شمس بلادي المكسوفة

تاريخ النشر: 12.03.2018 | 10:03 دمشق

آخر تحديث: 15.06.2020 | 23:21 دمشق

يقال إن الفنان اللبناني إيلي شويري كان في رحلة جوية، من لبنان إلى الولايات المتحدة، حين كتب أغنية "بكتب اسمك يا بلادي ع الشمس الما بتغيب". كان ذلك بعد حرب العام 1973 التي كرسها نظام الأسد على أنها نصر عسكري بنى عليه شرعيته المفقودة.

صحيح أن الأغنية لا تتحدث عن سوريا أو نظام الأسد، و"البلاد" المقصودة في كلماتها هي البلاد العربية أو "الوطن العربي" على ما شاع وفقاً للعقيدة القومية في تلك الفترة، لكن أجواء "النصر" المزعوم للثنائي الأسد والسادات هي التي ألهمت شويري، على الأرجح، كلمات الأغنية التي سيتحمس ركاب رحلة دمشق – سوتشي، في أواخر كانون الثاني 2018 لغنائها بشكل جماعي.

هذا المشهد الذي تم تصويره ونشره أثار، بحق، الكثير من السخرية والاشمئزاز لدى الرأي العام المعارض. فالسفر إلى روسيا من أجل "حوار وطني سوري" وفقاً للاسم الرسمي للمؤتمر الذي دعت إليه روسيا، ليس مما يدعو للاحتفال والبهجة، لا في الصف الموالي ولا في الصف المعارض. "حوار" يدور على الأراضي السورية، منذ سنوات، على شكل حرب إلغاء، لا يمكنه أن يتحول إلى حوار بالكلمات والأفكار، بصورة مفتعلة، في روسيا التي هي طرف في الصراع الداخلي السوري. أكثر من ذلك، كيف لسوريين أن يغنوا في جو احتفالي بعدما دمر نصف العمران، وقتل نصف مليون سوري، وتشرد نصف السكان؟

كان إيلي شويري ينظر من كوة الطائرة بجانب مقعده، فيرى الامتداد الجغرافي للبلدان العربية الواقعة على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، ناهيكم عن القسم الممتد، إلى الوراء، وصولاً إلى العراق والخليج العربي، فتذكر التعبير الذي استخدم في وصف الإمبراطورية البريطانية "التي لا تغيب عنها الشمس"، ورآها تكاد تنطبق على وطنه العربي المديد، فجادت "قريحته الشعرية" بالبيت الأول الذي يشكل بؤرة القصيدة ونقطة ارتكازها الأساس، وإن كانت استنساخاً للفكرة البريطانية المذكورة. في حين تبدو الأبيات التالية أقرب إلى الحشو والإنشاء على قوالب مكرورة مبتذلة.

"غير أن المهزلة أبت إلا أن تكتمل فصولاً في محطة الوصول: منتجع سوتشي السياحي على البحر الأسود، حيث نام بعض المشاركين على أرض المطار وتوسدوا أحذيتهم، وحيث تلقى بعضهم صفعات على الوجه وأخرى على الرقبة"

فإذا كانت الأغنية، على ابتذالها، منسجمة مع أجواء "النصر" العسكري المفترض في 1973، الذي قام على تنسيق "قومي" بين بلدين عربيين، ومن المحتمل أنه شجع بعض الجمهور العربي على استعادة شيء من الثقة بالنفس، فحلق بأحلامه نحو وحدة عربية طال انتظارها، من شأنها أن تخرج الأمة من هاوية الهزيمة في 1967، وتطلقها فاعلاً ذا وزن في المعادلات الدولية.. فإن استعادتها، في العام 2018، وسوريا نفسها قد تدمرت وتفككت فانقسمت إلى إمارات أمر واقع تحت احتلال عدد من الدول، ويتم شحن "ممثلين" لقسم منها إلى إحدى الدول المحتلة، كما سبق شحن رئيسهم بشار الأسد، قبل عامين، بناء على طلب رئيسه الروسي بوتين، تدفع بالمهزلة إلى حدود سوريالية.

عن أي بلاد يغني هؤلاء الذين اختارهم النظام لتمثيله في "مؤتمر الشعوب السورية" وهو الاسم الأصلي الذي ارتآه بوتين للقاء سوتشي الفضائحي، وقد باتت حطاماً وخلت من ربع سكانها الذين تشردوا في المهاجر البعيدة، فيما يهرب ربع آخر من منطقة إلى أخرى هرباً من الصواريخ والطائرات متعددة الجنسيات والبراميل الأسدية وغاز السارين، عاجزين عن اللحاق باللاجئين الذين سبقوهم، بعدما أغلقت جميع البلدان حدودها في وجوههم؟ وأي شمس تلك التي "لا تغيب"، وهي المكسوفة في سوريا منذ سبع سنوات، إن لم نقل منذ انقلاب البعث في 1963، من أفعال برابرة العصر الذين استولوا عليها وأقسموا أنهم لن يتخلوا عنها إلا حطاماً؟

غير أن المهزلة أبت إلا أن تكتمل فصولاً في محطة الوصول: منتجع سوتشي السياحي على البحر الأسود، حيث نام بعض المشاركين على أرض المطار وتوسدوا أحذيتهم، وحيث تلقى بعضهم صفعات على الوجه وأخرى على الرقبة، وأوقع أحدهم على الأرض في التزاحم والتدافع على باب المطعم، فداسوا عليه وركلوه، وحيث راقصة وفد النظام العجوز لم تحرم الحضور من هزة خصرها وإشارات أصبعها الوسطى في وجه "معارضي" سوتشي، وسيلتا "حوارها الوطني" التي لا تتقن غيرهما.

لست معنياً، في هذه السطور، بقراءة سياسية لمؤتمر سوتشي، بل أكتفي بنظرة على حدث فضائحي يليق بالجهة المنظمة (روسيا التي يقودها رجل مهووس بالقوة) كما بمدعويها من سوريين وسفراء وموظفين أمميين وراقصات على جراح بلد مفروم حرم من الشمس والهواء.

كلمات مفتاحية