icon
التغطية الحية

فيلم "أغنية الأحياء".. نظرة مختلفة نحو اللاجئين القادمين من بقاع مجهولة

2022.12.17 | 11:41 دمشق

الحياة
من فيلم "أغنية الحياة"
+A
حجم الخط
-A

تدعو المخرجة الفرنسية سيسيل ألجرا عدداً من اللاجئين وطالبي اللجوء الأفارقة في فرنسا إلى إقامة مؤقتة في قرية كونكس، جنوب غرب فرنسا، ضمن إطار عمل جمعية ليمبو LIMBO التي تعمل على دعم المنفيين الذين عانوا من العنف والتعذيب خلال رحلتهم، ومساعدتهم على الصمود وإعادة البناء.

حيث تبدأ بالعمل معهم بشكل إفرادي وجماعي، رفقة شريكها الموسيقي، على رواية تفاصيل رحلات لجوئهم، انطلاقاً من أوطانهم، وصولاً إلى مستقراتهم الحالية على الأراضي الفرنسية.

في فيلمها الذي جاء كمحصلة لهذه التجربة، وحمل عنوان "أغنية الاحياء" وسيبدأ عرضه في صالات سينمائية بداية العام القادم، وعرض بشكل خاص في معهد العالم العربي بباريس نهاية شهر نوفمبر الماضي، تدعو ألجرا الجمهور للنظر إلى الحكايات التي يسمعها من أفواه أصحابها والاستغراق فيها، ليس بوصفها وثائق عن أسباب أحقيتهم في الحصول على اللجوء، بل من خلال كونها سير شخصية، لأولئك الذين خاضوا في رحلات الموت، تاركين حيواتهم في البلاد التي جاؤوا منها، آسفين عليها، لكنهم في المقابل يدركون أن في الحياة أشياء لم يروها، ولن يكون بإمكانهم أن يقتربوا منها، طالما أنهم مهددون بالموت والتهجير في الموطن الأصلي!

فيلم فرنسي
ملصق الفيلم

تروي كل شخصية نتفاً مما جرى معهاً، بينما تقوم سيسيل بتسجيل الكلمات بأناقة على دفترها المتخم بالملاحظات، رغم أن الوقائع التي تروى تستدعي الارتجاف لهول ما تحتويه من صدمات، وإذ يبكي المُستَنطَقون لابد من أن يتأثر المُستَمِعون، فيبكون بدورهم، ليجري الخروج لاحقاً بمجموعة كلمات، تختصر التفاصيل، وتعبر عنها بشكل مركز، ليتم من بعد ذلك تفصيل أغنية لحياة الشخصية!

سيكتشف المتفرج الذي تابع مشاهد اللجوء الجماعي للقادمين من سوريا والعراق وإيران وأفغانستان وغيرها أن هناك مآسيَ أخرى في العالم لا يعرف عنها شيئاً

عرفت المخرجة واقع المجتمعات الأفريقية من خلال عملها الصحفي التلفزيوني، وهي تدرك وجود فجوة كبيرة في معارف الجمهور الفرنسي والأوروبي عما يتعرض له طالبو اللجوء أثناء رحلاتهم الخطرة، وهم يعبرون حدود الدول الأفريقية، التي تزدهر فيها بالتوازي مع حروبها أنشطة عصابات القتل والسلب، العاملة على استغلال المهاجرين، وهم يحاولون الوصول إلى قوارب ستنقلهم من سواحل شمالي أفريقيا إلى الضفة الأخرى.

هنا، سيكتشف المتفرج الذي تابع مشاهد اللجوء الجماعي للقادمين من سوريا والعراق وإيران وأفغانستان وغيرها، أن هناك مآسي أخرى في العالم، لا يعرف عنها شيئاً، وأن الآلام التي يعيشها اللاجئون القادمون من القرن الأفريقي، وتحديداً من الصومال وأرتيريا وجنوب السودان، لا يمكن المرور عليها بعجالة، ليصل في المحصلة إلى حقيقة تقول إن أحداً من أقوام اللاجئين حول العالم يحق له الادعاء بأن تجربته هي التراجيدياً الكاملة، ففي كل درب من دروب رحلات اللجوء يمكن العثور على حيثيات تتصاعد بلا نهاية لجهة المشاق والألم!

