عودة لبنان وتهافت الأقلوية الباسيلية الأسدية

عودة لبنان وتهافت الأقلوية الباسيلية الأسدية

الصورة
m-jdl_485899_highres.jpg
11 كانون الأول 2019

منير الربيع

كاتب وصحفي لبناني

كل استبداد يسعى إلى شرعنة وجوده وبقائه. يلجأ إلى مشجب "القضايا الكبرى" التي لا تمثل إلا عنواناً استخدامياً لتحقيق المكاسب السلطوية، وليس لتحقيق أهداف القضية المعلن عنها.

كما كان نظام الأسد يستخدم مصطلح "توهين الأمة" للهجوم على معارضيه، يستخدم الوزير اللبناني جبران باسيل الأسلوب ذاته لاتهام التحركات الاحتجاجية في لبنان بأنها قد تدفع به إلى الخراب والانهيار.

هذا نموذج من الشعارات الخاوية التي تفقد قدرتها على توفير أي ذرائع مقنعة للمواطنين، لا بل قد استنفدت طاقاتها، في مواجهة الأسئلة الحقيقية المطروحة، كالديمقراطية والتنمية والأزمات النقدية والاقتصادية، لم تعد هذه الأسئلة نخبوية فحسب، بل باتت تشغل الشعب عموما في لبنان، الذي يرفض الانجرار إلى العصبيات الطائفية والمذهبية، ولعل أبرز مؤشرات رفض المواطنين، رفضهم السطوة الباسيلية على المجتمع على قاعدة التخويف والعصبيات، فلم يعد لخطاب باسيل أي صدى في الداخل اللبناني، كما كان حاله في السنوات والأشهر السابقة على ثورة ١٧ تشرين.

لذلك يفضل الوزير المستقيل باسيل استخدام نفس الأسلوب والخطاب اليوم، لكن مع العالم وفي محافل دولية، عبر اللعب على أوتار التحالفات المشرقية الأقلوية، أو رفع شعار النضال والدفاع عن المسيحيين وأدوارهم السياسية وبقائهم في هذه المنطقة، لعلّه يستحصل على الدعم والمساندة مستندا إلى صعود الشعبوية في الدول الغربية، عبر البناء على منطق يعود إلى القرن الثامن عشر.

في خضم أزمته الشخصية وسقوطه شعبياً، شارك باسيل قبل عشرة أيام في مؤتمر ضد الاضطهاد الديني في هنغاريا، وهو في حقيقته، مؤتمر مسيحي ضد ما يصفه "صديقه" الرئيس الهنغاري بالاضطهاد الإسلامي. مشاركة باسيل في هذا المؤتمر هي ترجمة عملية لما يفكر به في أعماقه، وهو السعي الدائم إلى تحقيق تحالف للأقليات يمكّنه أكثر البقاء في معادلة السلطة في لبنان وتركيبتها انسجاما مع الدور الإيراني والروسي السائد في سوريا ولبنان والعراق وكل المنطقة.

يقول باسيل في المؤتمر الهنغاري إنه يدفع ثمن نضاله في سبيل الدفاع عن المسيحيين ووجودهم ودورهم السياسي، وفق منطق الشخصنة العصبية والطائفية للأحداث السياسية، تماماً كما تعاطى بشار الأسد مع الثورة السورية في بدايتها لإجهاضها.

يبتكر جبران باسيل خطاباً شعبوياً متعصباً، مستلهما ومستمدا من أدبيات النظام السوري، لا سيما على قاعدة الربط مع السياسات الخارجية، باستخدام القضايا الكبرى

ولم يخرج باسيل عن كتاب الأسد إذ سارع إلى تثبيت ذلك خلال مشاركته في مؤتمر حول اللاجئين في منطقة شرق المتوسط عقد في روما قبل نحو أسبوع، معلناً أن ما يجري في لبنان من ثورة فجرها الشباب اللبناني، قد يكون مصيرها كمصير الثورة السورية.

يبتكر جبران باسيل خطاباً شعبوياً متعصباً، مستلهما ومستمدا من أدبيات النظام السوري، لا سيما على قاعدة الربط مع السياسات الخارجية، باستخدام القضايا الكبرى بافتعاله قضية محورية وجوهرية ووجودية فئوية، لتبرير جلوسه على عرشها، من دون أن تكون هذه القضية حقيقية وواقعية، لأن حقيقة هذه القضية هي في استخدامها كدعاية للوصول إلى السلطة والحفاظ عليها.

تستخدم معظم القوى السياسية السلطوية في لبنان، نفس الأساليب الأسدية التي استخدمت من حافظ وبشار الأسد في ضرب أي تحرك سياسي أو اجتماعي. كما كان آل الأسد يخوفون السوريين من الإرهاب لضرب أي تحرك لهم، يستخدم جبران باسيل وحزب الله نفس الشعارات، أولاً باتهام الانتفاضة اللبنانية بأنها مسيّرة من قبل سفارات، او من خلال التخويف بأنها ستكون على خطى ما تعرضت له سوريا، من جرائم وإرهاب، خاصة عندما يقول إن ما يجري في لبنان قد ينتهي إلى ما حصل في سوريا، من خراب وتدمير وتهجير.

