طرائف دموية في السياسة الأميركية

2023.03.23 | 07:20 دمشق

طرائف دموية في السياسة الأميركية
+A
حجم الخط
-A

لا تصدقوا السياسيين عموماً أياً كانوا، ولا تصدقوا السياسة الأميركية على نحو خاص. إنه استنتاج شخصي كما يبدو لكم. نعم ربما، لكني بت مقتنعاً به أكثر من أية فكرة أخرى عن السياسة الدولية وعن السياسة والسياسيين بشكل عام. بين فترة وأخرى، وعلى سبيل الفضول، أبحث في الأرشيف الوطني الأميركي السرّي المُفرج عنه، فأجد كل ما يرسخ لدي هذه القناعة. لدرجة أني بت كل يوم أردد خلف محمود درويش في قصيدته الشهيرة مديح الظل العالي "أمريكا وراء الباب أمريكا".

يوم 22 تشرين ثاني/نوفمبر 1963، كان هنري كابوت لودج السفير الأميركي المعين قبل ثلاثة أشهر، في سايغون عاصمة فيتنام الجنوبية، في طريق عودته إلى واشنطن، ليضع الرئيس الأميركي جون كينيدي، بصورة نتائج الانقلاب الذي دعمته الولايات المتحدة ضد الرئيس الفيتنامي نغو دينه دييم مما أدى إلى مقتله مع شقيقه نغو دينه نهو يوم الثاني من الشهر ذاته، أي قبل عشرين يوماً فقط. وكان للقدر رأي مختلف.

أثناء توجه السفير إلى بلده تبلَّغ خبر مقتل الرئيس كينيدي، وبدل أن يجتمع معه، فقد اجتمع مع نائبه، الرئيس الجديد ليندون جونسون، ولم يكن قد انتقل إلى البيت الأبيض بعد. كان الرئيس كينيدي قد انخرط مع مستشاريه ومساعديه ووزرائه في التخطيط للانقلاب خلال الشهور القليلة الماضية، وكان بالحسبان دوماً اغتيال الرئيس الفيتنامي وشقيقه. طلب الرئيس حضور السفير لودج لتقديم إحاطةٍ وتقييمٍ عما آلت إليه الأوضاع في سايغون بعد نجاح الانقلاب وموت دييم. لكن لم يكن بحسبان كينيدي أنه سيكون الرئيس التالي على قائمة الرؤساء المقتولين في ذاك الشهر، وتعلمون مثلي أن تصاريف القدر والمصادفات لا تستقيم دوماً مع الخطط المدروسة.

الرهبان البوذيون كانوا مدعومين أميركياً. وما لم يعرفه الرئيس الفيتنامي أن وكالة المخابرات الأميركية هي من كانت تدعمهم وتموّل تدريبهم لمعارضته وهو الرئيس الكاثوليكي

تلقى دييم الدعم الأميركي منذ توليه الرئاسة عام 1955 بعد أن أطاح بالإمبراطور الفيتنامي باو داي الذي نُفي لاحقاً. كان دييم قبلها رئيساً للوزراء. لكن في ربيع 1963 راحت الولايات المتحدة تفكر جدياً بالخلاص منه، فسياساته، وخصوصاً هيمنة أخيه على القرارات، شكلت عائقاً للفوز على الثوار الفيتكونغ في فيتنام الجنوبية، وعلى الشيوعيين في فيتنام الشمالية، وهو الأمر المركزي في سياسة الولايات المتحدة. وخاصة بعد الحملة التي شنّها دييم وشقيقه على الرهبان البوذيين بحجة مساعدتهم لثوار الفيتكونغ اليساريين وإخفائهم في أهم معابدهم، بل وإلباسهم زي الرهبان. وهو ما لم توافق عليه الولايات المتحدة، واعتبرت معلومات الرئيس غير دقيقة.

على الأغلب كانت معلومات الرئيس غير صحيحة تماماً، فالرهبان البوذيون كانوا مدعومين أميركياً. وما لم يعرفه الرئيس الفيتنامي أن وكالة المخابرات الأميركية هي من كانت تدعمهم وتموّل تدريبهم لمعارضته وهو الرئيس الكاثوليكي. بنفس الوقت كانت تبدي للرئيس دعمها وتوجه له الإرشادات والنصائح لكيفية إدارة البلاد، وبخاصة إدارة الصراع مع الفيتكونغ والفيتناميين الشماليين بزعامة هوشي منه.

عندما وصل السفير الجديد لودج إلى سايغون خلفاً للسفير السابق فريدريك نولتينج. وهذا الأخير هو الوحيد الذي بقي على معارضته للانقلاب، لاعتقاده أنه لا أحد يستطيع حكم فيتنام سوى دييم. اجتمع مع الرئيس الفيتنامي وأبدى له الدعم الأميركي، رغم أن القرار بتنحيته كان قيد النقاش في واشنطن، وهو ما يعلمه لودج الذي اجتمع مع كينيدي قبل سفره إلى سايغون. في ذاك الاجتماع استعرض الرئيس نواياه حول تغيير دييم بوضوح تام. الأدهى أن كينيدي كان قد وقع قبل عامين معاهدة للصداقة والتعاون الاقتصادي بين أميركا وفيتنام الجنوبية.