الأمر وبحسب ما يوحي به الفيلم، ليس مسابقة لتحديد من هو الفائز بجائزة القهر، بل هو تعبير عملي عن ضرورة "الإلتفات إلى ألم الآخرين" فكما فعلت الناقدة الأمريكية سوزان سونتاغ (1933 - 2004) في كتابها الذي يحمل هذا العنوان، في توثيق لحظات الموت في سياق الحروب، يصبح من الضروري النظر والتأمل في حكايات الضحايا الذين فقدوا كل شيء نتيجة للحروب وللقمع وللإرهاب، وتوجهوا للبحث عن حيوات مختلفة في أمكنة أخرى، وبالإضافة إلى ماسبق، يصبح من الضروري العمل على إيجاد طرق لمساعدتهم للتخلص من الصدمات النفسية (تروما) التي أصابتهم، بعد أن أحاقت بهم الأخطار، وتم استغلالهم على يد عصابات المهربين في ليبيا، التي أجمعت شخصيات الفيلم على أن عبورها باتجاه البحر، كان لوحده جحيم رحلتهم غير القابل للشفاء، بسبب حالة الفوضى الحاصلة فيها.

تتوجه ألجرا في تجربتها هذه نحو الموسيقا، وكتابة الكلمات الموجزة القابلة للغناء، لتجعل منها أداة طيعة تدفع الشخصية لأن تبوح بما لا تستطيع الحديث عنه، في الجلسات التي يخوضها طالب اللجوء مع موظفي المؤسسات الرسمية، خلال إجراءات حصوله على حقه في الإقامة، فعلى هامش كل تفصيل هناك حيثيات لا تفهمها لغة المكاتب والقوانين، لكن الناس حين تستمع تلتقط المخفي من الكوامن الذاتية، وحين يُدرك المتحدث بأن من يجالسه التقط روح اللحظة، سيرى أن الموقف لا يستحق بذل الجهد من أجل تماسك مزيف، فيجهش بالبكاء.

الأغنيات المصنوعة هاهنا بعد الجلسات المطولة مع الشخصيات هي الدموع المالحة، لكنها مشكّلة من طبيعة مختلفة وهندسة مغايرة، لتكون جزءاً من العلاج النفسي المكرس من أجل الضحايا.

تتحدث المخرجة ألجرا في سياق حديثها مع الجمهور عن فيلمها عن أنها ذهبت صوب الموسيقا لتخلق لغة مشتركة وسط "بلبلة" اللغات في مجتمع طالبي اللجوء، وهي تعرف أن هذا هو جزء من سياق كامل، يتم فيه تكريس الفنون، من أجل فتح المستغلق في نفوس الناجين من الموت.

غير أنها ومن خلال زوايا لقطات ترصد الوجوه، وتتبع تحولاتها الحسية والشعورية تكشف عن أن ما تفعله ليس سوى محاولة، تهدف إلى دفع أصحابها نحو مواجهة ماضيهم، أو ما علق في رؤوسهم من كوارث شخصية وعامة، والمضي شيئاً فشيئاً نحو التخلص منه في الوقت الراهن، طالما أن المطلوب هو التماس مع الحياة الجديدة، وهي تقر بأن ما تفعله عبر جمعيتها، أو عبر الفيلم، وغير ذلك من الأنشطة، ليس حبل إنقاذ، فهذا دور يتعدى قدرة المؤسسات الأهلية، لكنها تؤشر للاجئين وكذلك للمجتمعات المضيفة إلى حيث تكمن دروب النجاة، أي نجاة الخائفين الهاربين من الموت في بلادهم، ونجاة المضيفين من السقوط في فخ التنميط، الذي يتحول إلى نوع من الوصمة، بسبب عدم القدرة على الاندماج بسبب اللغة والاختلاف في العادات وأساليب الحياة.

ضمن هذا السياق، يتحول الفيلم الوثائقي، إلى إطار للفعالية العامة، والمشاركة خلق الاندماج، ومحاولة إحداث الفرق على الأرض، في مجتمعات تعاني من النظرة المسبقة تجاه الغرباء، ومن تحول وجودهم على أراضيها إلى قضية سياسية، تتقاذفها القوى الحزبية في صراعاتها البينية.