icon
التغطية الحية

غزة وسوريا وباكستان.. واشنطن بوست تدعو العالم لتشييد المزيد من الأسوار

2023.10.31 | 19:38 دمشق

آخر تحديث: 31.10.2023 | 19:38 دمشق

الجدار الإسمنتي على الحدود بين تركيا وسوريا - المصدر: الإنترنت
الجدار الإسمنتي على الحدود بين تركيا وسوريا - المصدر: الإنترنت
The Washington Post- ترجمة: ربى خدام الجامع
+A
حجم الخط
-A

أثبت سقوط جدار برلين أنه أحد أكبر التضليلات التاريخية، وذلك لأن العالم الذي تكشف بعد الحرب الباردة تحول إلى عالم تسوده الجدران المحصنة بدلاً من أن يصبح عالماً للحدود المفتوحة، فآخر مثال على خرق لأحد تلك الجدران تسبب بأكبر مقتلة تعرض لها اليهود منذ المحرقة. لذا فإن عبارة: "حطموا هذا الجدار" قد يكون لها وقع رائع في زمان ومكان محددين، ولكن عبارة: "أقيموا هذا الجدار واجعلوه منيعاً" التي أثارت رعب أشد مناصري العولمة هي التي ستسود مستقبلاً.

زيادة عالمية في الأسوار المحصنة 

تخبرنا إليزابيث فاليت من جامعة كيبيك بأن في العالم 74 سوراً على الحدود، أي إن العدد ارتفع لستة أضعاف ما كان عليه بنهاية الحرب الباردة، وهذه الأسوار تمتد لمسافة تزيد على 33 ألف كيلومتر، وأشدها تعقيداً وتطوراً هو ذاك السور الذي شيدته السعودية على حدودها مع العراق والذي يمتد مسافة 901 كيلومتراً، كما شيدت سوراً مماثلاً على حدودها مع اليمن. ومن أهم الأسوار في العالم السور الذي شيدته باكستان على حدوها مع الهند والذي يمتد مسافة 3218 كيلومتراً، ويتألف من سياج مزود بسلاسل على الطرفين وأسلاك شائكة، ويحصنه خندق طوله 644 كليومتراً، عرضه أربعة أمتار، وعمقه ثلاثة أمتار، ومزود بألف حصن ونقطة حدودية. بخلاف سور الصين العظيم، يمكن مشاهدة سور الباكستان العظيم من الفضاء وذلك بفضل الأنوار الكاشفة الدائمة. ومقارنة بهذين السورين العملاقين، يصبح الجدار الحديدي الذي شيدته إسرائيل على حدودها مع غزة قصيراً وبسيطاً.

في كتابه: (عصر الحراسة: التحصين في القرن الحادي والعشرين)، يخبرنا ديفيد بيتز وهو أستاذ بجامعة الملوك بلندن بأن الأسيجة والجدران ما هي إلا جزء من التحصينات الشاملة التي ظهرت في عموم كوكبنا، وبعض هذه التحصينات خرج لتوه من عالم الخيال العلمي، وعلى رأسها القبة الحديدية التي أقامتها إسرائيل، وهي عبارة عن منظومة دفاع جوي ممثلة بجدار يرتفع نحو السماء مؤلف من أشعة رادار وصواريخ معترضة، وبعضها يعود للقرون الوسطى، في حين تمثل السفارة الأميركية الجديدة الواقعة جنوبي لندن حصناً يمثل فترة ما بعد الحداثة، إذ أقيم هذا المبنى الزجاجي المكعب الذي تعادل مساحته ستين متراً فوق إحدى التلال، ويبعد عن أقرب شارع مسافة تزيد على ثلاثين متراً، وتحميه بركة وشبكة من الخنادق المخفية.

رافقت بعض التحصينات ضجة كبيرة، وذلك عندما أرغى دونالد ترامب وأزبد وهو يتحدث عن الحدود الجنوبية من دون أن يحقق الكثير من أجل تشييد جدار عازل هناك. وثمة تحصينات أقيمت خلسة، إذ شيدت تركيا جداراً إسمنتياً يمتد مسافة 764 كيلومتراً  على حدودها مع سوريا، كما بنى الرئيس الصيني شي جين بينغ سوراً عظيماً جديداً في الجنوب ضمن خطة التخفيف من إصابات كوفيد. وقد جعلت بعض التحصينات ظاهرة وبادية للعيان عن عمد، وهنا ما عليك إلا أن تنظر إلى السلك الذي يشبه الشفرة والذي يحيط بأغلب المباني الحكومية (أو البيوت الخاصة في دولة مثل جنوب أفريقيا). غير أن معظم التحصينات يجري إخفاؤها، إذ تنتشر في المدن الكبرى مقاعد إسمنتية وأعمدة محصنة صممت خصيصاً للتخفيف من أثر المركبات المعادية.

