة الإعدادية حاول الالتحاق بالكلية الجوية، حيث خضع للامتحانات الصحية، لكن لم يتم قبوله بحجة أن لديه جيوباً أنفية، وعاد لإكمال تعليمه الثانوي حيث نجح بالشهادة الثانوية الفرع العلمي، ودخل بعد ذلك معهد إعداد المعلمين في منبج، لكن رغبته في الالتحاق بالجيش لم تنته، حيث التحق في العام التالي بالكلية الحربية من أجل تحقيق حلمه.

أبو فرات بعد تخرجه من الكلية الحربية

يقول محمد الجادر إن أبا فرات بعد تخرجه من الكلية الحربية برتبة ملازم تم فرزه مباشرة إلى فوج دبابات في مدينة طرابلس اللبنانية، حيث بقي هناك لمدة سنتين قبل أن يلتحق بفوج دبابات بمدينة طرطوس ويترفع خلالها لرتبة ملازم أول، وبعدها التحق بفوج دبابات في قرية أسطامو في اللاذقية والذي بقي فيه حتى تاريخ انشقاقه.

ويوضح محمد الجادر أن أبا فرات قضى معظم فترة خدمته في مناطق الساحل السوري والتي تعتبر الحاضنة الرئيسية لنظام الأسد، وهو ما جعله على تماس مباشر مع هذه الحاضنة طوال أكثر من 15 عاماً، حيث دائما ما كان يصفهم بأنهم أناس ريفيون وبسطاء وطيبون، لكن النظام نجح في استغلالهم لتحقيق مصالحه من خلال التجييش الطائفي.

وعبر أبو فرات عن علاقته مع أهالي الساحل السوري من خلال رسالته الشهير التي وجهها لنظام الأسد، والتي أكد خلالها على أن العلاقة ستسمر بين الشعب السوري وخاصة مع العلويين حيث قال إنهم شعب طيب وفقير، فقط قادة الفرق العسكرية هم المنتفعون من النظام أما بقية الطائفة فهم وقود لتحقيق مآرب النظام الخبيثة.

وقال مخاطباً أبناء الطائفة العلوية بوصفه شخصاً عاش معهم لفترة طويلة ويعرفونه جيداً، إن الثوار ليسوا أعداءهم بل إخوتهم.

 

 

انشقاق أبي فرات

في الـ 17 من شهر تموز عام 2012 انشق العقيد يوسف الجادر بعدما رفض قرار قصف مدينة الحفة بريف اللاذقية بالدبابات، حيث توجه بعد انشقاقه إلى منطقة جبل الأكراد ومن ثم إلى إدلب ليدخل من هناك إلى الأراضي التركية.

لكن أبا فرات تابع مسيره عائداً إلى سوريا ليلتحق بصفوف الجيش الحر وشارك في معارك تحرير مدينة الباب حتى قبل أن يزور أهله في مدينة جرابلس، حيث قال إنه يريد سد الدين لأهالي الباب الذين استشهد عدد من شبانهم خلال تحرير مدينة جرابلس، بحسب ما أفاد شقيقه محمد.

وبعد المشاركة في معارك تحرير مدينة الباب تم تشكيل لواء التوحيد بقيادة عبد القادر الصالح فيما شغل أبو فرات منصب رئيس أركان اللواء الذي كان له الدور الرئيسي في معارك تحرير أحياء مدينة حلب الشرقية في صيف عام 2012، حيث شارك في معارك تحرير أحياء صلاح الدين وسيف الدولة

رحيل أبي فرات

بعد النجاح في تحرير أجزاء واسعة من مدينة حلب ومعظم أريافها، توجهت أنظار الجيش الحر إلى السيطرة على القطع العسكرية التابعة لقوات النظام في محيط مدينة حلب ومن أهمها كانت مدرسة المشاة التي تقع على بعد 20 كم من مركز مدينة حلب، حيث فرض الجيش الحر حصاراً خانقاً على المدرسة استمر ثلاثة أسابيع، قبل أن يتمكن بقيادة العقيد أبو فرات من السيطرة على أجزاء واسعة من المدرسة، ليخرج أبو فرات في بيانه الشهير، الذي هز به مشاعر السوريين ولم يكن أحد يعلم أن هذا البيان هو بيانه الأخير قبل رحيله.

 

 

فبعد ساعات قليلة من الفرح الذي غمر قلوب الثوار السوريين بتحرير مدرسة المشاة، نزل خبر مقتل العقيد أبي فرات خلال تمشيط بعض الجيوب الأخيرة في المدرسة على السوريين كالصاعقة، فاقت فاجعتها الفرحة بتحرير مدرسة المشاة.

ويروي شقيقه محمد لحظات تلقيه النبأ ويقول "كانت من أصعب اللحظات.. البعض يقول إن أبا فرات محاصر بمدرسة المشاة.. والبعض يقول مصاب وهو الآن بالمشفى..".

ويضيف "كنت أنا بالمكتبة وجاء شخص وقال لي.. يقولون أبو فرات محاصر بمدرسة المشاة لكن الخبر غير أكيد.. أنا فوراً أغلقت المكتبة وخرجت باتجاه ساحة المركز الثقافي.. حيث رأيت الناس مجتمعة بالمئات.. الكل ينظر باتجاهي.. عندها أدركت بأن أبا فرات قد استشهد.. لم تخرج الدمعة من عيني.. فقط أردد كلمة واحدة أخوي يوسف..".

ويتابع محمد "تأكد الخبر ووصل الجثمان مساءً.. عندها انهمرت دموعي وأنا أصرخ أخي يوسف لا ترحل.. وأغمي علي حيث تم نقلي إلى المشفى.. بعد ذلك عدت إلى المقبرة وكان الوداع الأخير لأبي فرات.. لا أسمع إلا صوت البكاء وصوت الرصاص.. عند الدفن كانت لحظات لا تنسى.. أخذت أحتضنُ أبناءه وأقول لهم أبوكم لم ولن يموت.. أبوكم باقي بداخل كل إنسان حر شريف.. وأنا حتى هذه اللحظة ينتابني شعور بأن يوسف لم يرحل.. فما زلت أشعر بوجوده بيننا".

 

مقالات مقترحة
أردوغان يعلن عودة الحياة لطبيعتها في تركيا تدريجيا بعد عيد الفطر
سوريا.. 11 حالة وفاة و188 إصابة جديدة بفيروس كورونا
العراق: فرض إغلاق شامل في بغداد لمواجهة تفشي فيروس كورونا