فاتورة التدخل الروسي في سوريا.. احتلال وتوتر مع واشنطن

تاريخ النشر: 30.09.2019 | 20:25 دمشق

تلفزيون سوريا - سامر القطريب

أربع سنوات على التدخل العسكري الروسي في سوريا، وما زالت روسيا تسعى لأن يعاملها الغرب كقوة عظمى أسوة بالولايات المتحدة الأميركية، والابتعاد عن صفة الوسيط أمام تضارب المصالح الإقليمية والدولية في الملف السوري. حاولت روسيا في السنوات الأخيرة لعب دور مؤثر في الشرق الأوسط من خلال تدخلها العسكري إلى جانب نظام الأسد وبناء جسور مع إيران وتركيا وإسرائيل والسعودية، لكنها تظهر اليوم على هيئة تاجر سلاح يجوب المنطقة العربية انطلاقاً من الأراضي السورية التي أصبحت مكانا لتجريب الأسلحة وتدريب قواتها.

انسحاب غربي أم توريط لـ موسكو؟

يرى مراقبون أن التردد الغربي في الملف السوري دفع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للتدخل في سوريا من أجل إحراز تقدّمٍ في تحقيق عدة مصالح أساسية هي صقل مكانة روسيا كقوّة عظمى، وإلزام الولايات المتحدة وأوروبا على التعامل مع موسكو على قدم المساواة، ومساعدة الأسد في غمر أوروبا باللاجئين، وصرف انتباه الغرب عن أوكرانيا.

كما أمَّنَ تدخلُ بوتين في سوريا ساحة تدريب للقوات العسكرية الروسية، مما شكّل طريقةً للترويج عن الأسلحة المحلية الصنع لزيادة كمية المبيعات، ووسيلةً لتخفيف قدرة المناورة الأميركية في المنطقة.

وبالإضافة إلى دعم قوات الأسد ومنع الدخول إلى مناطق معينة ومن خلال ذلك، وضع بوتين حدّاً للعمليات الغربية في حين وضَعَ روسيا في موقعٍ أفضل لجمع الاستخبارات الإقليمية.

حقق بوتين عدة أهداف رئيسية في سوريا. فجعل من روسيا الوسيط الأساسي للمنطقة، وأبقى بشار الأسد في السلطة، وعزز مبيعات الأسلحة، وصرف الجمهور الروسي مؤقّتاً عن القضايا الداخلية. بالإضافة إلى ذلك، ضمنت موسكو حالياً وجوداً عسكرياً طويل الأمد في سوريا ونقطة وصول إلى باقي المنطقة، من خلال قواعدها العسكرية البحرية في اللاذقية وحميميم.

ما حققته روسيا من تدخلها في سوريا يبدو مهدداً، بسبب بقاء القوات الأميركية في الشمال السوري وفي  قاعدة "التنف" العسكرية، وتقع هذه القاعدة في منطقة عبور حدودية مهمة وهي تشكل شوكة في حلق روسيا لأنها قد تقيّد قوات النظام والميليشيات الموالية لها والتابعة لإيران.

التدخل الروسي سيكون مكلفا، حيث يتدهور الاقتصاد الروسي ببطء في ظل احتجاجات مستمرة. ومن الناحية السياسية في روسيا فإن النفوذ السياسي لـ بوتين يتغير، إذ خسر في أيلول الماضي عددٌ من المرشّحين الذين يدعمهم بوتين في الانتخابات الإقليمية، مما قد يدل على تنامي الشعور المعارض لسياسة الرئيس الروسي.

التدخل الروسي والعلاقة مع تركيا وأميركا

عزّز التدخل العسكري الروسي المتزايد لجانب نظام الأسد التحالف بين أنقرة وواشنطن في سوريا، خاصة بعد العملية العسكرية الأخيرة في إدلب والتي استدعت زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى موسكو. ورغم توجه أنقرة قدماً في علاقتها مع موسكو، فإن الأخيرة تشكل عدوّاً تاريخياً ومنافساً في سوريا، الأمر الذي قد يضطر تركيا إلى تقوية التحالف مع واشنطن، ويبرز ذلك في اتفاق الطرفين على إقامة منطقة آمنة شرق الفرات.

الطرف الروسي لا يريد خسارة تركيا كشريك اقتصادي مهم في المنطقة، لكن في الوقت ذاته موسكو أمام تحدٍ كبير، بخصوص قطف ثمار تقدمها العسكري على المعارضة السورية وتحويلها إلى مكاسب سياسية واقتصادية. خصوصاً مع استمرار توريد منظومة "إس 400" الصاروخية الروسية إلى تركيا، التي طرحت على أميركا شراء منظومة باتريوت الأميركية.

كما تخشى موسكو في حال الوصول إلى اتفاق كامل الجوانب بين أنقرة وواشنطن، أن تخسر جميع مكتسباتها في سوريا، خصوصاً مع الحصار الخانق الذي فرضته الولايات المتحدة على إيران، والضربات الموجعة التي تتلقاها الأخيرة في سوريا عبر الضربات الإسرائيلية.

ورغم اتفاق روسيا وتركيا وإيران على تشكيل اللجنة الدستورية، التي تعني بالضرورة فتح الملف السياسي من جديد، فإن رؤى الدول الثلاث للحل السياسي تكاد لا تلتقي حول موضوع واحد.

