icon
التغطية الحية

طوفان الأقصى.. ملامح تشكيل الصراع الإقليمي الجديد

2023.10.10 | 05:32 دمشق

ءؤر
مشاهد من اجتياز كتائب القسام خط الجبهة شمال قطاع غزة ضمن معركة طوفان الأقصى
بيروت - صهيب جوهر
+A
حجم الخط
-A

أحدثت العملية العسكرية الكبيرة التي شنتها كتائب القسام الجناح العسكري لحركة حماس ضد الاحتلال الإسرائيلي فجر 7 من تشرين الأول الجاري زلزالا أمنيا وسياسيا مدويا في إسرائيل، ستكون لها ارتدادات قوية على المشهد الإقليمي المؤثر في ديناميكية الصراع العربي - الإسرائيلي.

والأكيد أن الفلسطينيين لا يحتاجون إلى الكثير من الأسباب والمبررات لرفع وتيرة الصراع مع حكومة اليمين المتطرف، في ظل سعي تحالف نتنياهو - بن غفير إلى تصفية شاملة للقضية الفلسطينية وضم الضفة الغربية وتدمير بصيص الأمل الصغير المتبقي لقيام دولة فلسطينية وفقاً لكل المبادرات والتسويات.

وإذا ما كان الفلسطينيون يشعرون بأنهم أصبحوا أكثر عزلة بشكل مطرد في محيطهم الإقليمي، في حين تلتحم دول المنطقة العربية إلى تبني شراكات متزايدة مع الإسرائيلي، لذا فإن ردا من هذا النوع على هذه الخيبات هو أقل ما يطمح إليه الفلسطينيون في الواقع، وخاصة أن العالم كان منتظراً صفعة التطبيع السعودي – الإسرائيلي برعاية إدارة بايدن.

وثمة اعتقاد أن هذه العملية غير المسبوقة في تاريخ الصراع الفلسطيني مع الاحتلال الإسرائيلي من حيث الشكل والحجم والنتائج والكفاءة في التخطيط والتنفيذ تضفي الكثير من الإثارة على الأسباب والأهداف ودلالات التوقيت الذي اختارته حركة حماس لتنفيذ الهجوم.

كذلك فإن الفاعلين الإقليميين يعتبرون ما حدث انقلاباً على كل المعادلات، أياً تكن النتائج وردود الفعل الإسرائيلية، لأن حماس وخلفها فصائل فلسطينية أخرى حققت انتصاراً مسبقاً لا يمكن لحكومات المنطقة أن تتجاوزه أو تتخطاه بصمتها المطبق لخطورته في الشكل والمضمون، لذا ثمة من سيقفز فوق الفضيحة الاستخبارية والعسكرية التي لحقت بإسرائيل في عبور خط بارليف في عام 1973، ويتذكر هذا العبور من غزة بعد خمسة عقود هو حدث سيغطي على كل ما يجري في منطقة الشرق الأوسط، وتحولاته الحاصلة وإعادة تشكيل الصورة الجديدة للاعبين الإقليميين.

ومن هذا المنطلق يمكن تسجيل مجموعة من المتغيرات ستصيب الساحة الدولية والعربية ربطاً بكل ما حدث خلال الأيام الماضية ويمكن تسجيلها:

  • مع دخول المعركة يومها الرابع سيكون رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس وفريقه المحيط به وتحديداً الثنائي ماجد فرج وحسين الشيخ قد خرجوا بسرعة الضوء من المعادلة وخاصة أن كل الأنظار باتت موجهة لمقر إقامة إسماعيل هنية وخالد مشعل وصالح العاروري في قطر، ويتزامن ذلك مع دخول سلطة أوسلو في حالة انهيار وانعدام القدرة على مواكبة التطورات في الضفة وغيرها، وهو أيضاً من نتاجات التنسيق الأمني والالتحاق بالمشروع الإسرائيلي في ظل رفض حكومات إسرائيل السير بكل المبادرات العربية للسلام أو لحل الدولتين.

  • إقليمياً لا يمكن إغفال البصمات الإيرانية عن التقنيات التي استخدمت في ظل الواقع الجديد الذي تفرضه جمهورية ولاية الفقيه من خلال تحالفها مع حماس والجهاد، وبالتأكيد إنها لاعب مهم ومركزي على الساحة الفلسطينية، ولا يمكن لأي طرف أن يذهب إلى اتفاقات تطبيع في المنطقة من دونها، حتى لو كانت السعودية والتي وقعت معها طهران اتفاقاً تاريخياً برعاية صينية.

