icon
التغطية الحية

فلاديمير بوتين بات بحاجة إلى مجموعة فاغنر في أوكرانيا أكثر من أي وقت مضى

2023.05.16 | 13:07 دمشق

بريغوزين مرتدياً البزة العسكرية على سطح أحد الأبنية أثناء حرب باخموت
بريغوزين مرتدياً البزة العسكرية على سطح أحد الأبنية أثناء حرب باخموت
abc - ترجمة: ربى خدام الجامع
+A
حجم الخط
-A

من بائع سجق إلى أحد أهم الشخصيات الروسية وأكثرها نفوذاً في العالم. هذا ما يجعل من قصة ييفغيني بريغوزين قصة استثنائية، ولعل شخصيته أكثر شخصية محيرة في خضم هذه الحرب المروعة بين روسيا وأوكرانيا.

ما يزال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اليوم يراوح المكان عبر إرسال قائد عسكري فاشل إثر آخر، في الوقت الذي ما يزال فيه بريغوزين حتى اللحظة أكثر روسي ينعم بالأمان في العالم، وذلك لأنه ليس مهدداً بالتسميم أو الحبس أو الرمي من نافذة في الطابق العشرين، وذلك طالما واظب على تأدية المطلوب منه.

a bald man in a bomber jacket walks between two taller men in baseball hats.

بريغوزين في جنازة مدون عسكري روسي قتل في هجوم بمفخخات استهدف مقهى في سانت بطرسبرغ

ولكن في اللحظة التي يصبح معها عديم الفائدة، سيصبح مستقبله أسود، أو لن تتسنى له فرصة ليعيش هذا المستقبل أصلاً.

 في الوقت الراهن، بات بوتين بحاجة إلى بريغوزين أكثر من أي شخص آخر، إذ من دونه، يمكن لحالة الجمود القاتلة التي تعيشها روسيا في معركة باخموت أن تتحول إلى نصر حاسم لصالح أوكرانيا.

يترأس بريغوزين مجموعة فاغنر وهي جماعة خاصة من المرتزقة تجوب البلاد بحثاً عن فرص لتقديم خدمات أمنية لأنظمة مارقة، وهذا يعني بصورة أساسية إبقاء أنظمة بعينها في السلطة.

ومن أبلغ الأمثلة على ذلك علاقة فاغنر بحكومة مالي، إذ في تلك الدولة الأفريقية، حصلت فاغنر على أجر مقابل ضمان إجهاض ما تسعى إليه الميليشيات في شمالي البلاد من أجل الإطاحة بالسلطة.

أموال مقابل إنكار منطقي

إن كنت زبوناً لدى شركة فاغنر، فإنها أذكى من أن تسألك عن الطرق التي ستستخدمها لتتكفل بأمانك، فالإنكار المبني على المنطق يعني أنك لا تدري إن تعرض شخص ما للضرب أو القتل حتى تستمر في الحكم من مكتبك الفاره المكيف.

معظم الأموال التي تتلقاها فاغنر على ما تمارسه من أعمال تأتيها عن طريق الخدمات الأمنية التي تؤديها في أفريقيا، إلى جانب تجارة الذهب والماس الذي تأتي به من عدد من الدول الأفريقية.

بعيد شن بوتين لغزوه على أوكرانيا في شهر شباط من العام الفائت، تبين بأن الجيش الروسي ليس ضخماً كما يقال عنه.

ولهذا استدعى بوتين بريغوزين على عجل ليشاركه في الحرب، ومن المؤكد بأن بوتين مثله مثل أي ديكتاتور أفريقي قد دفع مبلغاً ضخماً من المال لبريغوزين مقابل الخدمات التي تقدمها فاغنر.

وبما أن روسيا ليس لديها تقديرات شفافة وصحافة حرة، ما تزال تفاصيل أي دفعة تدفعها روسيا لفاغنر مجهولة، فإن المعلوم هنا هو أن فاغنر ساعدت روسيا على مواصلة القتال.

A man is seen inside the "PMC Wagner Centre" through glass doors with the group's logo on them.