ويرى مراقبون أنه من أجل الحفاظ على العلاقة مع تركيا، يعتمد الروس في إدلب مؤخرا سياسة القضم والهضم. لكن الروس ماضون في الحل السياسي على طريقتهم، بإعادة إنتاج نظام الأسد وهذا ما يبدو واضحاً من خلال الاتفاق على تشكيل اللجنة الدستورية، ما لم يحصلوا من الأميركيين على ثمن استراتيجي مقابله.

ولأن الطرف الأميركي غير آبه بما يفعله الروس، بل يريد توريطهم أكثر في قتل السوريين، فمن غير المتوقع حدوث تغيير جذري على المشهد في إدلب.

تدخل روسي ناعم

شهدت مناطق سيطرة النظام زيادة في عدد المنظمات الإنسانية الدولية التي تسعى إلى التسجيل والعمل فيها، حيث عملت ثلاث عشرة منظمة إنسانية روسية على الأقل منذ عام 2016 مع العلم أن كل هذه المجموعات تقريباً قد بدأت عملياتها في سوريا بُعَيْد تدخّل روسيا العسكري.

وعلى غرار الجهود العسكرية الروسية، من المرجَّح أن يكون لهذا "التدخّل الناعم" عواقب وخيمة على مستقبل سوريا لاسيّما في تحديد أوجه مستقبل المساعدات الإنسانية للبلاد.

وفي بعض الحالات، يظهر الرابط بين التدخل العسكري والإنساني الروسي جلياً، إذ تستخدم روسيا في المقام الأول مركز المصالحة الروسي في سوريا التابع لوزارة دفاعها للقيام بعمليات توزيع بارزة للمساعدات في أنحاء البلاد. ومنذ تأسيس المركز الإنساني الروسي الأرميني في أوائل عام 2016، وزّعت روسيا أيضاً عدداً كبيراً من شحنات المساعدات في سوريا عن طريقه.

غير أنّ هناك عدداً من الكيانات الإنسانية الروسية الأخرى التي لها روابط أقلّ وضوحًا بالعمليات العسكرية على الأرض. وتشمل هذه المجموعات البعثة الإنسانية الروسية، ومؤسسة أحمد قديروف، والمؤسسة الدولية للمساعدات العادلة، وصندوق روسار الخيري، ومنظمة قدامى المحاربين الروس.

وأجرت أيضًا ستة كيانات روسية منحازة دينيًا على الأقلّ عمليات في سوريا في خلال الصراع، بما فيها مركز تنسيق شؤون مسلمي شمال القوقاز، والكنيسة الروسية الأرثوذكسية، والجمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية الروسية الفلسطينية، والكنيسة الروسية للمسيحيين الإنجيليين، ومؤسسة بولس الرسول للإرث الروحي، ومؤسسة القديس أندراوس.

وتشمل أسباب وجود هذا العدد من المنظمات سهولة العمل النسبية في المناطق التي تسيطر عليها قوات الأسد. ففي حين يتوجّب على المنظمات الدولية اتباع عملية معقّدة وطويلة بهدف الحصول على إذن بالعمل رسمياً داخل المناطق التي يسيطر عليها النظام، لا تتمتع المنظمات الروسية بوضع تسجيل واضح في البلاد. ومن بين الدلائل الأخرى على أن هذه المجموعات تعمل خارج نطاق عملية التسجيل الرسمية للمنظمات غير الحكومية الدولية، هو أن المجموعات الروسية لا تشارك في الاجتماعات المخصصة للمنظمات غير الحكومية المسجلة رسميًا في سوريا.

احتلال كامل الأركان

بعد اجتماع نائب رئيس الوزراء الروسي، يوري بوريسوف، مع رأس النظام بشار الأسد وقع الطرفان اتفاقية تنص على تأجير ميناء طرطوس للروس لمدة 49 عامًا للنقل والاستخدام الاقتصادي والعسكري.

كما وقعت موسكو ونظام الأسد على اتفاقية لتوسيع مركز الإمداد المادي والتقني التابع للأسطول الحربي الروسي في طرطوس. وتسمح الاتفاقية بوجود 11 سفينة حربية، إضافة إلى النووية منها في آن واحد، لمدة 49 عاماً، مع إمكانية التجديد التلقائي لفترات لمدة 25 عاماً.

وتنص الاتفاقية، التي بدأ تطبيقها في 18 من كانون الثاني 2017، بأن تتولى روسيا حماية مركز الإمداد التابع لأسطولها، في البحر والجو، في حين تتولى قوات النظام الدفاع عن المركز من البر.

ويشدد الاتفاق على أن تستخدم روسيا مجاناً طوال مدة الاتفاق، الأراضي والمياه في منطقة ميناء طرطوس، فضلاً عن العقارات التي لم يتم الإعلان عنها رسمياً.

وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد أكد في قت سابق أن قاعدتي طرطوس وحميميم الروسيتين في سوريا تشكلان عاملاً مهماً لحماية المصالح الروسية.

وأوضح أن هاتين القاعدتين ستبقيان على الأراضي السورية للعمل بشكل دائم، مشيراً إلى أنهما تشكلان عاملاً مهماً في حماية أمن روسيا ومصالحها القومية في أحد الاتجاهات الاستراتيجية الرئيسية.