الأسباب المشجعة لبناء التحصينات

بيد أن ما يدفع لإنشاء التحصينات هو شيء أهم من الأعمال العدائية بين الدول، إذ هنالك ثلاثة عناصر أخرى تشجع على إقامة تلك التحصينات.

تصمم التحصينات على الحدود لإبعاد المهاجرين غير الشرعيين بالإضافة إلى صد أي عدو خارجي، ولعل ترامب الوحيد الذي صرح بعشقه للجدران والأسيجة أمام كل من ألقى السمع وهو شهيد، بيد أن أغلب السياسيين الذين نجحوا في تشييد هذا النوع من الجدران كانوا يشيرون نحو وجهة تخالف تلك التي يسيرون نحوها. إذ تقيم الولايات المتحدة في الوقت الحاضر سياجاً على حدودها مع وادي ريو الكبير يمتد مسافة 32 كيلومتراً، على الرغم من أن الرئيس جو بايدن أعلن عن كرهه لجدار ترامب.

 

أما التهديد الحاضر دوماً بوقوع هجمات إرهابية فهو الذي يشجع على تشييد تحصينات في قلب المدن الكبرى، وهذه التحصينات غير مزعجة لكنها منتشرة، أي إنها تبدو غير مزعجة حتى لا تظهر المدن كمناطق حرب، لكنها تنتشر بما يكفي للتعامل مع احتمال تحول أحدهم إلى شخص إرهابي، وتحول أشياء عادية تبدأ من السيارات وصولاً إلى حقائب الظهر إلى أسلحة.

وهنالك سبب آخر لإدخال التحصينات على حياتنا اليومية وهو الخوف من الفوضى، ولهذا يعيش نحو 17 مليون أميركي في مجتمعات محصنة بأسوار وبوابات، أي إن عالمنا اليوم يتحول إلى عالم مؤلف من أحياء معزولة، ومدن مسورة بجدران وتحصينات. تقع ضاحية داينفيرن التابعة لجوهانسبيرغ بجنوب أفريقيا خلف جدار يرتفع ثلاثة أمتار يعلوه سياج كهربائي مزود بأعمدة فولاذية تكشف أي عملية لحفر الأنفاق إلى جانب حساسات لقياس الهزات والزلازل، وذلك لاكتشاف أي شخص يحاول اختراق محيط تلك المساحة، ولذلك توصف هذه الضاحية في الكتيبات بالقرية الأمنية.

تجارة التحصينات

يعتبر العمل بالتحصينات من المشاريع التجارية المهمة، إذ في تقرير صدر عام 2021، حٌسبت قيمة سوق أمن المحيط العالمية فتبين أنها بلغت 59 مليار دولار، فقد كلفت السفارة الأميركية في لندن أكثر من 1.5 مليار دولار، كما قدمت نموذجاً مبتكراً. وتنتج شركة مارشال البريطانية لتنسيق الأبنية أعمدة محصنة قصيرة يمكن أن توضع في المدن دون أن يحفر لها عميقاً في الأرض، نظراً لكثافة المرافق الموجودة تحت الأرض، ومع ذلك بوسع تلك الأعمدة أن تتحمل أي ضغط هائل يقع عليها.

أما شركة الدرع الهندسي البريطانية فتقدم زجاجاً مقوى وحساساً من الناحية الهندسية، وغرف أمان، وأثاثاً للحدائق، في حين تتخصص شركة حلول المجالد الأميركية بتحصين المدارس وتصميماتها الداخلية وذلك لتصمد أمام أي هجمة مسلحة، وتعتبر هذه الشركة إحدى الشركات التي تعمل في هذا المجال المزدهر الذي يعتمد على مخاوف الآباء والأمهات في أميركا وعلى الرهبة التي يبديها قادة المجتمعات المحلية إزاء أي هجوم.

الماضي بات حاضراً في تحصينات اليوم

بيد أن الغريب بالنسبة للاتجار بالتحصينات هو أن تلك الشركات التجارية المتخصصة في هذا المجال تحقق أروع أحلامها عبر اعتمادها على الماضي السحيق، إذ شيدت التحصينات في مالي وفقاً لنموذج الحصن النجمي الذي ظهر للمرة الأولى على يد المهندس العسكري سيباستيان لو بريستري دو فوبان في القرن السابع عشر، ومن أروع منتجات التحصين حصن HESCO الذي صنعته شركة بريطانية في برادفورد، ويتألف من مستوعبات شبكية مزودة بمفصلات تشبه تلك التي كانت تستخدم في العصور الوسطى والتي يمكن أن تملأ بالحجارة والتراب ثم توزع بالتشكيل المناسب لتتحول إلى تحصينات، بينما تلتقي شركة ليغو مع إيكيا في تصميماتهما التي تشبه تلك التي كانت سائدة في عصور الظلام.