مركز لفاغنر افتتح في سانت بطرسبرغ العام الماضي

فاغنريون قدماء وجدد

في لقاء أجري مع مسؤول رفيع لدى القوات الخاصة بأوكرانيا درس فاغنر عن بعد وواجه قواتها في ساحة المعركة، كما استجوب أحد مقاتليها الذين أسرتهم أوكرانيا في باخموت أخيراً، شرح هذا الرجل بأن هنالك صنفين داخل مجموعة فاغنر: القدماء والجدد. بالنسبة للقدماء فهم مقاتلون محترفون وحاصلون على تدريب جيد، وكثير منهم انضموا إلى الجماعة منذ أن عملت في سوريا عام 2015.

أما الفاغنريون الجدد فيشار إليهم عادة بالسجناء، لأن معظمهم أتوا من السجون ومن المصحات العقلية الروسية.

مع تطور الحرب خلال العام الماضي، أدرك بريغوزين بأن وتيرة الأهوال التي سيخوضها مع مقاتليه أسرع من وتيرة تجنيدهم، ولهذا مضى في عملية التجنيد من السجون والمصحات العقلية الروسية، وبمجرد أن استنفد الفئة الراغبة بالتجنيد، حاول مع مرتادي النوادي الرياضية، إلا أنه لم يحقق كبير نجاح هناك.

يعرف الفاغنريون الجدد بأنهم وقود المدافع على الجبهات، إذ يُعتقد بأن مئة منهم يفارقون الحياة كل يوم في المنطقة المحيطة بباخموت.

لم يخف بريغوزين أعداد القتلى الكبيرة بين صفوف مقاتليه، حيث سجل أخيراً أحد أشهر فيديوهاته أمام كومة من المقاتلين القتلى، وهو يصرخ وينادي على السلطات في موسكو بأن هؤلاء الرجال قتلوا بسبب نقص الذخيرة.

في الوقت الذي يمكن فيه لنقص الذخيرة أن يكون سبباً في ذلك، لم يصرح بريغوزين بأن الطريقة التي يدفع بها مقاتليه للحرب هي السبب في تكبد الآلاف من القتلى بينهم بكل تأكيد.

كيف تعمل فاغنر

شرح ضابط لدى القوات الخاصة الأوكرانية طريقة عمل مقاتلي فاغنر والتي تعتمد على تقسيمهم إلى مجموعات مؤلفة من ثمانية أفراد، حيث يمكن لتلك الفرقة أن تركض وتزحف وتتعرج في طريقها وهي تخترق الجبهة الأوكرانية، وتتألف الفرقة من قائد ومسؤول مسيرة وستة مقاتلين يشار إليهم بأنهم بغال، وذلك لأنهم يحملون أكبر قدر ممكن من الذخيرة، والتي تشمل قاذفات القنابل الصاروخية والرشاشات.

وبمجرد أن تتقدم الفرقة مسافة 20-30 متراً، تبدأ بحفر خندق ليتحول إلى بداية لجبهة روسية جديدة، ثم يختبئ كل منهم مع سلاحه داخل الخندق.

بعد ذلك ينضم قسم آخر من مقاتلي فاغنر إلى تلك الفرقة، وتبدأ بالحفر لزيادة عمق الخندق وطوله.

وفي حال بقي الجميع على قيد الحياة بعد فتح جبهة جديدة، فسينضم إليهم مقاتلو فاغنر المحترفين أي القدماء، وفي بعض الأحيان يمكن لمقاتلين روس محترفين تولي أمور تلك المواقع الجديدة.

A group of men in combat fatigues holding weapons and torches pose in front of a rocky, white, underground wall.

مقاتلو فاغنر في نفق السوليدار

بيد أن فرص بقاء المقاتل المستجد في فاغنر بعد قيامه بتلك العملية لمرات عديدة ضئيلة جداً.

ذكر مقاتل فاغنر الذي تم استجوابه بأن مقاتلي فاغنر يحصلون على أجر وقدره 400 دولار أميركي يومياً في أثناء خوضهم للقتال، أي أن أجرهم أعلى بكثير من أجر أي جندي نظامي روسي.

وهنالك عنصر آخر ألا وهو تعويض الخطر والذي لا يحصل عليه مقاتلو فاغنر عند عودتهم إلى قاعدتهم.

وعندما لا ينخرط مقاتلو فاغنر في عملية قتال فعلية، يتقاضى كل منهم أجراً يعادل 100 دولار يومياً، وهذا المبلغ ما يزال أعلى مما يمكن لأي منهم أن يتقاضاه وهو في أحد سجون سيبيريا أو في أثناء إقامته في السودان أو سيراليون أو مالي.