  • على صعيد النتائج السياسية في إسرائيل، فسينعكس ذلك على حكومة نتنياهو، التي لا يمكن أن تكمل مشوارها السياسي، وهو ما سيفرض واقعاً جديداً يؤدي إلى انتخابات سريعة وإنهاء بنيامين نتنياهو من الحياة السياسية، في ظل حالة التوتر الأميركي – الأوروبي منه منذ سنوات على خلفية انغماسه في لعب أدوار وتجاوز خطوط حمراء، لذا قد يجد نتنياهو نفسه مضطراً إلى شن حرب على غزة كوسيلة لإعادة الاعتبار المعنوي لمعادلة الردع الإسرائيلية، لكن التكاليف ستكون باهظة على إسرائيل أكثر من أي وقت مضى.
  • كذلك من الممكن أن تكون حرب العبور الثانية تتمة للحرب الإيرانية في المنطقة، والتي يمكن للبنان وسوريا في أي لحظة أن يدخل فيها ويكون ضمنها في إطار معادلة وحدة الجبهات أو الساحات. هذا الأمر سيكون بحاجة إلى تقييمات متعددة، فلا بد من مراقبة مسار الأحداث وتطوراتها، وكيفية انتقال الأمر داخل فلسطين، وبعدها يمكن الحديث عن تدخل مكونات محور المقاومة، أو الجبهات الأخرى بعيداً عن الردود الشكلية التي حصلت منذ يومين ولغاية اليوم، وإذا كان هناك حاجة للتدخل تبعاً لحجم التوسع الميداني والردود الإجرامية التي قد يرتكبها الإسرائيليون.

  • لا يمكن فصل ما جرى في فلسطين عن محاولات الاستثمار الإيراني في نتائج المعارك، والتي تبدو حتى اللحظة صعبة في ظل إصرار حماس على إبقاء الأمور في إطار المعركة الوطنية بشرياً والإسلامية شعبياً، وعليه فإن ما حدث منذ يومين في الكلية العسكرية في حمص وما تلاها من قصف وقتل في إدلب وحلب هو في إطار محاولات إيران للضغط على تركيا بعد نتائج معركة أرمينيا-أذربيجان والتي اعتبرتها إيران مؤشراً جديداً لمحاصرتها حدودياً في ظل ما تعتبره التنسيق الإسرائيلي – التركي، ومن ثم ستسعى طهران لاستخدام إنجاز المقاومة في فلسطين لمنع المساعي الجارية لإنشاء تحالفات عربية – إسرائيلية لإخضاعها قبيل الاتفاق النووي معها.
  • الأكيد أن ما قامت به حماس يلامس ويحاكي كل السيناريوهات التي يعدها حزب الله في تحضيره للعبور من جنوب لبنان باتجاه مستوطنات الشمال الإسرائيلي عندما تحين لحظة الانفجار الإيراني-الإسرائيلي، وخاصة أن الحزب أجرى عدة مناورات بقدرات أعلى من الموجود مع حماس والجهاد، وعليه فإن ما حدث في العبور "الحمساوي" لا يمكن فصله عن تبادل الخبرات الجاري بين مكونات غرفة العمليات العسكرية والأمنية المشتركة التي تم إنشاؤها منذ فترة على صعيد محور المقاومة. لكن توسيع هامش المناورة وفتح الجبهات مرتبط بشكل رئيسي بما سينتج عن مسار الحرب لأن إسرائيل ستكون مقيدة بمسألة السعي لإطلاق سراح الأسرى المحتجزين لدى كتائب القسام.
  • وثمة أمر أساسي لا يمكن القفز فوقه وهو أن ما حدث هو قطع للطريق أمام أي مساع أميركية للتطبيع بين السعودية وإسرائيل والتي كان من المحتمل أن ينضج حتى نهاية العام الحالي، ما يعني أن السعوديين سيعيدون التفكير في أثر هذا المسار وأهميته بعد ما حدث، وهذا الأمر دفع الرياض لفتح قنوات تواصل مباشرة منذ الأمس مع حماس، ومحاولات الاتصال هذه تندرج في إطار واحد، وهي تخفيض الرياض لخصومها الإقليميين.

لذا فإنه من غير المتصور بأي حال أن تكون إسرائيل اليوم في ظل أكثر الحكومات تطرفا في تاريخها مستعدة لتغيير طريقة تعاطيها مع هكذا حروب، لكن عملية "طوفان الأقصى" عقدت على نحو كبير قدرة اليمين المتطرف في إسرائيل على مواصلة أجندته الرامية إلى تصفية القضية الفلسطينية بحد أدنى من العواقب، وعليه فإن عملية "طوفان الأقصى" هي أولى العواقب الكبيرة لهذه العقلية اليمينية المنحازة للقتل والعنصرية، وتداعياتها على الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وعلى الشرق الأوسط قد تعمل على إعادة تشكيل هذا الصراع من جديد.