icon
التغطية الحية

عمر أميرلاي.. عرّاب السينما التسجيلية السورية

2020.02.05 | 15:59 دمشق

5555.jpg
تلفزيون سوريا - عمر الفاروق
+A
حجم الخط
-A

كان الفيلم الوثائقي حتى ستينيات القرن العشرين عرضاً لقضية ما أو الحديث عنها سواء تم تصويره خلال أحداث هذه القضية أو أعيد إحياء هذه الأحداث، وكان جون غريرسون (1898-1972) من رواد صناعة الأفلام الوثائقية الأسكتلندية، وهو أول من استخدم مصطلح وثائقي والذي استنبطه من الكلمة الفرنسية documentaire، في ثلاثينيات القرن العشرين..

إن كل فيلم وثائقي هو بحث دؤوب عن الحقيقة أو هكذا يجب أن يكون، إنه حفر لنبش جميع الوقائع وتقييم للدليل وتقديم مجموعة نتائج مستخلصة بعناية.

يقول الكاتب الأمريكي جون هوارد لوسون، في كتابه "الفيلم في معركة الأفكار": "جرى الاتفاق على وجوب الحكم على الفيلم بوصفه أداة للسياسة الخارجية، وأن الأفلام التي ترسل إلى البلاد الأخرى لابد أن تخدم احتياجات الدعاية الحكومية".. لكن هذا الأمر لم يكن في حسبان أو أمام عدسة المخرج السوري الراحل عمر أميرلاي، الذي كان نتاجه السينمائي يعمل على تشريح آلية السلطة الحاكمة والبحث في تفاصيل ممارساتها وكشف عيوبها أمام المجتمع.. ليأتي أميرلاي في وقت كان السينمائيون يهربون من السينما التسجيلية إلى الروائية ليضع بصمته الفنية ويؤسس مدرسة فنية خاصة به في السينما التسجيلية.

عمر أميرلاي من مواليد دمشق عام 1944، درس المسرح في باريس عامي 1966-1967، ثمّ التحق بالمعهد العالي للدراسات السينمائية في باريس، عاد إلى دمشق عام 1970، وقدم فيلمه التسجيلي الأول "محاولة عن سد الفرات".. وبين هذا الفيلم وفيلمه الأخير "طوفان في بلاد البعث".. قدم للسينما نحو 20 فيلماً وثائقياً، توفي في بلده الأحب دمشق في الخامس من شباط عام 2011، قبل اندلاع الثورة السورية التي حلم بها طويلاً.

محطات مع أفلام الراحل

قدم المخرج أميرلاي في أولى سنوات حياته وعمله كمخرج وثائقي، أربعة أفلام في سبعينيات القرن الماضي، كان أولها فيلم "محاولة عن سد الفرات" عام 1970، وهي السنة التي عاد فيها أميرلاي من باريس محملاً بأفكار إيجابية إبان تسلم الحركة التصحيحية، وكان الفيلم محاولة من أميرلاي لتوثيق بدايات التحول الإيجابي في سوريا خلال عشر دقائق هي مدة الفيلم، ولكن أميرلاي أعلن فيما بعد عن ندمه لحماسه وتصديق أفكار البعث.

وفي منتصف سبعينيات القرن الماضي، تعاون أميرلاي مع الكاتب السوري سعد الله ونوس (1941-1997) وقدم فيلمه الثاني " الحياة اليومية في قرية سورية"، والذي حاز على جائزة لجنة التحكيم الخاصة - مهرجان تولون الفرنسي، وجائزة من مهرجان برلين السينمائي عام 1976. وفيه يشرح أميرلاي التأثير السلبي لبناء السد على حياة الأشخاص في إحدى القرى الواقعة على نهر الفرات.

فيلمه الثالث كان يحمل عنوان "الدجاج"، 1977 عرض لمرة واحدة فقط بعد عام من إنتاجه، وعرض لأسباب رقابية، والفيلم بالأبيض والأسود ومدته 40 دقيقة يرصد من خلاله أميرلاي التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي طرأت على قرية "صدد"، وكيف تحولت إلى قرية شبه مهجورة، وهي تبعد عن حمص 60 كيلومتراً نحو الجنوب، وهي منطقة قديمة يعود تاريخها إلى الألف الثاني قبل الميلاد، وجاء ذكرها في سفرين من أسفار الكتاب المقدس العهد القديم، ولها أهمية تاريخية كبيرة ويوجد فيها العديد من الأوابد الأثرية..  