وحتى قبل شن حماس لعملياتها في 7 تشرين الأول، ازدهرت تجارة التحصينات بفضل الضغط المتمثل بزيادة أعداد المهاجرين غير الشرعيين وتراجع الوضع الأمني في الدول. ومن هذا المنطلق يمكن تشبيه ما حدث في 7 تشرين الأول بما حدث في 11 أيلول، أي إن الإسرائيليين لن يحسنوا تحصيناتهم بعدما أثبتت عدم كفايتها في وجه حماس فحسب، بل ستقوم دول أخرى هزتها الاحتجاجات العارمة والتهديدات الإرهابية المتصاعدة، بالسعي لتحقيق ذلك هي أيضاً.

وهذا ما يدفعنا لطرح أسئلة بكل وضوح، وهي: هل من الحكمة أن نركز على تشييد الجدران والأسيجة؟ وهل يجب على الإسرائيليين أن يسيروا وفقاً لما يمليه عليهم خوفهم وأن يردوا على خرق جدارهم ببناء جدران أفضل؟ وهل ينبغي على بقية الحكومات أن تسير على المنوال ذاته؟ أم علينا أن نغير هذا النهج قبل أن يتحول العالم إلى عالم من القرون الوسطى؟

ما بين الجسور والإحساس الزائف بالأمان

ثمة فئتان متمايزتان تعترضان على نزعة تشييد الجدران والأسيجة، أولهما فئة المثاليين والثانية فئة الواقعيين، إذ يرى المثاليون أن السبيل لنزع فتيل حالة السخط هو بناء الجسور لا الجدران، فيما يرى الواقعيون أن هجوم حماس أوضح بأن الجدران لا تعمل عملها، بل تخلق إحساساً كاذباً بالأمان، وتشتت التركيز بعيداً عن الاستخدام الأفضل للموارد وتجميد النزاعات في مكانها. فقد هدم مقاتلو حماس السياج المحيط بغزة بوساطة الجرافات، ثم عبروا تلك الفتحات أو وصلوا إلى الموقع عبر طائرات شراعية، أو بقوارب. والمثال الذي يفضله الواقعيون هنا هو خط ماجينو الذي استهلك 6% من الميزانية العسكرية لفرنسا خلال الفترة ما بين 1930-1937، لكنه لم يفلح في صد هجوم ألمانيا في عام 1940، وذلك لأن الألمان هجموا من غابة أردينز التي يندر وجود تحصينات فيها.

لا يمكن لحجة المثاليين وتبريرهم أن تحصرنا في عصر حماس، وذلك لأن أغلب من عارضوا بشدة فكرة بناء الأسوار والجدران دفعتهم الأوضاع إلى تشييدها عملياً، وخير شاهد على ذلك الدول الأوروبية التي بدأت بتشييد جدران لتسيطر على تدفق المهاجرين، خاصة بعد وصول موجة الهجرة إلى أعلى مستوياتها في عام 2016، وكذلك علينا أن نتذكر ما يفعله البابا الذي يعيش في مدينة الفاتيكان المحاطة بما وصفه ترامب بأكبر سياج من نوعه. كما لا يوجد أي تناقض بين تشييد الأسوار وبناء الجسور، وذلك لأن المرء يصبح ميالاً للخوض في مفاوضات كثيرة عندما يحس بالأمان.

غير أن حجة الواقعيين أكثر جدية، إذ أصاب هؤلاء عندما أعلنوا بأنه يجب على المرء ألا يعتمد على جدار فقط، بل عليه أن يربط الجدران باستراتيجيات أخرى، تبدأ بالدبلوماسية وتصل إلى الضربات الدفاعية. إلا أن منطق الموقف الواقعي يمكن أن يشجع أيضاً على تشييد جدران أفضل وتزويدها بعدد أكبر من الجنود، إذ من أهم أسباب ما حدث في 7 تشرين الأول هو أن عدد الجنود الذين تم فرزهم لحراسة الجدار كان عند أدنى مستوياته، بعدما اعتادت إسرائيل الاعتماد على معدات تقنية متطورة أكثر من اعتمادها على البشر من الحرس. هذا وتؤدي الجدران وظائف متعددة في آن معاً وهذا ما يدفعنا لتحصينها بدلاً من تركها والتخلي عنها، فهي ليست مجرد حواجز دفاعية تصد القوات المعادية أو المهاجرين غير الشرعيين، بل أيضاً تمثل قواعد أمنية تنطلق منها عمليات هجومية.

لطالما كان الحلم بإقامة عالم بلا حدود مستحيلاً، إذ كلما زادت سهولة الحركة في العالم، زادت حاجتنا لتشييد ما يحمينا ويجعلنا على يقين من أن البعض لا يستغلون تلك القدرة على الحركة بصورة سيئة. ولهذا فإن التحدي الأكبر في عصرنا لا يتجلى بالتخلص من الجدران، بل بأفضل طريقة يمكن من خلالها الجمع بين الجدران والجسور حتى نزيد من إيجابيات العولمة مع توخينا للحذر الدائم إزاء أي سلبيات قد تفرزها.

 

المصدر: The Washington Post