مستقبل بريغوزين

أجرى الأكاديمي والدبلوماسي الأسترالي السابق، إيان بارميتر، دراسة حول مجموعة فاغنر، بما أنه عضو لدى الجامعة الوطنية الأسترالية ومستشار سابق لدى السفارة الأسترالية في موسكو، ولهذا أعلن في مقابلة أجريت معه خلال شهر كانون الأول الماضي بأنه تمت الاستعانة بفاغنر في الدونباس خلال عام 2014 وفي سوريا في عام 2015، حيث قال: "يشمل مرتزقة فاغنر بعضاً من جنود مجموعة سبيتسناز السابقين، إلا أن لديهم صفات تميزهم عن تلك الجماعة، وذلك لأن روسيا تنكر وجودهم بنسبة أكبر، وقد تم نشرهم بداية في الدونباس في عام 2014 في الوقت الذي رغبت فيه روسيا بخوض حرب خفية، لتدحض الانتقادات الدولية حول انتهاكها للسيادة الأوكرانية، ولهذا أخفت عدد القتلى الروس عن أعين الشعب الروسي. وتشير إحدى التقديرات الأوكرانية بأن ثلث المرتزقة لا يتحدثون الروسية، ما يعني عودة عدد أقل من أكياس الجثث إلى روسيا. وبالشكل ذاته، وعلى الرغم من أن التدخل العسكري الروسي في سوريا تم عبر سلاح الجو في عام 2015، إلا أنه تم نشر مرتزقة فاغنر على الأرض لدعم الهجمات البرية التي تشنها القوات السورية والإيرانية وقوات حزب الله، وليعملوا كمراقبين ومحددي أهداف بالنسبة للغارات الجوية الروسية ونيران المدفعية التي تطلقها قوات البحرية من الساحل السوري".

ويرى بارميتر بأن هنالك عنصراً مهماً آخر يميز بين مجموعتي فاغنر وسبيتسناز وهو أن بريغوزين أراد لفاغنر أن تتحول إلى مشروع يدر مالاً، ولهذا قام بأعمال قذرة لصالح أنظمة بغيضة مثل النظام السوري والليبي والعديد من الدول الأفريقية".

وفي مجلة أوكسفورد في قسم الشرق الأوسط، والتي نشرت في شهر حزيران، كتب بارميتر: "يبدو بريغوزين اليوم أحد أفراد البطانة المقربة من بوتين بحكم الأمر الواقع، إلا أنه لا ينتمي إلى طبقة النخبة من ضباط الاستخبارات والجيش الحاليين والسابقين ممن يسيطرون على أدوات القوة الخشنة للدولة، كما لا ينتمي لطبقة الأوليغارشيين الروس، بل هو في أدنى درجة منها، وفي مقابلة أجريت مع بوتين خلال عام 2018، ذكر بأن روسيا غير مسؤولة عن بريغوزين كونه لا يشغل منصباً رسمياً، ولكن لولا مباركة بوتين لم تكن فاغنر موجودة، وذلك لأن بريغوزين يحتاج لموافقة بوتين على قرارته التي يتخذها على المستوى الاستراتيجي، مثل مكان وزمان نشر قوات فاغنر، وإن لم يرض عنه بوتين فلا بد أن يعود لإدارة المطاعم".

بيد أن بريغوزين لن يعود لإدارة المطاعم أو بيع السجق، لأنه صار بعيداً كل البعد عن ذلك، ولكن في حال هزيمة روسيا في أوكرانيا، وانسحاب قوات فاغنر والجيش الروسي، عندئذ سيبقى أمام بريغوزين خيار العودة إلى بقرته الحلابة القديمة، أي أفريقيا، وذلك ليعمل على تقديم خدماته الأمنية هناك إلى جانب العمل بتجارة الذهب والألماس.

في حين لايبدو خيار كهذا متاحاً أمام فلاديمير بوتين، إذ سواء انتصر أم هزم، فإنه سيبقى في روسيا بعد صدور أوامر اعتقال بحقه بسبب جرائم الحرب التي ارتكبها، وهذا ما يجعل مسألة سفره خطيرة.

لذا في حال الهزيمة، سيتعين على بوتين أن يراقب كل من حوله.

المصدر: abc