الفيلم يبدأ بسرد تاريخي حول القرية، ثم ينتقل إلى ظروف أهالي المدينة وكيف تحولوا إلى مهنة تربية الدجاج، وفي هذا الفيلم تنتصر الصورة على التعليق لتظهر أحاديث سكان القرية مقتضبة، حتى أن أميرلاي لم يستخدم الموسيقى في هذا الفيلم واعتمد على الأصوات الطبيعية في الفيلم لتضيف لفيلمه قيمة شديدة التأثير.. وكأنه يستحضر الواقعية الإيطالية الجديدة في فيلمه لتأكيد مصداقية لقطته أمام المشاهد.

في عام 1997، قدم أميرلاي فيلماً بعنوان "هناك أشياء كثيرة كان يمكن أن يتحدث عنها المرء"، يدور الفيلم في فلك مقابلة أجراها أميرلاي مع صديقه الكاتب الراحل سعد الله ونوس، خلال 50 دقيقة، قبل أشهر من وفاته ليتحدث الأخير عن الصراع العربي الإسرائيلي.. وكانت الجملة الأخيرة التي قالها ونوس هي من أعطت عنوان الفيلم.

ومن أفلامه التسجيلية الإشكالية الأخرى فيلمه "إلى جناب السيّدة رئيسة الوزراء بينظير بوتو" عام 1990، وفيلمه الآخر "الرجل ذو النّعل الذهبي" عام 1999، الذي تمحور حول شخصيّة الرئيس رفيق الحريري (1944-2005).

فيلم الوداع .. طوفان في بلاد البعث

في فيلمه "طوفان في بلاد البعث" الذي أنتجته قناة "آر تي" الفرنسية الألمانية عام 2005، حصل من خلاله على جائزة أفضل فيلم قصير في بينالي السينما العربية الذي أقامه معهد العالم العربي في باريس عام 2006، وكان آخر أعماله عاد المخرج إلى سد الفرات ولكن ليتحدث عن أمور أخرى، ليعرض الآثار المدمرة على قرية صغيرة تابعة لمحافظة الرقة، بعد بناء سد الفرات. في هذا الفيلم عمد أميرلاي إلى تقديم الشخصيات على حقيقتها، ليبدأ الفيلم بإيقاع بطيئ عارضاً مقابلات مع أشخاص يمجدون الأسد الأب وحزب البعث، كما يرصد عملية غسيل أدمغة الأطفال وتلقينهم شعارات البعث، في قرية الماشي، يحكمها شيخ العشيرة ذياب الماشي، وهو نائب في مجلس الشعب، ويعاونه ابن أخيه مدير المدرسة ومسؤول الحزب. وكأنه يقارب حكم حزب البعث لسوريا منذ أربعين عاماً.

الفيلم منع من العرض في سوريا، وواجه أيضاً حملة لمنع عرضه في مهرجان قرطاج السينمائي في تونس، من قبل سفاه النظام في تونس، وأثناء سفر أميرلاي إلى الأردن لتصوير فيلم جديد، استوقفت السلطات السورية أميرالاي بعد استجوابه لمدة 13 ساعة حول فيلمه "طوفان" وقال أميرلاي في تصريح لوكالة AFP الفرنسية: "كانوا يريدون معرفة ما هي الغاية والدلالات التي يحملها الفيلم"..  

عرض مخرجو الأفلام الوثائقية في القرن العشرين أمامنا الوجه القبيح للتمييز، وفي القرن الواحد والعشرين أصبحت صناعة الأفلام الوثاقية تعني البحث الدؤوب عن الحقيقة ومختبرا فنيا للكشف عن الأفكار وهذا يعني أن مخرج الأفلام الوثائقية يجب أن يكون أكثر من مجرد شخص ينشر الدعاية لفلسفة سياسة واحدة، أو طرف واحد من أطراف النزاع الكبرى في مجتمعنا..

كلمات مفتاحية