ومن بين القضايا التي يلجأ باسيل إلى استنباطها واستثمارها، هي مشكلة اللاجئين السوريين، عبر مساعيه لإلصاق سبب الفساد اللبناني والانهيار الاقتصادي باللاجئين السوريين، لإبعاد الأنظار عن الجوهر الحقيقي للأزمة اللبنانية، لأن المسببات الأساسية لهذا الانهيار هو السلطة التي تحكم بلا أي معارضة على الطريقة الأسدية، تحت خديعة ما يسمى بالوفاق والتوافق. ويستخدم باسيل منطق تخويف المسيحيين والأقليات من حرب الوجود، لذلك هو كما الأسد من أكثر الأطراف الذين يستفيدون من وجود اللاجئين خارج سوريا، والاستثمار بلجوئهم، فلطالما طالب باسيل بالحصول على مساعدات مالية على ظهر اللاجئين السوريين وغالبية هذه المساعدات قد سرقت ولم تصل إلى أصحابها، وفي نفس الوقت يخوض حرباً فئوية شعواء ضدهم لاستثارة المسيحيين وشد عصبهم من حوله.

فتحول ملف اللاجئين بالنسبة إلى جبران كملف مزارع شبعا بالنسبة إلى حزب الله، الذي يرفض تسليم سلاحه إلى حين تحريرها، والجميع يعلم أن الحزب لا يريد لهذه المزارع أن تتحرر، ليبقى محتفظاً بسلاحه ويربط لبنان بالمعادلة الإقليمية، وهنا يبرز الدور الأساسي الذي يؤديه النظام السوري في إبقاء مزارع شبعا ضائعة الهوية. وهذا ينطبق أيضاً على تعامل النظام السوري مع الجولان المحتل منذ ٥٢ عاما، الذي سلّمه حافظ الأسد للإسرائيليين ولا يزال يدعي بأنه يريد القتال لتحرير، بينما يجعله مادة للتفاوض.

مع الإيمان بترابط شعوب هذه المنطقة بهمومها وتطلعاتها، يبقى اليقين، بأن من يقفون ضد تحقيق هذه الطموحات والتطلعات، سواء في العراق أو سوريا أو لبنان، تتعدد أسماؤهم ولكن صفاتهم واحدة، جمعيهم يتبعون المذهب الأسدي الفاشي، فهم يتمسكون

الردّ على باسيل وكل مناصري النظرية الأقلوية، لا بد له أن يخرج على ألسنة تنطق بحق الشعوب في تقرير مصيرها، وخاصة من قبل شخصيات مسيحية تمثّل العقل المستنير

بأكثر الأفكار تزمتاً وعنصرية وعدائية لحقيقة تنوع الشعوب وتناسق المجتمعات وحيويتها، والرغبة الدائمة بالعيش معاً، من دون ضغائن الأقليات وحسابات العصبيات أو عصبية الأكثريات. هؤلاء الأسديون، يتسلمون السلطة منذ عقود وفق سياسة أسر المجتمعات في الخوف من بعضها البعض ودعائيات حروب الوجود، وإغراقها في هويات طائفية ومذهبية، تتم تغذيتها ويكون الحرص شديد على استمراريتها.

هي نماذج لأنظمة تبحث دوماً عن العدو، ليكون المسبب الرئيسي لاستكمال رهاب الخوف، بمواجهة الحرمان والمظلومية التاريخية التي تعانيها الشعوب. مواجهة يغلّفها من يخوضها بدعاوى كبرى، بعثية أو عروبية وقومية في سوريا، أو حضارية في لبنان، لكنها في حقيقتها تقوم على التعصب الطائفي والمذهبي لتشتيت القوى المجتمعية وشرذمتها وإغراقها في حروب التفرقة. ربما الردّ على باسيل وكل مناصري النظرية الأقلوية، لا بد له أن يخرج على ألسنة تنطق بحق الشعوب في تقرير مصيرها، وخاصة من قبل شخصيات مسيحية تمثّل العقل المستنير في هذه المنطقة، كامتداد للدور الانفتاحي والتقدمي التاريخي للمسيحيين الذين كانوا عرّابي "القومية العربية" بعيداً عن الحسابات الطائفية والأقلوية، وأبرز المنظرين للدولة الوطنية. وهم كانوا من أبرز دعاة الحرية بوجه القمعية والتسلطية، ولا زالوا يحفرون جبال الانغلاق بإبرة مواقفهم، تماماً كما كان الأب باولو في سوريا، كذلك بالنسبة إلى المطران الياس عودة في بيروت، الذي يجسد الانصهار المسيحي مع خيارات الشعوب وحريتها، فلا يقف عند أي حرم أو حدود تضعها الطوائف وأركانها، سواء عندما أعلن تأييده للثورة، أو عندما صرّح بمنتهى الصراحة، قائلاً إن لبنان "يُحكم اليوم من شخص تعرفوه جميعكم ولا أحد يتكلّم ويُحكم من جماعة بقوة السلاح". وتوجه الى المسؤولين قائلاً: "ألا تسمعون ما يطالب به الشعب في الطرقات؟ يطالبون بأن يلتفت المسؤولون الى مطالبهم المحقة، يصرخون قائلين إن احتجاجاتهم سلمية وستبقى كذلك ولكن هناك من يحاول تشويه سلمية احتجاجاتهم".

شارك برأيك