حيرت فيتنام القادة الأميركيين بداية من فرانكلين روزفلت وصولاً إلى كينيدي. عندما تسلم الأخير قيادة أميركا بدا له الوضع في فيتنام يدعو للتفاؤل. لكن بحلول هذا المنعطف عام 1963، تبخر هذا التفاؤل، وشعر كينيدي أن القادة في سايغون بدؤوا يفقدون قوتهم ضد التمرد الشيوعي. خصوصاً عندما دخلت حكومة دييم في مواجهة سياسية مع البوذيين الفيتناميين في شهر أيار/مايو، وكثير من الضباط في جيش البلاد هم من البوذيين. لذا تلقف الأميركيون باهتمام، أول اتصال من الجنرالات الفيتناميين، الذين عرضوا موضوع الانقلاب على أحد عملاء وكالة المخابرات المركزية (CIA) خلال احتفال الولايات المتحدة بعيد الاستقلال، في الرابع من تموز/يوليو في سفارتها في سايغون. طلب هؤلاء دعم الولايات المتحدة لانقلاب سيطيح بدييم.

سيُنفذ الانقلاب العسكري الذي قاده الجنرال دونج فان مينه، يوم الأول من تشرين ثاني/نوفمبر بنجاح تام، وسوف يُقتل الرئيس وشقيقه في اليوم التالي، بعد إجراءات شكلية. لكن الكارثة بالنسبة للسياسة الأميركية ما تلا ذلك. فخلال 18 شهراً تعاقبت على الحكم عشر حكومات عسكرية قصيرة الأمد، إلى أن قاد الجنرال نغوين فان ثيو البلاد، بعد انتخابات مدنية شجعتها الولايات المتحدة، من عام 1967 إلى حين سيطرة الثوار اليساريين على سايغون عام 1975، حيث توحدت فيتنام بعدها. خلال تلك الفترة انخرطت الولايات المتحدة في الحرب على الأرض أكثر فأكثر، وجميعكم تعلمون عن المستنقع الفيتنامي الذي غاصت فيه أميركا تالياً.

وفق التقديرات الرسمية لخسائر الحرب، فقد قتل حوالي مليوني فيتنامي، وأصيب ثلاثة ملايين آخرين. إضافة إلى 12 مليون لاجئ، مع تدمير البنية التحتية والاقتصادية للبلاد

لن يفوتني أن أذكر لكم، أن نهو، بحسب الوثائق، كان يخطط أيضاً مع جنرالات آخرين للانقلاب على أخيه، وأنه كان الأكثر تشدداً في مهاجمة البوذيين، ولذا اعتبرته الولايات المتحدة الأشد خطراً، سيما أنه في أحد الاجتماعات مع الجنرالات أبلغهم بضرورة إطلاق النار على أي شخص أجنبي يقوم بأعمال معادية لحكومة سايغون. وللغرابة فإن السفير لودج، قبل سفره لتسلم مهامه في سايغون، التقى سفير فيتنام في واشنطن وزوجته وطلب منهما النصح والإرشاد، وكانا للطرافة، والدا زوجة نهو شقيق دييم، مع معرفة السفير أن صهرهما قد يقتَل قريباً.

وفق التقديرات الرسمية لخسائر الحرب، فقد قتل حوالي مليوني فيتنامي، وأصيب ثلاثة ملايين آخرين. إضافة إلى 12 مليون لاجئ، مع تدمير البنية التحتية والاقتصادية للبلاد. في المقابل قتل أكثر من 58 ألف جندي أميركي، وجرح أكثر من 150 ألف آخرين. وقدرت السلطات الأميركية حجم ما تم إنفاقه على الحرب بنحو 120 مليار دولار.

هل أجريتم مثلي بعض المقارنات، بما يخص الوضع في سوريا؟ على الأرجح فعلتم. ومثلي لفت نظركم أن أرقام الخسائر في الحرب تقترب من الأرقام السورية، في عدد القتلى والجرحى وحتى في أعداد اللاجئين. بل وأكثر من ذلك، فقد بدت علاقة الرئيس بأخيه كعلاقة حافظ الأسد بشقيقه رفعت، الذي كاد يصبح أكثر قوة من أخيه في لحظة ما، وفكر أيضاً بالانقلاب عليه عام 1984، لكنه لم ينجح. نعم كل تلك المقارنات معقولة، ولكن الأهم هو سياسة الولايات المتحدة، التي تعمل من تحت الطاولة غالباً عكس ما تدّعيه على الملأ. ألم تكن مواقف الحكومات الأميركية المتعاقبة من الثورة السورية ومن الحدث السوري عموماً، على الدوام عكس ما تقوم به فعلياً في الواقع ومن خلف الستار. إنها أميركا يا سادة، التي غالباً سنجدها وراء كل باب.